14 أغسطس 2005

هيكل العابر للشرعيات

د.عبد الرزاق عيد

 

 

تؤطر ممارسة هيكل الاعلامية والسياسية والثقافية حقبة متكاملة من الزمن العربي الحديث تتخطى نصف قرن من عمر الدولة العربية الأكبر (مصر) ، وهي تجربة تكثف كل الخصائص المتنوعة لتجليات الخطاب القومي الذي كان تعبيرا عن (الشرعيات الثورية): وفق ما ينسب هيكل هذه التسمية الاصطلاحية إلى السمنهوري، هذه الشرعيات التي كانت قد احتلت جزءا كبيرا من المشهد السياسي العربي منذ منتصف القرن العشرين حتى اليوم.

 

تلك الشرعية الثورية أسست لها ثورة يوليو 1952 والتي يحتفل في هذا الشهر بذكراها الثالثة والخمسين، ستشتق عنها شرعيات "ثورية" في عدد من البلدان العربية لاحقا، وسيغدو هيكل وكأنه الناطق الإعلامي العابر لمشاريعها (الثورية) المتنوعة والمتعددة بجلدها (الشعبوي: القوموي ولاحقا الاسلاموي) .

 

إن هيكل الذي استفاد من التعليم الحديث للمدرسة المصرية الليبرالية في الأربعينات ، والذي أتاح له العمل في صحيفة انكليزية (اجبشن غازيت) ومعرفته باللغة الانكليزية ضربا من التكوين الأكاديمي الحديث، سيكسب دوره الاعلامي فعالية ايديولوجية وسياسية أهلته لأن يكون في الصف الأول من "أهل الحل والعقد" في نظام ثورة يوليو ، سيما عندما سينبهر به ضابط شاب (عبد الناصر) قادم من الريف بإقدام وطني "ثوري" عاصف ، عندها سيغدو هيكل فيلسوفا (مستشارا) بل وسيهيكل خطابا سياسيا وايديولوجيا سيشكل عنصرا تكوينيا في بنية الخطاب السياسي العربي القومي الحديث .

 

إن بنية الخطاب هذه سترتسم على شكل خطاطة مثلثة الأصوات: الصوت الأول هو عبد الناصر الذي امتلك مفتاح سر افئدة (الجماهير) برنة الإيقاع الذي يشدد على أواخر الحروف فيمنح الكلمات أمداءها بامتداد الأمداء الجماهيرالعربية من (المحيط الهادر إلى الخليج الثائر: لبيك عبد الناصر ).

 

ورأس المثلث الآخر صوت أحمد سعيد الذي تخصص بصناعة "صوت العرب" الهادر بالدعوة إلى (ارفع رأسك يا أخي العربي) ، إذ المشروع القومي الثوري سيؤسس لـ (الوحدة ما يغلبها غلاب) ، في وجه الرجعية والاستعمارررر ... مع التشديد على الراء الذي كان يفعمنا بالحماسة القومية والفخفخة الثورية والفخامة النضالية !

 

ومن ثم يأتي صوت محمد حسنين هيكل ليمنح للخطاب اتساقه بعد أن تشبع بغواية السرد وفتنته ، متأثرا بالميراث الحكائي العربي من جهة، والمدرسة الغربية الانكليزية في الصحافة القائمة على (الخبر) من جهة أخرى، هذا المزيج المتفاعل مع كيمياء (المسرح- السينما- الغناء: المجسدة لـ "القوة الناعمة" المصرية على حد تعبير هيكل لاحقا ) اتاح تركيبا مزجيا تفاعلت فيه عناصر الخطاب الناصري ، مع خطاب صوت العرب لأحمد سعيد ومحمد عروق ، كل ذلك تفاعل عضويا من أجل انتاج جاذبية سحر الخطاب الذي مارس (رخامته الثورية) تحت شعار "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة " حتى كانت معركة حزيران 1967 ...

 

فكانت الفضيحة التي شخصها مجازيا أحد الجواسيس الاسرائيليين الذي افاق على 5 حزيران وبجانبه الراقصة سهير زكي، فتماهى عري الراقصة (زكي) مع عري الخطاب (الثوري) على حد تعبيره ، وهو يعبر عن ذهوله السعيد بهزيمة الفيل العربي أمام الفأر الإسرائيلي، هذا الخطاب(الحرباوي ) لم يكن فاعلا خلال خمسة عشر سنة من عمر الشرعية الثورية إلا في إنتاج "ثقافة الفتنة " التي تم تصديرها إلى العالم العربي عبر السفارات المصرية التي تحولت إلى مراكز للمخابرات والتجسس (العربي/ العربي) ، فبدأت المرحلة تنتج لنا نجوما للجلادين والقتلة كمثال : عبد الحميد السراج في سوريا المغتال الأول لنويات المجتمع المدني السوري ولتطوره الطبيعي السلمي التعددي.

 

هنا سيتقدم (حاوي : الكلمة/الرصاصة) لانتاج شرعية جديدة ، وهي شرعية تبادل الرصاص بالكلمات أو بالعكس ، حيث نظرية الكلمة رصاصة مع الأشقاء والرصاصة كلمة مع الأعداء ، ووفق شرعية هذه المعادلات (الثورية) ، سيقنع هيكل العسكري المهزوم بأنه لم ينهزم بل هو (منتكس) في البداية ، بل ومن ثم منتصرفي المآل ،رغم أن عبد الناصر كعسكري عاش هزائم 1948 فهو يعرف معنى الهزيمة وطعمها، وكان قد ذاق مرارة الهزيمة في " تثوير" اليمن بتوقيع اتفاق اذعان جدة 1965 .

 

فـ (الفقيه السلطاني: الصحافي الكبير ) يأبى إلا وأن ينفث تعاويذه الشرعية ، فيطلق شياطين سحره لالغاء الواقع لصالح حلول الكلمة بديلا عنه ، فتأتيه مردة الكلام لتحول شوك قتاد (الهزيمة) إلى أغصان "ناكسة" ، ويتم تعديل وتقويم أغصان "النكسة" إلى سنابل (انتصار) ، لقد انتصرنا لأن اسرائيل لم تستطع أن "تسقط الأنظمة التقدمية" في مصر وسوريا، ومنذ تلك الفترة ونحن نعيش طقوس المسيرات للاحتفال بالكلمات والشعارات التي تقنعنا أنه ليس المهم سقوط الأوطان ، بل المهم أن الله يحفظ لنا السلطان !

 

مع الكابوس الحزيراني سيتأسس نظام خطاب قوموي، عماده الانتصار بالكلمات، من خلال منظومة متكاملة من الشعوذات والطلسمات التي اتخذت شكل شعارات، يصنعها كيميائي مشعبذ قادر على تحويل المعادن الخسيسة للواقع، إلى تاج مرصع بذهب الكلمات التي تهز الجبال، فراحت الجماهير تهتف لأول مرة في تاريخ البشرية تحية للقائد المهزوم وتدعوه إلى العودة عن استقالته ، وذلك بفضل تعاويذ هيكل الذي كتب له خطاب التنحية، والطريف في الأمر أن هيكل يتباهى بهذا الدور في أحاديثه على قناة الجزيرة التي أتاحت لنا هذه الفرصة النادرة على الهواء بلقاء التيار الإسلاموي (القرضاوي) مع التيار القوماوي (هيكل) ، ليكون لنا موعد مع مستقبل هزيمة جديدة مؤكدة على صهوة حصان الكلمات الجامحة في الفراغ ، يحولها الاثنان إلى نصر (عربوي اسلاموي) مؤزر ، بسطوع حقائق البداهات اليقينية الكبرى للغة العربية وسطوة سحرها البياني الشعشعاني ...

 

سيما وان الاثنين، وعلى قناة الجزيرة ذاتها، يفتون بنجاعة عالية- في القضايا الاستراتيجية الكبرى لمسائل السلم والحرب، فهيكل بحيادية تحليلية شديدة العمق يعتبر أن العملية التفجيرية ضد بعثة الأمم المتحدة والصليب الأحمر في العراق ، ستجرد الوجود الأمريكي في العراق من الشرعية !! وفق ما خلص محمد عبد المطلب الهوني في مقال له تحت عنوان : هيكل " تقاعد عن الكتابة ليحترف الثرثرة" في 24 أغسطس 2004 على موقع شفاف الشرق الأوسط .

 

تماما كما افتى الشيخ القرضاوي بقتل المدنيين الأجانب في العراق حتى ولو لم يكونوا عسكريين، هذا قبل تراجعه عنها بعد احتفاء عمدة لندن به، فرد له الجميل بأن أسقط من خطبة الجمعة في أحد مساجد لندن، الدعاء على النصارى واليهود بالهلاك، فعفى عنهم مؤقتا كرمى لخاطر عمدة لندن- من الدعاء عليهم بالذوبان كما يذوب الملح بالماء ، لكن الشباب مع ذلك ماعادوا يأبهون لرخاوة جهادية الشيخ ، وذلك بسبب أن أعصابهم المتوترة لم تعد تحتمل ما يقاسونه ، وذلك وفق تبريراته ذات مرة- للذبح الحلال الذي يقوم به الزرقاوي على الشاشة ! تماما كما سفه ابن لادن في 8/10/ 2001 ما كان كتبه هيكل في السفير اللبنانية 1/10 / 2001 عن تأملاته الخارقة حول "الصرب الذين ضربوا برجي نيويورك" ، وذلك عندما أعلن ابن لادن أنه وقاعدته هم المسؤولون عن غزوة نيويورك المباركة ...!

 

طبعا ما كان من الممكن للفتوى القوموية البلاغية لهيكل القائمة على إعدام الشاهد لصالح الغائب ، الواقع لصالح الكلمة القائلة : إن هزيمة حزيران ليست إلا مجرد نكسة ، بل هي-بالأحرى- هزيمة لاسرائيل لأنها عجزت عن اسقاط الأنظمة التقدمية ... نقول ما كان لهذه الفتوى أن تمر دون أن تستثير بداهات البلاغة المضادة الشامتة للخطاب الإسلاموي -التي لم تجف دماء ثأره لاعدام السيد قطب فما كان من الفقيه المضاد (متولي الشعراوي) إلا أن يصلي صلاة الشكر ركعتين لهزيمة عبد الناصر ، هزيمة الشرعية الثورية التي تمثلت في " الشيوعية الناصرية " وفق تعبير الشيخ متولي شعراوي ، أو (الفرعونية الناصرية) وفق تعبير القرضاوي، فبداهات بلاغة الخطاب( القوموي والاسلاموي) القائمة على (الأوندكسا) وهي مخاطبة الجماهير بما تعرفه على حد تعريف أرسطو، تستدعي بداهات مضادة للخطاب الإسلاموي، القائم على وضوح القاعدة الفقهية بـ"وضوح ضوء النهار" وهل ضوء النهار بحاجة إلى دليل؟

 

هكذا منذ قيام خطاب الشرعية الثورية على أنقاض الشرعية الدستورية في الخمسينات بدأ الخطابان (القوموي والإسلاموي) في التجاور والتخاطر حتى التصالح اليوم ، وذلك من خلال خطاب هيكل : في انتاج نظام (التفكير الشعبوي) ، وسيد قطب: في انتاج نظام (التفكير التكفيري) ، وراح الخطابان يتنافسان على محاباة الوعي الشعبي العفوي، عبر تقديس عفويته، سذاجته، في أحايين كثيرة جهله وتجهيله ، فكان مآل ذلك تحويل الأمة إلى جماهير، إلى رعية ومن ثم إلى رعاع دهماء ، وتم كل ذلك على انقاض الميراث المدني العقلاني التنويري الذي انتجته النهضة الليبرالية المصرية بشقيها الاصلاحي الحداثي الكوني المتطلع إلى المثال الغربي من جهة ، وشقه الاصلاحي الاسلامي التنويري المتطلع إلى المثال التراثي الاسلامي العقلاني من جهة ثانية ، منذ منتصف القرن التاسع عشر : (الطهطاوي- الأفغاني- محمد عبده- أحمد لطفي السيد- علي عبد الرازق- طه حسين أحمد أمين... الخ).

 

يتحدث هيكل عن تمييزات المفكر الأمريكي جوزيف ناي بين القوى الناعمة : (ثقافة/ آداب/ فنون) ، والقوى الصلبة (العسكرية والاقتصادية والسياسية) كالفرق بين أثينا (الفلسفة والفنون) واسبارطة (القوة والحرب) أو كالفرق بين صورة فرنسا عالميا كقوة ناعمة، وصورة أمريكا كقوة صلبة ...الخ ويرى أن دور القاهرة ونفوذها العربي يتأتى من حضورها كقوة ناعمة ، والتي يعزو نعومتها إلى السينما والمسرح الغناء- الصحافة دور النشر ...الخ)

 

لكن هيكل يغفل أو يتغافل بأن مصر الذي مثل عابر شرعياتها : الليبرالية (الأربعينات) ، والثورية الناصرية (الخمسينات والستينات) ، والسلمية الساداتية (السبعينات) والانتقالية المباركية (الثمانينات حتى اليوم ...) ، نقول : إن هيكل يغفل أو ينسى أن مصر كانت ولا زالت تتعيش على ماضي رأسمالها من القوة الناعمة التي مثلها تاريخها المدني، الحضاري، النهضوي، التنويري ، وأنها بدأت مع نهوض نموذج شرعياته الفكرية والسياسية على انقاض الشرعية الدستورية ، حيث : ( الاستمرار والاستقرار في حضن اللازمن ) ، تنتقل من القوة الناعمة إلى القوة الفظة ، من نعومة مجتمعية مدنية مرهفة إلى فظاظة شعبوية عسكرية أمنية بوليسية مدمرة ، من مركز جاذب للمثقفين التنويريين الهاربين من الاستبداد الانكشاري والباحثين عن الحرية في القاهرة الناعمة في زمن الليبرالية المصرية ، إلى قاهرة اللاجئين السياسيين والعسكريين من الانقلابيين الشعبويين والعسكريين ، من قاهرة المسرح التي تفتح أبواب حريتها أمام أبي خليل القباني، إلى قاهرة إتلاف ألف ليلة وليلة، واعتبار كتاب الأغاني "نهر سموم" ،من إسلام المدنية الإصلاحية المستنيرة لمحمد عبده إلى إسلام أيمن الظواهري ...

 

وهيكل الذي أطر إيديولوجيا وثقافيا وإعلاميا مرحلة القوة الفظة (الدولة البوليسية) والشرعية (الثورية الإرادوية) التي تحل الإيديولوجيا محل الواقع، والرغبات محل الموضوعيات ، لا يزال يعيش بعد هذا العمر أمد الله في حياته- نزاعات ما يسميه فرويد بـ"نرجسية الفروق الصغيرة" التي تستهوي انثربولوجيا عادة- مجموعات العامة التي تتباهى وتتفاخر بهوية الانتماء إلى المدينة والبلدة والاقليم ، بل والحي، ففي إحدى حلقاته المتلفزة (الجزيرية ذات الصوت الواحد بلا منازع) ، يوحي ايماء وصراحة بمدى حضور نفوذ الحماية الانكليزية على الجزيرة العربية :( الشريف حسين وعبد العزيز آل سعود) ومعوناتها المالية لهما ، وذلك لصالح مديح الملك فؤاد الذي لديه دولة كبيرة وليس بحاجة إلى معونات الانكليز ، والنزعة الظفروية (العامية) المتحكمة بنمط التفكير الشعبوي ، أنست صحفيناالكبير أن الملك فؤاد كان يحكم مصر تحت ظل الحماية الانكليزية ( المحتلة) مباشرة لمصر فلا حاجة والأمر كذلك لمعونات !

 

ويتجاهل حقيقة أن الرجل ( الملك فؤاد) كان اكثر أبناء أسرة محمد علي جشعا وطمعا وأنانية ، وحادثة اصطدامه مع الإمام محمد عبده شهيرة ، وذلك عندما اضطر الإمام ليشكو (الملك) إلى المندوب السامي (اللورد كرومر) بوصفه الوحيد الذي يستطيع أن يكف أطماعه التي امتدت للاستيلاء على ملكيات الأوقاف ، والذي كفها كرومر فعلا ، فما كان من الملك وحاشيته سوى التشهير بالإمام محمد عبده واتهامه بالعمالة للانكليز ، ناسيا وحاشيته أنه يحكم تحت سلطة الانكليز وحرابهم، وذلك الديدن النموذجي للحاكم المستبد الذي كلما واجه المثقف استبداده وعسفه اتهمه بالعمالة للأجنبي، ناسيا أو متناسيا بأنه لا يملك من سفح الشرعية سوى ذرى شرعية الأجنبي الحامي لنظامه، وذلك موضوع آخرعلى كل حال ...

 

بل وأطرف طرائف خبرة تمتد لأكثر من نصف قرن في ممارسة الصحافة والسياسة ، أن الصحفي الكبير لم يتجاوز فهم السياسة القديم ، الذي ينظر لها بوصفها شأنا من شؤون أهل (الحل والعقد) ، فبعد أن يحدثنا طويلا عن الشرعية الثورية (الناصرية) ثم شرعية السلام (الساداتية) ومن ثم مرحلة الشرعية الانتقالية (مبارك) على اعتبار أن الضربة الجوية غير كافية لتأسيس شرعية للرئيس مبارك الذي كان قائد القوى الجوية خلال حرب 6 أوكتوبر على حد تعبير كاتبنا ، فإن الشرعية اليوم تتأسس على "العقد الاجتماعي" ! لكن ما هو هذا " العقد الاجتماعي" الذي يتردد ملفوظه عشرات المرات في حديث هيكل ؟

 

يقولها لنا و "بصراحة" : إنه ليس الديموقراطية ... ! إذن العقد الاجتماعي مع من ؟ وبين من ومن ؟ إنه بين الجماعة : جماعة العقلاء والحكماء من أهل الحل والعقد ، كيف نستنتج ذلك ؟ يقول : يجتمعون في (هيئة أمناء الدستور) لإعلان وثيقة عقد اجتماعي جديد، من أجل العمل لـ"جمهورية برلمانية" ! كيف تكون جمهورية برلمانية بدون انتخابات وصندوق اقتراع ، أي بدون ديموقراطية ؟ ثم لا يلبث الصحفي الكبير أن يدخلنا في متاهة الاستطرادات التي لاتنتهي وهي تمسك بعضها برقاب بعض حتى يضيع الرأس فلا تبقى سوى أرتال الرقاب ... ليختصر-أخيرا- مشكلة مستقبل مصر بصحة (الرئيس مبارك) و مدى القدرة الزمنية الافتراضية للرؤساء على تحمل أعباء الرئاسة التي يرى أن الاختصاصيين يقدرونها بعشر سنوات !

 

لقد أدمن هيكل والخطاب (الشعبوي) : أي الشرعية الثورية وهي تتغول على الشرعية الدستورية ، في استخدام الشعب ، كجماهير، كقوى دهماء عمياء توضع برسم الارادات (الثورية) للزعيم الملهم الخالد ، لتكون طوع بنانه في خدمة (وثنية سلطته) ، دون أية ثقة بها بوصفها كائنات لها ذواتها الحرة ، ومالكة لعقلها وبدنها وإرادتها، ومبادراتها الحرة والخلاقة في امتلاك زمام ذاتها والولاية على نفسها، لوضع دساتيرها وعقدها الاجتماعي وانتخابات ممثليها، ومجلى ذلك أن خطاب (هيكل) العابر للشرعيات : الثورية والسلمية والانتقالية (من الانتقائية الشعبوية القوموية إلى التلفيقية الاسلاموية المعتدلة والجهادية الموحدة اليوم ) ، يجمع على استبعاد المجتمع والشعب عن السياسة إلا في حدود اختزال المجتمعات وحل الشعوب إلى جماهير دهماء يستنفرونها لتحية (القائد المهزوم) ولثنيه عن استقالته ، أو حشدها في سرايا القدس (7 ملايين ) للمقابر الجماعية تحت راية القائد الضرورة ، ولو كانوا يحملون أية محبة وثقة في شعوبهم لما خافوا على أنظمتهم (الثورية) ليبنوا النموذج الأبشع للأنظمة الشمولية البوليسية المخابراتية !

 

وعلى هذا يخلص هيكل إلى أن المشكلة المطروحة على مستقبل مصر ليس في تجديد بنية نظام تكشف عالميا أن مشروعيته الثورية والسلمية والانتقالية إنما هي شرعية إلغاء المجتمعات، وأن الاستقرار في ظل هذه الأنظمة لا يعني سوى العيش خارج الزمان ، ليغدو حركة اعتماد في المكان في حضن برزخ العدم ، حركة دورانية حول الذات القروسطية ، الغائبة عن حركية السهم السائرة بشكل مضطرد نحو الأمام كما تجلت حركية الزمن مع ولادة المجتمع الحديث.

 

حلب- 31/07/2005

abdulrazakeid@hotmail.com

 

 

للتعليق على هذا الموضوع