![]()
16 أبريل 2007
أبناء الرافدين فى مضارب الأردن 2
المحامى سليمان
الحكيم
يعتبر هاجس الأمن ذو أولوية قصوى
فى السياسة الداخلية للمملكة الأردنية ويتقدم على
العامل الاقتصادى برغم أن البلد محدود الموارد ويعتمد فى تدبير جزء كبير من عملته الصعبة على معونة الدولة الأعظم
بالدرجة الأولى ومن بعدها تأتى بريطانيا ودول الخليج العربى. بل أن ملك الأردن لا يزال وبعد اغتيال الملك المؤسس يحصل على راتب شخصى سنوى قرره الملك عبد العزيز
آل سعود وقدّره وقتها بثلاثين مليون دولار.
ومع ذلك فان أولوية الأمن على كل شىء آخر مهما
بلغت أهميته كان من ثوابت الدولة الهاشمية، وبوسعنا تفهّم ذلك اذا
استعدنا المنعطفات الخطيرة التى أوشكت أن تعصف بالعرش الهاشمى مرارا منذ تأسيسه وحتى سنوات قريبة. ولذلك فان
الأجهزة الأردنية بادرت الى اتخاذ اجراءات
بدت غير مألوفة فى تشددها اذ
أوقفت تدفّق العراقيين على أراضيها بشكل شبه تام فأعيدت حافلات بكامل ركابها
وسيارات وطائرات بمعظم مسافريها الى
العراق، وسمح بالدخول للعراقى الذى
يبلغ الأربعين سنة فما فوق دون أولاده. وفى الوقت ذاته التفتت الأجهزة الأمنية الى الداخل حيث المقيمين العراقيين لتنقيتهم من غير المرغوب
بهم على أرضها. فتمّ ابعاد مئات ممن ثارت حولهم شبهات
نشاط طائفى شيعىّ أو على
علاقة حركية بشبكات الارهاب السنّى
أو لمجرّد ارتكاب مخالفة عادية، وتعيّن على باقى
العراقيين – بعد غربلتهم من قبل جهاز المخابرات – أن يختاروا بين ايداع مئة وخمسين ألف دولار فى أحد
المصارف حيث يتم تجميد نصفها لصالح وزير الداخلية لمدة سنة هى
فترة الاذن بالاقامة أو انشاء شركة مع طرف أردنى على ألاّ
تقل ّ حصته عن مئة وخمسين ألف دولار أو أن يقيم مشروعا استثماريا لينال صفة مقيم
مستثمر بامتيازاته وتسهيلاته. ويكلّف مثل هذا الامتياز
مبلغا من ستة أصفار. وبلغ من التشدد فى
هذا الاتجاه أن عائلة مثل آل الخوّام - وهم
شيوخ لعشائر كبرى فى جنوب العراق وينتمون الى المذهب الشيعى - تقيم بأعدادها الكبيرة فى
الأردن منذ أوائل التسعينات وأنشأت مشاريع صناعية وخدمية وعقارية وارتبطت بعلاقة
وثيقة بالقصر الملكى منذ عهد الملك حسين تتعرّض اليوم
لمضايقات وصلت الى حدّ اغلاق
مصنعين تمتلكهما للمواد الغذائية والمنظفّات لأن بعض عمالهما لا يحوزون أذن اقامة مع أن
هذا الأمر ليس بالجديد. ولكن حقيقة ما حصل أن
السيد عبد العزيز الحكيم فى زيارته الأخيرة
للأردن قد صرّح برغبته فى بناء حسينية ورشّح آل الخوام للاشراف على شؤونها، ولم
يكن بوسع النظام الأردنى أن يوافق على ارتفاع هلال شيعى فى سماء بلاده فضلا عن توجسه
من دعم قوة اقتصادية بارزة لهذا المشروع. بمثل
هذا التوازن بدا الحكم الأردنى وكأنه يسير على حافة
هاوية. فهو لا يريد الاصطدام مع الحكومة الطائفية فى
العراق حفاظا على مصالحه وأهمها وعود بحصوله على امدادت
نفطية بأسعار خاصة. وفى الوقت ذاته فانه ليس مستعدا للمخاطرة بمواجهة طائفية بين
العراقيين المقيمين على أرضه ولا لاستثارة المكوّن الفلسطينى
من شعبه الذى تنشط بين صفوفه دعاوى التطرّف السلفى ووصلت رموزه الى مقاعد مجلس
النواب ورئاسة النقابات وزاد الأمر تعقيدا بوصول منظمة حماس الى
السلطة. وقد يكون مهما قراءة نتيجة آخر استطلاع للرأى
العام الأردنى تبيّن فيه أن 60 % من فلسطينيى الأردن يؤيدون منظمة القاعدة!
فى مثل هذه
الأجواء يقيم اليوم فى الأردن حوالى
نصف مليون عراقى يستوفى معظمهم الشروط القانونية للاقامة ولكن حياتهم الاجتماعية تكاد تقتصر عليهم، اذ باتت لهم مطاعمهم التى انتقل
المشهور منها من بغداد كما تكاد تكون لهم فنادقهم ومقاهيهم وحتى مخابزهم. فلم يحدث اندماج حقيقة بينهم وبين (اشقائهم) الأردنيين و تنحصر العلاقة بين الطرفين فى حدود التعاملات اليومية. ومن الانصاف
القول أنهم اضافة الى
الاقتصاد الأردنى وأنهم لم يكلّفوا الدولة الأردنية
فلسا واحدا اذ أن البنية التحتية
وخدماتها مخصخصة ويدفع العراقى
كشأن الأردنى قيمة الخدمة كاملة، وقد ألغت وزارة
التعليم رخصة دخول المدارس والجامعات الحكومية لأولاد العراقيين وبات عليهم اللجوء
الى المؤسسات التعليمية الخاصة. ولذلك كله كان مستغربا
أن تطالب الحكومة هيئات الاغاثة الدولية للاجئين
بتعويضها ماليا عن تحملها عبء اقامة العراقيين على
أراضيها. والحقيقة أن فقراء الأردن هم الذين دفعوا ثمن التضخم النقدى
وارتفاع الطلب على السلع والخدمات فى حين أن الحكومة
جنت واردات ضرائب ورسوم بأرقام غير مسبوقة. ولكن هذا كله لا يعنى أن الماء العراقى هو وحده الذى يحرّك
الطاحونة الاقتصادية الأردنية، اذ أن تسهيلات الاستثمار
وقوة سلطة القانون والاحساس بالأمن الذى
يكاد يكون مثاليا، وتحوّل عمان بالذات الى عاصمة
حضارية تلبّى مطالب العصرمما
لا يتوفر بمجموعه فى ظنّى فى أية عاصمة مجاورة، قد اجتذب رؤوس أموال خليجية وغربية ضخمة
توظفت فى أنشطة متنوعة.
حاول الأردن عقب الزلزال الذى
ضرب العراق فى ربيع 2003 احتواء الأورام الطائفية التى تولّت مقاليد السلطة وكان الظنّ أن انتماء الأسرة
الهاشمية الى عشيرة الرسول محمد واعتناقها المذهب السنّى أيضا قد يجعلها فى موقع وسطى مقبول من طرفىّ الصراع
المتضخم فى العراق. ولكن الظنّ الهاشمى
لم يكن فى محلّه. ذلك أن قدسية آل البيت عند الشيعة لا
تنسحب على سائر بنى هاشم فضلا عن أن أهل السلطة فى
العراق وان كانوا شيعة المذهب فانهم فارسيو الهوى وبالتالى فانهم ليسوا مستعدين لاعطاء الدور العربى موقعا ذا قيمة فى العراق
أيا كانت النتائج والمخاطر. ولما كان الأردن مدركا وواعيا لخطورة موقعه بين سلطة "حماس"
السلفية غربا وفوضى مسلّحة منتشرة على مساحة أكبر من مساحة أراضيه فى بادية العراق شرقا والتى توشك أن تقع تحت سلطة جماعات سلفية تقودها
القاعدة، فقد حسم أمره وبدأ تحركا حذرا
تمثّل برعاية قوى سياسية شكلت حزبا فى مطلع هذا العام. وقد عقد مؤتمره التأسيسى
فى العاصمة عمّان و تقف وراءه شخصية سنيّة من أكبر رجال
الأعمال من شيوخ الأنبار وترتبط بصداقة وثيقة بالقصر الملكى منذ سنوات. كما شهدت عمّان تأسيس مجلس علماء العراق من
أهل السنّة وقد أعلن مواقف غاية فى الاعتدال والتعقّل،
وفى تقديرى أنه سيكون بديلا لهيئة العلماء المسلمين
العراقيين التى تورط رئيسها وابنه ونائبه والناطق
باسمها ومعهم الكثير من وجوهها بدعم مباشر ومعلن
لكل فصائل الارهاب المتأسلم
وبالذات جماعة القاعدة. وهنا أستأذن بالتوقف قليلا لتحيّة ذكرى رجل كان من رجال
هذه الهيئة ومن أشرف رجال العراق وأكثرهم تنوّرا ولعله اغتيل بسبب مزاياه هذه، وهو
الدكتور عصام الراوى داعية الاعتدال والتآخى والمقاتل ضد كل أشكال التطرّف والغلوّ ايا كان مصدره. ولسوء الحظ أنه لم يعط موقعا مؤثرا فى قيادة هذه الهيئة لأنها وجدت فى
الأصل لغرض يتنافى والمبادىء التى
ناضل من أجلها. والحاصل أن الأردن لا يسعه الاّ
النزول فى الماء العراقية المظلمة خاصة وأن مستقبل
العراق مفتوح على كل الاحتمالات بما فيها تفتته الى
كيانات وكانتونات.
وفى ظنّى أن معركة كركوك المقبلة فى نهاية عامنا هذا ستكون مؤشرا مهما فى
هذا الاتجاه. فاذا أمكنت السياسات الدولية الأكراد من
سلخها عن الوطن فستكون اشارة لانطلاق معارك التقسيم
وستكون المنطقة الغربية التى تخضع اليوم لسلطة تجمعات
من كل نوع وشكل- كما أسلفت - بلا مرجعية
مقبولة دوليا أومحليا. وليس بوسع سوريا فى ظروفها الراهنة ان تتدخل و تحسم
مثل تلك المعركة الكبيرة والخطيرة كما أنى لا أظن أن السعودية بطبيعتها
المتحفظة ترغب فى
التورط بمثل هذا التنّور. هذا على فرض أن تلك الأنظمة
تملك حرية الحركة على مسرح بمثل هذه الحساسية.
ولا يبقى أمامنا الا الأردن فهوالطرف
الموثوق دوليا والأقدر على التعامل مع عشائرها بذهب المعزّ
وسيفه. وفوق ذلك كله فهو متشوّق لهذه الأرض التى يمكن
لها، ان شطحت بنا التوقعات بعيدا، أن تستوعب الفائض
البشرى الذى تظنّه اسرائيل يعكّر صفاءها الدينى والذى يتجانس مذهيبا مع سكان تلك
البقعة. كما أن تلك الأرض وان كانت تخلو من الوجه الحسن، ففيها الماء وقليل من
الخضرة وربما البترول .
أبناء الرافدين فى مضارب الأردن 1