Middle East Transparent

31 مارس 2004

شفــــاف الشــــرق الأوســــط

 

 

فلسطين ومشروع "الشرق الأوسط الكبير"

هل القابلين للمبادرة الأميركية "ناقصو الوطنية"؟

 

 بيار عقل

 

معظم  الذين قرأوا موضوع " لماذا نؤيّد مشروع الشرق الأوسط الكبير؟" لم يعترضوا على ما جاء فيه، ولكن اعترضوا على عدم التطرّق للموقف الأميركي من القضية الفلسطينية.  فكيف نقبل مشروع  أميركا للإصلاح والديمقراطية في المنطقة العربية في حين تتّخذ إدارة الرئيس بوش سياسة منحازةً لإسرائيل إلى درجة لم تبلغها أية إدارة أميركية سابقة؟

 

والسؤال "بديهي" لدي أي عربي. ولو أنه ليس "بديهياً" بحدّ ذاته! و"البداهة" فيه هي أنه يكشف "الإرتباط" الحاصل، منذ أكثر من 50 عاماً، بين "القضية الفلسطينية" و"أنظمة الإستبداد العربية".  وهذا ما كان يُتَرجَم، في الماضي، بمقولات من نوع أن "نظام صدّام (أو غيره) إستبدادي فعلاً، ولكنه يشكّل "متراساً" في وجه "الهجمة" الصهيونية والإمبريالية"!!

 

طبعاً، يمكن الردّ على الإعتراض "البديهي" بأسئلة لا تقع "بداهة". فلماذا تُقمَع حرية الصحافة بحجّة المواجهة مع إسرائيل؟ للحفاظ على الإسرار العسكرية، حسب خرافة كانت سائدة في الخمسينات والستينات والسبعينات؟ وهل توجد أسرار في عصر الأقمار الصناعية والإنترنيت؟ وإذا كانت الصحافة يمكن أن تكشف ما لا يجوز كشفه للعدو، فماذا الذي تكشفه كتابات نجيب محفوظ وبدر شاكر السّياب الممنوعة في أكثر من بلد عربي؟ وكيف يشكّل تشكيل نقابة لعمّال المطابع مثلاً تهديداً لـ"الأمن القومي العربي". وهذا حتى لا نتحدّث عن المخاطر المزعومة التي يمكن أن يشكّلها وجود قضاء مستقل، أو برلمان مستقل.

وبالمنطق نفسه، كيف تمثّل "البربرية" المنحطّة السائدة في سجون معظم البلدان العربية دفاعاً عن "الأمن القومي" المزعوم؟ أي، ما العلاقة بين هذه المظاهر "المألوفة" للمجتمعات العربية والسياسات التي تقرّرها إدارة بوش، أو غيرها، تجاه القضية الفلسطينية؟

 

هل القابلين للمبادرة الأميركية "ناقصو الوطنية"؟

لكن الردّ على السؤال بمثل هذه الإسئلة لا يكفي لإقناع المتشكّكين. ولذا، كان لا بدّ من الردّ على السؤال بخلفياته الحقيقية. فـ"الربط" بين الإصلاح الداخلي والقضية الفلسطينية هو في واقع الأمر ربط "قومي". أي أن المشكّكين ينطلقون من "غيرة قومية" مزعومة. غيرة على فلسطين أولاً، وغيرة على "العروبة"، أو على "السيادة العربية" التي لا يجوز لها القبول بـ"تدخّل أجنبي" في شؤونها.

 

 وهذا "المنطق" (!) القومي هو ما يحتاج إلى ردّ. وهذا مهم لأن هذا المنطق المزعوم يتضمّن "منطقاً" آخر، مكتوماً أو صريحاً: وهو أن من يقبلون بالمبادرة الأميركية للشرق الأوسط الكبير هو من "ناقصي" الوطنية. أي من "المتواطئين" مع "الأجنبي". وكلمة "الأجنبي"، هنا، يمكن أن تحمل جميع المعاني الواعية وغير الواعية: فالأجنبي هو الأميركي والغربي عموماً، وهو "الروم" أو "العجم"، وهو أيضاً "غير المسلم" أو حتى "الكافر"، إلخ.. أي أنها تعبير يعطيه كل واحد من المتعاطين بالشأن العام، وكل مواطن، ما يمثّل خلفيته الثقافية والسياسية والدينية.

 

 

 

 

 

من استدعى الجيوش الغربية إلى المنطقة؟

لنبدأ بالنقطة الأولى. أليس من "أبلغ العبر" (والعرب يعشقون البلاغة) أن المسؤول عن استدعاء القوات الأميركية والغربية إلى المنطقة، مرّتين خلال السنوات الـ13 الأخيرة، كان تحديداً "حزب البعث العربي الإشتراكي"، بجناحه العراقي؟

 

 لقد كان الإستبداد الصدّامي، المستند إلى إيديولوجية قومية تتخلّلها ملامح فاشيّة واضحة، المسؤول عن غزو بلدٍ عربي مسالم، مما استدعى تدخّلاً أجنبياً-عربياً عسكرياً في العام 1991. وكان نفس النظام المستبدّ، بما مثّله من مخاطر جسيمة على شعبه أولاً، ثم على جيرانه، وأخيراً على العالم كله، هو الذي تسبّب بالغزو الأميركي-البريطاني للعراق في العام 2003. هذه هي الوقائع. وكما قال الزعيم الكردي جلال الطالباني قبل أسبوع: "لم يكن التدخّل الأميركي في العراق الحلّ الأمثل، ولكنه كان الحلّ الوحيد الممكن".

إن صدّام "القومي العربي" بامتياز هو الذي جرّ على بلده، وعلى المنطقة، التدخّل الأجنبي.

 

 وبالمناسبة، فلا معنى للقول بأن صدّام لم يكن يمتلك أسلحة الدمار الشامل التي تحدّث عنها الرئيس بوش. وذلك، حتى لو ثبت، في النهاية، أن نظام صدّام لم يكن يمتلك مثل هذه الأسلحة في العام 2003. لماذا؟

 

أولاً، لأن صدّام حسين استخدم هذه الأسلحة فعلاً ضد شعب العراق (حلبجة)، وأجرى تجارب كيميائية وبيولوجية على المساجين السياسيين وغير السياسيين.

 

وثانياً، لأنه لم يكن بوسع جيران العراق، الأقربين والأبعدين (إيران مثلاً)، أن يبنوا "أمنهم القومي" على فرضيات أن علماء صدام وجنرالاته كانوا يكذبون عليه، ويرفعون التقارير الكاذبة عن أسلحة وهمية غير موجودة في الواقع! ويعني ذلك أن أي سياسي إيراني "مسؤول" كان سيجد نفسه مضطرّاً للشروع ببرنامج أسلحة مقابل و"سرّي" لمواجهة الخطر العراقي المفترض. وهذا ما قد ينطبق على جيران العراق الآخرين.

 

ألا يوافق المعترضون "من زاوية قومية" أن غياب حرية التعبير في العراق هو الذي "ضخّم" خطر أسلحة الدمار الشامل الصدّامية؟ وأن بلداً يمتلك الحدّ الأدنى من الشفافية، أي من الحريات العامة، يحمي نفسه أكثر مما يحميها بلد يحكمه نظام فاشي مثل نظام صدام؟ إن العالم الحديث "قرية كونيّة"، وهذا يعني أن أية دولة لم تعد تمتلك "سيادة" مطلقة حتى ضمن أراضيها. لماذا؟ لأن نتائج مشاريعها الداخلية تؤثّر في جيرانها، وحتى في دول تبعد عنها آلاف الكيلومترات. وهذه خلاصة المشكلة الأميركية مع  كوريا الشمالية.

 

ولنعطِ مثلاً يفيد أصحاب "الحساسية القومية": لقد اعترضت روسيا على برنامج  الدرع "الدفاعي" الأميركي. لاحظ كلمة "دفاعي". لماذا؟ لأن تطوير صواريخ أميركية قادرة على اعتراض الصواريخ النووية الروسية وتدميرها يعني أن روسيا ستفقد "رادعها" النووي، وتصبح بالتالي مكشوفة لخطر ضربة أميركية أولى. ألا يعني ذلك أن "السيادة" الأميركية "ناقصة"، لأنها مضطرة لمراعاة المخاوف الروسية؟

هل من حاجة لإضافة أن الإسبتداد الديني لم يسفر عن نتائج مغايرة؟ فالبربرية "الطالبانية" استدعت بدورها تدخّلاً دوليا حرّر الشعب الأفغاني من قبضة القرون الوسطى ومن الإرهاب المموّل عربياً.

 

ولا نجد حاجةً كبيرة، في سياق الأمثلة، للإلحاح على تهافت "الروح الوطنية" الجديدة و"العداء لأميركا" الذي اكشتفته أنظمة مثل المملكة العربية السعودية. فالسعودية نفسها تعرف، في ما نعتقد، أن أمنها "الوطني" مرتبط إرتباطاً وثيقاً بـ"العلاقة المتميّزة" مع الولايات المتحدة.

 

والخلاصة، هنا، هي أن المشكّكين بـ"وطنية" من يؤيّدون مبادرة "الشرق الأوسط الكبير" هم الأكثر "أهلية" للطعن في وطنيتهم. و"العبر بالنتائج"، كما يُقال.

 

ماذا عن القضية الفلسطينية؟

والسؤال، هنا، هو: هل يمكن لعالم عربي ديمقراطي أن يظلّ على دعمه للشعب الفلسطيني؟ ألا تعني الديمقراطية والإصلاح أن شعوب المنطقة ستنهمك بترتيب "بيوتها الداخلي" على حساب شعب فلسطين؟

 

ولنفترض، أولاً، أن هنالك  إقراراً ضمنياً حتى من خصوم المبادرة الأميركية بأن القمع الفظيع الذي عاشته شعوب المنطقة طوال أكثر من خمسين عاماً لم يخدم قضية فلسطين. وإذا كانت "العبر بالنتائج"، فأنظمة الإستبداد العربي لم تحرّر فلسطين،  بل وخسرت أراضي 67.

إن أي نظام عربي لا يرفع اليوم شعار تحرير فلسطين. وجلّ المطروح هو استعادة الأراضي المحتلة في العام  1967 مقابل السلام، أي "مبادرة الأمير عبدالله". هذا يعني أن أنظمة الإستبداد العربية، و"زمرها" العسكرية الحاكمة فقدت "شرعيّتها" السياسية، باعترافها هي نفسها. وهذا، إلا إذا أعلنت هذه الأنظمة رفضها لـ"مبادرة الأمير عبدالله". وهذا م لم يحصل.

 

الأفق السياسي العربي-الفلسطيني الآن هو: إنسحاب إسرائيل من الأراضي غير الفلسطينية التي احتلّتها في 1967 (أي الجولان عملياً)، وإقامة دولة فلسطينية في الضفّة الغربية وغزّة.

وينبغي أن يتركّز النقاش، إذاً، حول النقطة التالية: هل يتعارض مطلب الإصلاح السياسي، وتوسيع الديمقراطية، وإعادة الإعتبار لـ"المرأة  مع هذه الأهداف العربية؟

 

لنلاحظ، أولاً، أن أكبر مظاهرة في الشرق الأوسط إحتجاجاً على مجزرة صبرا وشاتيلا جرت  في.. إسرائيل. وليس في أية عاصمة عربية. ببساطة، لأنه يحق للإسرائيلي أن يتظاهر، في حين لا يمتلك المواطن العربي هذا "الحق"! ولنلاحظ، ثانياً، أن نظام الفساد والفردية والبداوة الذي شرعت سلطة ياسر عرفات بإقامته في الضفة وغزّة لعب دوراً مهماً في تراجع الدعم الأوروبي والأميركي للفلسطينيين، وسهّل خطّة شارون باستبعاد عرفات من الواجهة. وهذا ما لا ينكره الفلسطينيون أنفسهم. وبكلام فلسطيني "لم يفهم عرفات أنه لا يستطيع أن يتعامل مع شارون مثلما تعامل مع سليمان فرنجية".

 

يتغيّر السؤال إذا، ليصبح: أيّهما أفضل لإدارة الصراع مع إسرائيل؟ منطقة ديمقراطية، أي متصالحة مع نفسها، أم منطقة عرضة لهزّات داخلية، وحروب أهلية محتملة؟

 

ولا يستطيع أحد أن يجيب عن السؤال الآن. فمستقبل الصراع العربي-الإسرائيلي مرهون بعوامل كثيرة، داخلية وخارجية. ولكن رأي "الديمقراطيين"، أي القابلين بمشروع الإصلاح والتغيير الأميركي-الأوروبي هو أنه الحل الوحيد (وقد لا يكون "الأمثل"، بتعبير جلال الطالباني مرة أخرى) للحؤول دون انهيارات عربية تجرّ على المنطقة تدخّلات أجنبية جديدة، وتؤخّر الإنسحاب الإسرائيلي وإقامة الدولة الفلسطينية المنشودة.

الحل الأمثل يكون بمبادرات إصلاح عربية ذاتية تفرضها مؤسّسات المجتمع المدني العربية. وهذا، لو كانت مثل هذه المؤسّسات موجودة...