6 نوفمبر 2005

 

 

 

هل سيتعلّم النظام في سوريا فن الإملاء؟!

إبراهيم الجبين

 

كانوا يتحدثون عن كتابة التاريخ، ويسوّدون جدران وشوارع المدن الوادعة بعباراتهم... (أنا بعثيٌ وليمت أعداؤه....!!!) (التاريخ لا يصنعه إلا الأبطال... وحافظ الأسد بطل الأبطال !!) (هذا الشبل من ذاك الأسد)...

 

حسناً لا مشكلة ليكتبوا التاريخ كما يحلو لهم، فلن يكتبوا سوى تاريخهم.. هكذا كنا نقول ونحن نقرأ العبارات الكبيرة التي تمتد عشرات وعشرات الأمتار في المدن الصامتة.

 

ولكن، على من يكتب أن يتقن على الأقل فن الإملاء.. كي لا يرتكب أخطاءً هنا وهناك... لا سيما وأن مهمته هي على مستوى كتابة التاريخ.

 

إذا ً يبدو أن على النظام في سوريا أن يتعلم الكثير.. ولكن ما الذي يجب أن يتعلمه الآن؟! أكاد أجزم بأنهم في الأروقة يتحدثون عن (المرة القادمة)..وكأنهم في درس من دروس البعث الاشتراكي العنيف، ويحدّثون أنفسهم بأنهم يجب أن يخرجوا بنتيجة تمنع حدوث مثل هذا المأزق في المستقبل.

 

دليل ذلك واضح... انتبهوا إلى تصريحاتهم..وانتبهوا إلى النبرة القوية والمستفزة التي يدفعون بمراسليهم وكتابهم ومحلليهم وضيوف قنواتهم التليفزيونية إلى التحدث بها.

 

انتبهوا إلى الاسترخاء الذي يظهر جلياً على وجوههم، وكيف أنهم يملكون الوقت لاستقبال برقيات المعايدة والمباركات، وأيضاً للبرهنة على حماقة ميليس..وتقرير ميليس..وتفنيده وإثبات لا قانونية صفحاته الستين.

 

لا يهم إن كان المشبوهون قد تورطوا أو أن لهم علاقة ـ ولو مساساً وعلى عجل ـ  بمقتل رفيق الحريري، لم يعد مهماً، فالعلاقة قائمة أصلا بالإصرار الطويل على البقاء الطويل في ما وراء الحد اللبناني.

 

 ولن تكون مبادرة الأخ فاروق الشرع مفيدة هذه المرة وهي ليست مثل التي قدّمها في إسبانيا حين استلّ من جيبه صورة البلاغ البريطاني الذي يطالب بإلقاء القبض على إسحق شامير... الآن.. لم يحدث أي شيء حين قال الشرع إنه يحمّل مسؤولية انهيار برجي مانهاتن وتفجيرات لندن ومدريد لحكومات بلدانها.

 

 إذا على أي موجةٍ يعملون؟! ولماذا بدا النظام الأكثر حنكةً كما كان الاميركيون يصفونه مرات ومرات..لماذا بدا حائراً وغير قادر على الرد؟!

 

ولكن من يراهنني على أنهم الآن يتابعون البرامج والمسلسلات في موسمها المحموم، وكانوا يحضرون موائد الخيم الرمضانية عند الغروب، وهم الآن في عيد الفطر يعيشون حياتهم المألوفة،  وكأن ما يحدث هو حدث في سياق إنشائي خلقوه من قبل واعتادوا جرّ السوريين إليه كلما دعتهم الضرورة. 

 

لا يصدقون أن هذا يحدث، ولا يريدون أن يصدقوا، ألم يختاروا لمعلّمهم صفة (الخالد)... القائد الخالد؟ كل ما يسيطر على تفكيرهم هو الخلود، وهم لا يؤمنون بأن الأيام تتغير، وأن الواقع ينكمش وينكمش حتى يقترب من تلك البلاد التي لم يسمحوا لنا جميعاً بالتدخل في شأن من شؤونها ـ مع أنها بلادنا ـ  وها هم الآن يمهّدون بقدوم الغزاة...ويوفّرون لهم الأسباب.. وما حيلتهم الآن؟ ... يحتمون بالداخل؟!.. بالشارع السوري الذي يخرجونه في مظاهرات ومسيرات تحمل الأعلام والصور من جديد وتهتف بضرورة البحث في حياة ديتليف ميليس الشخصية!!!!

 

هذا ما علّموه للناس، وهذا ما سيقاومون به الناب الأميركي الأزرق، الذي بات يُشاهد من كل مكان في سوريا، كلما رفعت رأسك نحو السماء، ستراه فوقك.. يدنو ويقترب.

 

وماذا يحدث في هذه اللحظة؟ يبدو أنهم يحاولون بشتى الوسائل اجتراح  تلك المعجزة، إرضاء الأميركيين، وهذا ما نشك بإمكانية حدوثه ولو نزل أنبياء السلطة من سمائهم أجمعين، ولو تدخل الأعراب، ولو حاول حكماء دمشق، كعادتهم، إجراء صفقة  من تحت الطاولة كتلك التي نجح الأسد الأب وحليفه مبارك بإبرامها مع الأتراك في أواخر القرن العشرين وكان ثمنها رأس عبد الله أوجلان وعذابات لا تحصى لأكراد سوريا وتركيا.. وقبل ذلك بساعات كان الجيش التركي قد تجاوز الحدود السورية الشمالية، وتهيأ للاجتياح، ومن أمتع اللحظات في ذلك الفيلم ـ الصفقة، هي عندما عرضت إسرائيل كافة أشكال التعاون والمساعدة للأتراك حينها.

 

ربما تطوروا الآن!! قد يكون ذلك حصل..

 

ولكن لماذا، إذا كانت أساليبهم قد تطورت، يطلب وزير الخارجية السوري (جلسة مغلقة) ليطلع الأعضاء على الحقائق... وإذا كانت هذه الحقائق تفيد سوريا وتضر بالمصداقية الأميركية  والبريطانية والفرنسية، فلم لم يغتنم الفرصة ويذيع تلكم الحقائق على الهواء مباشرة؟!!

(إننا على استعداد لإطلاعكم على تفاصيل في جلسة مغلقة لأن هناك أشياء يصعب قولها في العلن ونحن على استعداد أن نقولها في جلسة مغلقة وليست للإعلام )

 

لنتابع المزيد:

(لا أريد الدخول في مماحكات أريد أن أوضح فيما يتعلق بالسيد ميليس.. يتفق معي أن ما قاله هو فرضيات وكان كل ما طلبه موافقا عليه من قبله، أضيف أن بعضا من محققي ميليس ذهلوا بجمال سوريا وقالوا إنهم يريدون العودة لها كسواح وقالوا أنهم هم سيدفعون أجرة الفندق).

 

ثم عاد وأضاف العبارة الشهيرة التي يظنون أن يتخلصون من الاتهام كلما أعادوها وكرروها:

(سوريا تعرضت للإرهاب قبل كثيرين من الدول ودفعنا ثمنا كثير لذلك في الثمانينات، ولم يقف معنا في ذلك الوقت الكثير من الدول ويعرف السيد سترو أننا بعثنا بأكثر من برقية تعزية وإدانة في العمليات الإرهابية في لندن تموز الماضي، رغم كل الخصومات التي تبدو بيننا اتصلت لإدانة تلك العمليات).

 

هل هذا خطاب سياسي ؟! وهل هذه لغة ذكية حقاً للخروج من الأزمة؟! وما معنى أن نذكر العالم كل يوم بأننا تعرضنا للإرهاب؟ طبعاً يقصدون بإرهاب الثمانينات المواجهات مع الإخوان المسلمين... وهو آخر ما يريد ويحتاج شيخ الدبلوماسية السورية لطرحه في جلسة علنية لمجلس الأمن... ماذا لو طلب أحد أعضاء المجلس فتح تحقيق بأحداث الثمانينات لمناسبة ذكرها الآن؟...  وهل يصح أن يتورط وزير الخارجية في ورطة كهذه... ويورط معه البلاد بأسرها بملايينها بأطفالها ونسائها وشيوخها كما اعتاد أن يفعل هو والمجموعة. هذا خطأ إملائي آخر بالمناسبة ولكنه خطأ مهول... في مجلس الأمن؟!  رائع... وغير معقول... ولا يصدّق...

 

والآن....؟ كيف سيتعلم النظام فن الإملاء؟... حتى لا يخطئ مرة ثانية بسطر يحتوي على شخص بوزن الحريري، أو سطر آخر سريع يضم بلاداً بأكملها كان اسمها سوريا؟

ولكن من أين سيتعلمون؟ وهل سيكون لديهم الوقت لتطبيق القواعد الجديدة؟

 

أعيد القراءة في كازانتزاكي، يقول زوربا في الصفحة 12 بدأً من السطر 20:

 

(أوف..لماذا تجلس هكذا وتطرح الأسئلة، لقد خطر لي ذلك..

تعرف قصة زوجة الطحان الشهيرة؟ حسناً.. يقول المثل اليوناني:لا يمكنك أن تتعلم الإملاء من مؤخرة زوجة الطحان يا سيدي..

.فيتساءل الراوي: وما علاقة هذا بذاك...؟

 يسارع زوربا  إلى القول: هذا هو المنطق... لا يمكن لأحد أن يتعلم الإملاء من مؤخرة زوجة الطحّان.... الأمور منطقية وتسير هكذا.. هذا هو المنطق الإنساني!!).

من أين سيتعلم هؤلاء الإملاء.. إذا كنا قد سامحناهم بالألف باء أصلاً  ومنذ زمن طويل مضى الآن؟!

 

 

 للتعليق على هذا الموضوع