09 اكتوبر 2005

 

النخب السورية.. الديمقراطية وشرط العلمنة

د. عبد الرزاق عيد*

 

سبق لي أن تناولت شروط النخبة السورية في مجلة الطريق الفلسطينية الصادرة في الأرض المحتلة، حول الليبرالية التي يريدون ويطمحون فكنت مضطرا إلى لفت الانتباه إلى حقيقة ما أخشى أن تكون النخب السورية تحاول ان تعيد إثبات كروية الأرض، متجاهلة ما عرفته التجربة السياسية السورية المعاصرة، هذا من جهة، ومن جهة ثانية تفترض أن الليبرالية متاحة، ومطروحة أمامنا على قارعة الطريق، وما علينا أمام هذه الأكداس من الليبراليات سوى أن نلم، فقام الزميل د.برهان غليون بالرد علينا بنزق معتبرا أننا نظن أن "الليبرالية والديموقراطية آتيتان لنا على حصان التاريخ الابيض ..." ويقوم بمرافعة طويلة ليبرهن لنا على عدم "تلقائية حركة التاريخ" هذا من جهة، ومن جهة ثانية يعتبر أن كتابه "بيان من أجل الديموقراطية" كان نقدا لمفهوم المراحلية التاريخية، التي هي ترسيمة ماركس والتي لا علاقة لها بالتاريخ الفعلي لأي مجتمع من المجتمعات".


لن أتوقف عند هذه الشطحة على ماركس وعلى مفهوم الترسيمة بوصفها تجريدة في الفراغ ، في حين أن أول ما يتعلمه الطلاب في جامعة السوربون التي يدرس بها الزميل برهان، هي أن الترسيمة في علوم اللسان والسيميولوجيا هي تجريد العناصر الركنية للنص، وفي السوربون ذاتها ينظر- حتى المحافظون- إلى ماركس بوصفه (مكتشف قارة التاريخ) بالتوازي والتناظر مع فرويد بوصفه مكتشف (قارة النفس )، وداروين مكتشف (قارة الطبيعة)، بوصف الثلاثة مؤسسين للحداثة وللفكر الحديث.


ما نريده وقفة هادئة ومسؤولة نقوم بها للملمة أشلاء الثقافة الوطنية السورية، إعادة كتابة تاريخ الوعي المدني والسياسي والديموقراطي السوري، تفكيك عمارة السجن (الوطني) السوري الذي أقامه النظام الشمولي البعثي عبر أربعين سنة، وأقام له منظومته الفكرية التي اختزل فيها الوطنية السورية إلى مستوى أن تكون صورة مطابقة للنظام وعلى قدّ قدمه وبسطاره، حيث يبدو اليوم أي نقد للنظام وكأنه خروج على الاجماع الوطني، وسأسارع لأعطي مثالا مغامرا فأقول: إن الخطاب السياسي السوري (المعترض: لأنه دون مستوى المعارضة) حتى اليوم لم يتجرأ على طرح سؤال: ماذا لو أن بعض ضباط الأمن السوريين كانوا متورطين باغتيال الرئيس الحريري؟!


بل يندفع الجميع للتماهي مع الخطاب الإعلامي الرسمي للحديث عن "سوريا المستهدفة" مستسلمين لسطوة فكرة التماهي بين النظام وسوريا!!


فاعتراضنا إذن- على كل هذه الحوارات والسجالات، هو اعتراض على الاستفاضة في لزوم ما لا يلزم من وضع الشروط على الليبرالية أو الديموقراطية أو العلمانية، ليس بسبب "أن الليبرالية والديموقراطية آتيتان على حصان التاريخ الأبيض" بل لأننا يكفينا أي مظهر كان من مظاهر الديموقراطية وأي حد أدنى كان من الليبرالية...


وترف الحوار في هذ المسائل لا يتأتى من " كأننا متمترسون في الخنادق في حرب ضروس "، كما يعلق الأستاذ سلامة كيلة على حوارنا مع د. غليون في (كلنا شركاء 13.09.2005) وهو يرافع دفاعا عن فرض علمانية كاملة، بل بسبب درجة العوز والفاقة إلى الليبرالية والديموقراطية والعلمانية ...


الحوار الدائر اليوم عن العلمانية والديموقراطية، يقدم نفسه كسابقه عن الليبرالية والديموقراطية- بوصفه خطابا تأسيسيا اكتشافيا ، أي أن الحوار ينطلق من تجاهل أية مرجعية فكرية سياسية سورية فيما يتصل بمسألة العلمانية والديموقراطية .


فالحوار الدائر يتصف بالتجريد والنزعة الريادية، لأنه كما أشرنا- لا يستند إلى مرجعية نظرية: فكرية ثقافية سياسية سورية، رغم أن سوريا عرفت في الستينيات أربعة أسماء مميزة على المستوى العربي من حيث دورها الهرطوقي في زعزعة الثوابت الإيمانية " المعتقدوية" لدى الأرثوذكسية الشيوعية والماركسية العربية، وهم ياسين الحافظ والياس مرقص وصادق جلال العظم وجورج طرابيشي، وهؤلاء الهراطقة تميزوا بدور ريادي بالتقشير المعرفي للماركسية من لحاء كهنوتها الايديولوجي، وإيلائهم الأهمية للعلمانية بوصفها (ابستيم) معرفياً ضرورياً تاريخيا في مواجهة بنية المجتمع الشرقي الاستبدادي الآسيوي، بالضد من الأحزاب الشيوعية التي كانت تعتقد أن المسالة الدينية ومسألة العلمانية تندرج في إطار البناء الفوقي ما أن يتغير البناء التحتي حتى يخر البناء الفوقي ويمضي مفرنقعا... وعلى هذا فقد ساهم الشيوعيون مع القوميين ليس في وأد الديموقراطية فحسب بل ومواراة العلمانية، إذ كانت الاثنتان تتفتحان في ظل نمو طبيعي لليبرالية عربية نهضوية شجاعة فكريا وسياسيا: (طه حسين علي عبد الرازق) ولكنها هشة " تحتيا" ، وذلك لأن العلمانية تنتمي لمصفوفة الرؤية الليبرالية، وهي مصفوفة مزدراة-شيوعيا وقوميا- لأنها مادون الاشتراكية والوحدة (التي نبني)، ولأن في ذلك تنقصا وتنازلا من النص الماركسي (الأعلى) إلى النص الليبرالي (الأدنى)، وعلى هذا نستطيع القول للقائلين بأن ثمة نزعة علمانوية في الفكر العربي: إن هذا الفكر لا يعاني ولم يعان من (العلمانوية: العلمانية المتضخمة والمغالية) بل عانى ويعاني من (العلمائية: العلمانية اللينة والرخوة : المائية).


كنا قد أشرنا في سياق حوارنا لعلاقة الليبرالية بالديموقراطية- إلى الأهمية التاريخية والوطنية والأخلاقية للقيام بعملية دمج لبنية ثقافتنا الوطنية المتشظية والمدمرة بشكل منهجي مع هيمنة الإيديولوجيات الشمولية نصف قرن تقريبا، وعملية الدمج هذه تستحضر بالضرورة ترسيمة ياسين الحافظ التي تتميز بوصفها الترسيمة النظرية الوحيدة في الفكر اليساري والقومي العربي- باستثناء القومي السوري انطون سعادة- التي ارتقت بسؤال العلمانية من المستوى السياسوي "علمانية السطح: فصل الدين عن الدولة" إلى المستوى الفلسفي والمعرفي كمعادل للعقلانية والرؤية الدنيوية النسبية الأرضية للكون والمجتمع والثقافة ".


إذا كان قد تمت في سياق الحوارات الدائرة الإحالة إلى بعض المراجع المتصلة بالعلمانية ككتاب عزيز العظمة: "العلمانية من منظور مختلف" وكتاب عادل ضاهر: "الأسس الفلسفية للعلمانية": (وائل سواح الحياة)، لكن الكتابين -على أهميتهما- أقرب للمباحث الأكاديمية المدرسية منها للتأصيل النظري والفكري القادر على المباطنة الجوانية لإشكالية العلمانية وهي تلامس بل وتتعين في النسيج السوسيولوجي المجتمعي كما فعل ياسين الحافظ وهو يحلل التركيب السوسيولوجي لمكونات المجتمع اللبناني خلال الحرب الاهلية، إذ قدم استقراءات واستبصارات شديدة الراهنية اليوم، فتحليله للوعي الإسلامي السني في لبنان -مثلا- على ضوء سؤال العلمانية يبدو شديد الراهنية اليوم مع عودة المجتمع العربي والشامي بخاصة (السوري العراقي اللبناني) إلى الانتماء العمودي الدموي: العائلي والعشائري والطائفي على حساب الانتماء الأفقي السوسيولوجي الطبقي، كما تتبدى صورة المجتمع العراقي الذي خلفه نظام البعث الصدامي، وكأن (البعث) اشتق تسميته من " بعث" كل ماهو ما قبل قومي ووطني، أي العودة إلى نقطة الصفر، بعد تدمير الحياة السياسية بتدمير مرتكزها السوسيولوجي الأفقي...!


والغريب أن كل المتحاورين لم يقتربوا من العملية التاريخية التي تحدث في العراق والتي توفر النقاشات الدائرة حول الدستور مادة غنية، يمكن للنخبة السورية ان تتأملها وتتعلم من دروسها الواقعية دون الاكتفاء بتصحيح المفاهيم على ضوء المراجع النظرية فحسب، بل وعلى ضوء واقع سيشكل في الحقبة القادمة نموذجا مهما في الشرق الأوسط، يفتديه العراقيون اليوم بدمائهم بالنيابة عن العرب...!


وعلى هذا فلا معنى لكل هذه الشروط التي توضع بشكل مسبق على ما ينتظره المجتمع السوري من آفاق ديموقراطية، فالحديث عن استحالة الديموقراطية بدون العلمانية، هو حديث لن يفضي إلا إلى تأييد الأمر الواقع، لأن السيرورة القائمة اليوم في المجتمع السوري إنما هي سيرورة شحن طائفي ومراكمة تستدعي أي شكل أولى من أشكال الديموقراطية، بما فيها -(كنموذج إجرائي)- يخفف من الاحتقان الاجتماعي والطائفي، أما العلمانية فينبغي أن تناظر المستوى الفكري والثقافي لممارسة الديموقراطية الاجرائية باتجاه الفضاء المفتوح للمعنى، وعلى هذا فإنها لا تكون شرطا مسبقا، بل هي معركة مفتوحة وتخاض يوميا، منذ هذه اللحظة وللتو، وبشكل دائم ومستمر، وانفتاح الأفق الفكري أمام العلمانية هو الذي يفتح أبواب كسب معركة الديموقراطية يوميا، وعلى هذا فإن منظورات الحافظ عن كتلة السنة الأكثر تأخرا والاكثر تفتتا وتجزؤاً وتذررا داخليا على حد توصيفه ، يعزوه إلى قاع قبلي-بدوي ما قبل "مللي" إسلامي، ما يضعف العنصر الليبرالي في منظومات وعيها وسلوكها ، على عكس الطوائف الأخرى، بما فيها الأقليات الإسلامية التي حققت ضربا من ضروب الحداثة يقارب ما حققته الجماعات المسيحية بسبب سقوط الحاجز الداخلي نحو قيم حداثة الغرب، وعلى هذا "فإن الجماعة السنية ذات وعي طائفي قاصر حتى عن التطابق مع حاجاتها كطائفة" الأمر الذي يجعل من مشروع الاخوان المسلمين التحديثي يعلو على منسوب الوعي السني السائد، وذلك هو بيت القصيد ، وهو السؤال إن كان الأخوان قادرين على إعادة (القوم الاكثري: السنة) إلى السياسة، ليس كطائفة دينية إنما ككتلة اجتماعية تاريخية مدنية ومدينية كانت نخبها تشكل جسم المشروع الليبرالي النهضوي التحديثي ، ومن هنا المراهنة على دور الاخوان في دفع عجلة التغيير باتجاه نموذج العلمانية الاسلامية التركية، وهذا ما ينبغي ان يراهن عليه العلمانيون، وإلا فالاندفاع باتجاه النموذج الايراني (الدولة الدينية) الذي راح يتبدى عن وجه بغيض ليس أقل بشاعة من النموذج البعثي، أو الإقامة في عذاب قبر البعث إلى يوم البعث..!

 

*حلب

 

للتعليق على هذا الموضوع