أبو زيد وسط "غابة" التيار الدينيالاربعاء 7 تموز (يوليو) 2010 حينما يردد المنتمون إلى التيار الديني أن وفاة المفكرين العلمانيين الحداثيين، مثل رحيل نصر حامد أبوزيد، هو انتقام إلهي، فذلك يوضح أن الفكر الذي يبنون عليه رأيهم هو فكر أجوف لا ينتمي إلى الحاضر ولا إلى الإنسانية ويعبر عن سلوك عدواني لا يليق أن يتصف به الله. هم يبنون هذا الرأي استنادا إلى النص الديني القائل "وما يعلم جنود ربك إلا هو وما هي إلا ذكرى للبشر"، ويلصقونه بالمفكر الراحل لأنه أراد أن يفسر القرآن. فإما أن يتم تفسير القرآن وفق منهجهم والنتائج التي يرجونها، وإما الانتقام الإلهي بإلغاء أبوزيد. إنها "غابة" التيار الديني وليست "ساحة" التيار الديني. إنهم لا يعون أن معيار الحرية بات هو السائد الآن، فيما هم يريدون للمعيار التاريخي، أي امتلاك الحقيقة الدينية والوصاية على الفهم وعلى تفسير الدين، أن يظل سائدا. لذلك هم يستسلمون ويخضعون لتفسيرهم الماضوي الإلغائي، ويرتجفون أمام أي تفسير حداثي يزلزل الأرضية التي يقفون عليها ويهدد بالنسيان التفسير الذي ينطلقون منه، والذي عجز عن استيعاب أسئلة الحياة وفشل في وضع إجابات علمية وواقعية لها. لقد أراد أبوزيد للحرية أن تكون هي المدخل لاختيار تفسير الحقيقة الدينية، فيما هم أبوا إلا أن تكون الحقيقة الدينية هي الحقيقة الواحدة، حقيقتهم فقط، لا الحقيقة ضمن إطار فيه الكثير من الحقائق، الحقيقة التي يمكن إخضاعها لعدة تفسيرات وفق مدارس متعددة لفهم النص. هم يريدون أن يفرضوا فهمهم علينا، غصبا على الجميع، أو انتظار الإلغاء قتلا أو عن طريق الانتقام الإلهي. يريدوننا أن نخضع لهم من خلال تهديدنا وإرهابنا، وأن نرمي معيار الحرية وما يتفرع منه من تعددية ونقد واحترام الآخر في مزبلة التاريخ. يريدوننا أن نكون أسرى فهمهم "للحقيقة الدينية"، وأن نظل في سجونهم، لكنهم لا يعون بأنه من غير الوارد في العصر الحديث الاستسلام لحقيقة معينة، ولابد من ظهور حقائق عدة، واختيارات تمس الحقيقة وتمس فهمها كنتيجة حتمية من نتائج معيار "الحرية"، ومن ثم لابد أن يتم احترام الاختيار بوصفه معبّرا عن إرادة الإنسان. إن من يزعم امتلاك الحقيقة الدينية واحتكار تفسيرها هو في الواقع يسرق إرادة المفكرين في البحث العلمي، ومن ثم يسرق حرية عامة الناس في اختيار ما يرونه مناسبا من تفسير يناسب حياتهم الحديثة. لكن التيار الديني يأبى إلا أن يخنق تلك الإرادة وتلك الحرية بزعمه أنهما تناهضان الدين في حين أنهما تخالفان وصايته على الفهم الديني. ومن الطبيعي ألا يستطيع معيار الحرية التعايش مع هذا النوع من الوصاية والاحتكار والإلغاء، بسبب أنه يضيق على حرية الإنسان وإرادته. ومن الطبيعي أن يتمسك التيار الديني باحتكاره لآلية فهم الحقيقة الدينية، لأن أي تراجع لصالح حرية الاختيار وتعددية الفهم هو بمعنى تقديمه تنازلات قد تهدم بنيانه الديني والفكري والسياسي والاجتماعي. فالاعتراف بمعيار الحرية في الحياة، الذي يجعل الإنسان حرا في اختياراته الدينية والفكرية والاجتماعية، وحرا في اختيار أفهامه، وحرا في نقد التفسيرات، دون إلغاء أو إقصاء من قبل طرف ديني ضد أطراف دينية وغير دينية، قد يكون بداية النهاية للتيار الديني. إن ما عزز مفهوم الإلغاء وساهم في تحريك ماكينة العنف الدنيوي والانتقام السماوي وشجع رؤى التكفير وأضعف مفهوم التعايش، هو استمرار التيار الديني في وصف فهمه للدين بأنه هو القرآن، وهو الفهم النهائي، وأنه ليس فهما من الفهوم البشرية، أو تفسيرا من التفسيرات الصائبة أو الخاطئة، أو قراءة من القراءات النسبية، وأنه لا يحكم أي تفسير من تفسيراتها على التفسير الآخر بأنه خاطئ فحسب وإنما يعتبره خارجا عن الدين وزندقة ولا يمثل القرآن. لذلك، حينما نتمعّن في الاتهامات التي كانت وستظل توجّه إلى أبوزيد – ملحد، زنديق، مرتد، كافر، ... بسبب "تعديه على ثوابت الدين" – نصل إلى نتيجة منطقية وهي أن الغالبية العظمى من المسلمين تكفّر بعضها بعضا، لأنها تختلف حول تلك "الثوابت". فالذين وافقوا على اتهام أبوزيد، وافقوا على ذلك استنادا إلى الفهم المغاير للمفكر المصري إلى "الثوابت"، وليس على أصل "الثوابت". فمثلا، الاختلاف الأساسي بين الشيعة والسنة هو على "الثوابت" أيضا. لذلك، فإن فكر التيار الديني يعيش أزمة واقعية، أزمة لا يستطيع من خلالها أن يحل مشكلته العويصة المتمثلة في تكفير وإلغاء وإقصاء الآخرين، وفي أن فهمه للنص الديني مقدس وثابت ونهائي ولا يتزحزح، ومن ثم يقدّس رأيه ويكفّر رأي الآخرين المختلفين معه الذين يدّعي بعضهم أيضا بأن رأيهم يعكس "الثوابت". ssultann@hotmail.com كاتب كويتي
عدد الردود: 3
|
|||||||||||||||||||||
|
|
|||||||||||||||||||||
|
|
|||||||||||||||||||||
|
©Middle East transparent© This site is developed by Middle East Transparent team - 2007-2009.
This site is best seen at resolution 1024x768 and over
©Middle East transparent©
|
|||||||||||||||||||||
|
64 |
|||||||||||||||||||||
تعليقات القرّاء