25 مارس 2005

 

طريق الديمقراطية الشاق

د. عبد المنعم سعيد

 

  في يوم 28 أغسطس 1963 وقف الآلاف من الأمريكيين من أصل أفريقي يستمعون إلى خطبة القس مارتن لوثر كينج التي عبر فيها عن حلمه الأمريكي. وفي هذا الخطاب قال انه " في يوم من الأيام على التلال الحمراء لولاية جورجيا سوف يجلس أبناء العبيد السابقين سويا مع أبناء ملاك العبيد السابقين على مائدة الأخوة الواحدة" و" سوف يعيش أبنائي الأربعة يوما ما في أمة لا تحكم عليهم بلون جلودهم بل بجدارة شخصياتهم ". جرى هذا الخطاب التاريخي منذ أكثر قليلا من أربعة عقود فقط، وخلال القرن العشرين وليس في عصور سحيقة، وفي ذلك الوقت لم تكن أمريكا تعرف قانون الحقوق المدنية، ولا قانون حقوق التصويت، ولا قانون البيوت المفتوحة، ولم يكن ثيرجود مارشال - الأسود - قاضيا في المحكمة الدستورية العليا، وكانت المدارس الأمريكية لا يختلط فيها البيض مع السود، وكانت عملية التصويت تجري بحيث تستبعد الأفارقة الأمريكيين أو تعمل على تصويتهم جماعة لصالح الأمر الواقع، وكانت كلمة " الزنجي " - المعبرة عن خصائص عرقية تعتبر وضيعة - هي التعبير الذائع في الحياة الأمريكية.

 

  كتب وليام جيفرسون كلينتون ما سبق في افتتاحيته للفصل الثامن من مذكراته " حياتي " مصورا النقلة الهائلة التي حدثت لأمريكا منذ جلس يستمع ابن السابعة عشر من العمر إلى خطاب مارتن لوثر كينج. فلم تولد أمريكا ديمقراطية بالشكل الذي نراه عليها اليوم، وحدث ذلك من خلال عملية تاريخية كبرى كانت نضالية من جانب الأمريكيين الأفارقة ومعهم بقية الأقليات الأمريكية الأخرى، ومن خلال عملية نضالية أخرى تقوم على المعاناة والألم من قبل ملايين الأمريكيين الذين لم يتصورا أن تكون أمريكا على شكل آخر غير الذي عرفوه. ولم يكن الغضب الذي تملك الأقليات العرقية - والدينية والسياسية في بعض الأحيان- راجعا فقط للظلم التاريخي الذي جرى على هذه الطائفة أو تلك وسبب التمييز والقهر بأشكال شتى، وإنما كان راجعا أيضا إلى حالة الصمت التي اعترت أعدادا هائلة من الأقلية على هذا الظلم حتى عندما كانت تختلف أخلاقيا معه. وببساطة فإنه عندما تغيرت أمريكا إلى الأفضل في النهاية فإنها كانت لا تعطي الحريات لمن لم يحصلوا عليها فقط بل كانت تنتصر على نفسها وعلى أسوأ ما فيها.

 

  أمر من هذا يجري الآن في بلاد العرب، ومع ربيع الديمقراطية الذي هبت نسماته فإن عملية نضالية واسعة في شقها الكفاحي وشقها البالغ الألم أصبحت جارية تحت أعيننا. وربما لا يوجد خلاف الآن بين الأغلبية الساحقة من الناطقين بلغة الضاد حول المؤسسات الديمقراطية وعمليات التصويت الحر النزيه وحرية الصحافة والتعبير، ولكن الخلاف الأعظم يجري عندما يأتي الحديث عن حقوق المواطنة والمساواة للجميع. فالغالبية من العرب - السنة - تماما مثل البيض الأمريكيين البروتستانت في الولايات المتحدة في السابق لا تقبل من الأصل فكرة " الأقلية " سواء خصت جماعات عرقية - الأكراد - أو دينية - المسيحيين والشيعة - أو جنسية مثل النساء.

ومنذ بدأ عصر الاستقلال والدولة العربية الحديثة كان الإنكار التام للقضية كلها من الأمور الذائعة، بل كان الاتهام جاهزا لكل من حاول إثارة الموضوع بأنه يحاول تفريق ما توحد، وفك ما جرى اندماجه في سبيكة واحدة، والوقوع في يد من يريد ضررا بالأمة.

 

  هذا الحديث لا يزال جاريا حتى الآن حتى عندما تأتي نوبات من الصدق تعترف بالمعاناة والألم؛ وفي بعض الأحيان يجري التخفيف من الحالة بالقول إنه في ظل الدولة العربية الديكتاتورية الحديثة جرت المساواة في الظلم وهي في مرتبة الأخلاق " عدل". ولكن الحال لم يكن كذلك بالمرة فقد كانت الأغلبية تتعرض لقهر واحد قادم من السلطان أما كل الأقليات المختلفة فقد كانت تتعرض لأنواع مضاعفة من القهر القادم من السلطان ومن الدولة ومن المجتمع. وربما كان أشد أنواع القهر قادما كما كان الحال في أمريكا راجعا إلى حالة الصمت التي تعتري الأغلبية حتى عندما تكون عارفة تماما بالمفارقة في الواقع مع مبدأ المساواة. وربما لم يحزن الأكراد من ظلم صدام حسين بالقدر الذي حزنوا فيه من ظلم الصمت العربي على ما كان يقوم به؛ ولم يحزن السودانيون الجنوبيون مما عانوه من التمييز بقدر ما حزنوا من موقف صمت الأغلبية من السودانيين وعدم اهتمام بقية العرب؛ ولم تحزن نساء الكويت من ظلم رجال الكويت بقدر ما حزن من سكوت من يعرف من الرجال في الكويت وممن اعتبروا الأمر كله نوعا من " دلع السيدات " من العرب.

 

  ولعل ذلك هو جوهر الطريق الشاق الطويل نحو الديمقراطية، فربما نستيقظ ذات صباح لنجد السعودية وقد عرفت الدستور والمؤسسات الديمقراطية المنتخبة وشكلا من أشكال الملكية الدستورية؛ وربما نستيقظ ذات صباح لنجد كافة الانتخابات المصرية وقد أصبحت تنافسية وجرى فيها تبادل السلطة بين جماعات وقوى سياسية؛ وربما نستيقظ ذات صباح في العراق ونجد دولة ديمقراطية فيدرالية موحدة؛ وهكذا ربما نجد الديمقراطية ومؤسساتها قائمة في بلاد العرب من المحيط إلى الخليج، ولكن الديمقراطية لن تكتمل ما لم تقم على المساواة والاعتراف بالآخر والذود عنه وعن حقوقه أيا كان عدده ولونه ودينه وجنسه.

 

نقلا عن جريدة نهضة مصر

 

 

للتعليق على هذا الموضوع