مصير التنوع والعيش المشترك في سوريا ومحيطها - Middle East Transparent



مصير التنوع والعيش المشترك في سوريا ومحيطها

المشكلة في أساس الثقافة السياسية العربية التي لم تتمكن من تجاوز الازدواجية بين الكيانات الوطنية والأمة العربية أو الإسلامية كمصادر لولاءات سياسية جامعة.

الأحد 14 حزيران (يونيو) 2015

د. خطار أبو دياب

بعد أكثر من أربع سنوات على الحراك الثوري السوري، ومع تأثر كل المحيط الجيوسياسي لسوريا بتداعياته، خاصة مع تفاقم الوضع العراقي واحتدام الاستقطاب الإقليمي والفتنة داخل الإسلام والتلاعب الدولي، تقفز إلى الواجهة مشاكل العيش المشترك بين المكونات المختلفة مع صعود خطاب الإقصاء والتكفير ومفردات الأقليات والتقسيمات. ولا ريب في أن أنظمة الاستبداد التي دمرت دولها تجد في الجماعات الدينية المتشددة معين لدفن فكرة المواطنة وضرب التنوع الذي كان عنوان المشرق.

في الشرق الأوسط عموما، وفي المشرق خصوصا، فسيفساء أديان ومكونات إثنية ومذهبية تكاد لا تخلو منها دولة أو لا يخلو منها مجتمع. أرض المشرق وشبه الجزيرة العربية فيها موئل الديانات التوحيدية الثلاث، وعليها تعاقبت الأقوام، وفيها حصلت حروب الإمبراطوريات، ومنها انطلقت الفتوحات الإسلامية ونحوها أتت الحروب الصليبية. هذا التاريخ الزاخر بإيجابياته وسلبياته ألقى بظلاله على دول الاستقلال ومآلاتها وفشلها في الوصول إلى الرابطة الوطنية، كي تعلو على الهويات الصغرى الدينية والفئوية والعشائرية والجهوية.

اندلعت الانتفاضات العربية في نطاق الكيانات، ولم تكن لها في البداية أطروحات فوق قومية أو دينية. ورغم أن قوى أيديولوجية استعجلت قطف الثمار لبناء مثالاتها في “الدولة الإسلامية”، أو في الخشية على “دولة القانون” (أو دولة الحق المدنية والعلمانية الطابع) مما زاد في احتدام الصراع بين التيار الديني والتيار المدني، لكن البارز أيضا يقظة المطالبة بالهويات المتميزة مذهبيا وإثنيا ضمن الكيانات التاريخية، وفي هذا الإطار بدت المسألة الكردية كعنصر لا يمكن إهماله في مقاربة القضية السورية.

لم يكن تحصين الكيان الوطني في سوريا مطروحا في ظل نظام قابض على المجتمع وعلى كل اعتراف بالخصوصيات، ومنها الهوية الكردية في الداخل مع أنه جرى اللعب على وترها في الجوار. أمام المغالاة اللفظية حيال العروبة والوحدة وإزاء قمع تيارات الإسلام السياسي، لم يتم إيلاء الاهتمام لتعزيز المواطنة ضمن الدولة الأم.

تكمن المشكلة في الثقافة السياسية العربية المعاصرة التي لم تتمكن من تجاوز المفارقات التي تستحدثها الازدواجية بين الكيانات الوطنية وفكرة الأمة العربية أو الإسلامية كمصادر لولاءات سياسية جامعة. علينا أن نعي أن النسق الكياني تمكّن، بفعل استمراريته منذ عدة عقود، من تثبيت نوع من الشرعية الفعلية التي دفعت بها ديناميكيات سياسية واجتماعية واقتصادية مخصّصة لكل من هذه الكيانات.

ثمة رؤية تاريخية مغايرة تقول بأن الجغرافيا السياسية لاتفاقية سايكس بيكو ما هي إلا الترجمة الدبلوماسية لديناميكيات تاريخية فاعلة. لكن ذلك بحاجة لنقاش أوفى وبراهين. بيْد أن أحوال التفكك والتشرذم والتطرف السائدة حاليا، أخذت تجعل بعض الوحدويين سابقا يترحمون على منظومة سايكس بيكو ويتمسكون بها لتفادي الأسوأ.

ما بين “الدولة – الأمّة” في سوريا ومتخيّل الأمة العربية والإسلامية، برزت تناقضات لا تزال فاعلة في قلب الثقافة والديناميكيات السياسية، لاعتبارات ليست فقط أيديولوجية بل تعود إلى اختلاط السياسي بالديني في الإسلام، ولعدم النجاح في اكتساب شرعية فعلية تمحض القدرة على حل مشاكل التماسك الوطني والتداخل الاقتصادي والاجتماعي والثقافي من خلال سياسات قائمة على الاعتراف المتبادل والمساواة في الحقوق الأساسية والديمقراطية والقبول بواقع التعدّدية الإثنية واللغوية والثقافية.

في المسألة الشرقية الجديدة سيطرح، بشكل حاسم، مصير المكونات العرقية والدينية واللغوية، ويربط البعض ذلك بمشاريع التفكيك وإعادة التركيب دون التنبه لحساسيات وذاكرة تاريخية وعيش مشترك صمد رغم أنواء كثيرة عبر السنين، يزداد التخبط مع أصحاب الذاكرة المثقوبة والخطاب المشروخ لأن النظرة إلى أبناء الوطن الواحد حسب تصنيفات أيديولوجية دينية إلغائية أو حسب معايير قومية مغلقة أو مذهبية انفعالية، ستقود الجميع إلى الحائط المسدود إذا لم يبرز نهج قادر على بلورة عقد اجتماعي يكون بمثابة ميثاق إعادة تأسيس الكيانات والدول أو المشرق برمته.

لا يعتبر ذلك ضربا من الخيال إذ لا يمكن للأكثرية في سوريا أن تستعيد حقوقها عبر إلغاء الآخرين، بل من خلال العودة إلى الوطنية الرحبة مع تطبيق عدالة انتقالية، دون الوقوع في أخطاء ما جرى في العراق بعد سقوط صدام حسين. ولا يمكن العمل من أجل بقاء المسيحيين في الشرق وفق الوصفات القديمة في الاعتماد على الحماية الأجنبية، أو على تحالف المكونات الأقلية والمستبدين، بل من خلال الإصرار على التفاعل وتبادل الاعتراف بالآخر على صعيد أرحب، لأن انهيار العيش المشترك في الشرق في زمن صعود الأصوليات يمكن أن يتأثر به الإسلام في أوروبا مثلا .

ليس سهلا اليوم في فترة التفكك في سوريا الإجابة على سؤال “من نحن” وحل إشكاليات الهوية. سقط الرهان القومي الطوباوي والمتخيل الإسلاموي الذي يحل الأمة محل الوطن. إن طرح إلغاء الكيان السوري كي يذوب في المشروع الإيراني الإمبراطوري، أو مشاريع الجهاد الكوني الأخرى، هو طرح انتحاري وترويج لحرب مديدة وستكون نفس النتيجة مع تفكيك سوريا إلى دويلات مذهبية غير قابلة للحياة. والأهم بلورة حوار يتيح بناء جمهورية سورية حاملة لمشروع إقليمي جديد، تفتخر بهويتها التعددية والمشرقية التي تستوعب الجميع وتحفظ وحدة شعبها وأراضيها.

أستاذ العلوم السياسية، المركز الدولي للجيوبوليتيك – باريس

khattarwahid@yahoo.fr

"العرب"