Middle East Transparent

20 يوليو 2004

شفــــاف الشــــرق الأوســــط

 

 

 

 

 

الباحث سمير مرقص:

سبب توقف التيار التجديديّ الليبراليّ ثورة 1952

حوار: سامح سامي

 

 

نشرنا الحلقة الأولى والثانية وفيما يلي ننشر الحلقة الثالثة والأخيرة

 

*على هذا، يصبحُ الحديث عن تجديد الخطاب الدينيّ بلا جدوى؟

 

**لا أريد أن أصل بالحديث إلى هذه النقطة. فما يهمّني هو الوعي بهذا الواقع حتى تصبح هنالك جدوى من تجديد الخطاب الديني، كي لا يقتصر التجديد على الشعارات والعبارات، وحتى يجد من يحمله داخل الواقع الاجتماعيّ. بمعنىً آخر، فإننا إزاء تساؤل حقيقيّ عن كيفية إيجاد "طَلَب" على التجديد في الواقع الاجتماعي. وإذا جاز ليّ استخدام لغة الاقتصاد، فنحن بصدد مهمة مركّبة.  فالأمر ليس مجرد صياغات نظرية أو اجتهادات دينيّة متقدّمة، ولكنه إيجاد أناس يؤمنون بقضية التجديد.

 

لذلك هناك جانب سياسيّ يتمثل في إعادة دمج المواطن المصريّ في المجتمع السياسيّ ليعود لمواطنته، تاركاً تعصبه لانتماءاته الفرعية. وهذا لا يعني نفي الانتماء الفرعيّ نهائياً، وإنما يعنى فقط خلق حس عام أو عقدٍ اجتماعيّ جديد بلغة العلوم السياسيَّة، كما يسميه "جان جاك روسو". والحالة المصرية لها خبرة طويلة في خلق حس الجماعة الوطنية مع الاحتفاظ بالانتماءات الفرعية.

 

*وهل توفرت معطيات التجديد المطلوبة في الواقع الاجتماعيّ، في منتصف ونهايات القرن التاسع عشر، عندما طرح الإمام محمد عبده قضية الإصلاح الدينيّ ومن قبله الطهطاوي؟

 

**علينا أن نضع في اعتبارنا التراكم التاريخيّ على مدار القرن التاسع عشر عند التعرض لتجربة الإصلاح الدينيّ عند الأستاذ الإمام.

 

فالإمام محمد عبده نِتاج لحركة تراكم تاريخيّ بدأت مع قيام الدولة الحديثة في مصر، ولحركة نضالية شعبية طويلة تجسدت في العناصر التي كوّنت مجلس شورى النواب عام 1866 وكانت بمثابة إرهاصة لتشكيل مفهوم المواطنة المصرية. فقد وقفوا إلى جانب الخديوي إسماعيل كحاكم لمواجهة تحدّيات مصر وقتها كمواطنين.

 

ولقد انعكس هذا الوضع أيضاً على الحالة المسيحيّة بظهور البابا كيرلس الرابع المعروف بأبو الإصلاح، والذي لم يعن فقط بالإصلاح الكنسيّ الداخليّ، وإنّما أسهم أيضاً في تحديث المجتمع المصريّ وذلك بإنشائه ثاني أهم مطبعة عرفتها مصر بعد مطبعة محمد علي باشا وأول مطبعة أهلية، بجانب اهتماماته بالتعليم وإنشاء المدارس.

 

إن الإصلاح في ذلك الوقت كان نتاج الزخم الثقافيّ الموجود منذ عهد محمد علي ولا يمكن فصله عن واقعه الاجتماعيّ بأيّ حال. كما كان الغرب، وما فرضه من تحدّيات على المجتمع المصري، أحد عوامل إستفزاز الكيانات الدينيَّة كي تتحرك نحو الإصلاح لمواجهة ما أسموه وقتها بالفرنجة.

 

*هناك من يرى أن تجربة الإصلاح الدينيّ عند محمد عبده وغيره من شيوخ ذلك الزمان لم تكن مرتبطة بواقعها الاجتماعيّ على النحو الذي ذكرته؛ وإنّما ارتبطت باتجاه الدولة الحديثة ورغبتها في التجدّيد والتحديث، الأمر الذي أثر عليها سلباً حيث إن الإصلاح قد توقف بعد عزوف السلطة عن التحديث؟

 

التحديث بدأ مع محمد علي

 

**التحديث بدأ في مصر أفقياً في بداية القرن19 مع مشروع محمد علي باشا ولكنه لم يستمر كذلك، حيث بدأت تشكّل قوى وطنيّة اجتماعيّة في منتصف القرن. وكانت إرهاصات كما أشرت مجلس شورى للنواب التي مهدت في واقع الأمر لثورة1919 لاحقاً.

 

وفى هذا السياق جاءت تجربة الإمام محمد عبده وغيره. أيّ أنّ محمد عبده ليس نتاجاً مباشراً لمحمد علي كما هو الأمر بالنسبة لرفاعة الطهطاوي الذي قدم مشروعاً ثقافياً نخبوياً في إطار السلطة. في المرحلة التي تلت الطهطاوي تحرك المجتمع المصري، وتشكلت فيه قوى وطنيّة ومصالح لرأسماليّة تجاريّة وصناعيّة وجدت نفسها متعارضة متناقضة مع الاستعمار البريطاني. وهذا هو الأساس الاجتماعيّ الذي قامت عليه ثورة 1919. وبمعنىً آخر، كان هنالك مشروع نهضوي متكامل على نحو أو آخر، شَمِلَ أبعاداً كثيرة منها ما هو ديني، ومنها ما هوثقافيّ وفنيّ وسياسيّ.

 

أما انقطاع محاولات الإصلاح فهو أمر طبيعي في تاريخ الأمم، والمجتمعات ليست ساكنة، وإنّما تعج دائماً بالمتغيرات والمصالح المتناقضة والمتعارضة. وعلى أية حال علينا أن ندرك أننا بصدد مسار تاريخيّ لا يجب التفريط فيه وإنّما نستعيد تراكماته ونضيف إليها.

 

*لكن إصلاح محمد عبده أفضى إلى حسن البنّا وفكر جماعة الإخوان المسلمين ثم إلى جماعات العنف الدينيّ التي عرفتها مصر في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي؟

 

**ولماذا لا تذكر تلاميذ الإمام محمد عبده من شيوخ الأزهر الإصلاحيّين مثل الشيخ البشري وغيره؟ بل حتى وامتداد الإصلاح في الحياة المسيحيّة؟ ولماذا لا تذكر أيضاً أن سعد زغلول نفسه أحد تلاميذ الإمام؟ ولماذا ننسى شيوخ الأزهر الذين ارتبطوا بالوفود الليبراليّة المصريّة في بداية القرن؟ ولماذا ننسى مجدّدين مثل طه حسين والشيخ مصطفى عبد الرازق وآخرين كثيرين؟

 

*إذن لماذا استمر التيار السلفيّ بينما توقف التيار التجديديّ الليبراليّ تماماً؟

 

**أستطيع القول إن المشكلة بدأت مع قيام ثورة يوليو1952،  حيث اهتمت الثورة بالشأن الاجتماعيّ على حساب السياسي. وهذه هي الإشكالية الحقيقية لثورة يوليو التي ركزت على تحقيق العدالة الاجتماعيّة وتلبية احتياجات الطبقات الوسطى والدنيا. وقد دعمت الجماهير هذا الاتجاه إلى النظام الجديد حيث كان غائباً عن برنامج حزب الوفد في مرحلة ما قبل الثورة، وفى مقابل تراجع الشأن السياسيّ العام خصوصاً أنّ الثورة استطاعت حل قضية الاستقلال الوطنيّ بعد قيامها، وهي القضية التي عجز حزب الوفد عن حلها لسنوات طوال "فوقّعت الجماهير له على بياض".

 

والحديث هنا ليس بصدد تقييم ما جرى وقتها أو إدانته بأثر رجعى وإنما تحليله فقط. فما الذي كان يهم المواطن وقتها أكثر من حل قضية الاستقلال الوطني وسد الفجوة بين الغنى والفقر. وهذا ما جعل الشأن السياسي يتراجع ويدفع الناس بشكل أو بآخر للتنازل عن حرية التعبير خصوصاً أنهم كانوا إزاء زعيم استثنائي فوّضوه للتعبير عنهم.

 

في هذا السياق تأثر المناخ السياسي بمعناه التعددي الليبرالي الذي يسمح بخطابات تجديدية ونقدية حيث تقلص شيئاً فشيئاً، وهو ما أثر سلباً على عملية التجديد.

 

الصراع الدائر بين النظام والإخوان المسلمين

 

غير أن هذه الإشكاليات ليست العامل الوحيد لتوقف التيار التجديدي الليبرالي وهناك عامل آخر له نفس الدرجة من الأهمية وهو أن الصراع السياسي الرئيسي منذ ثورة 1952 أصبح دائراً بين النظام من ناحية والإخوان المسلمين من ناحية أخرى، وأصبحت مختلف التيارات السياسيّة والفكريّة في فلك هذا الصراع، وصرنا جميعاً رهينة له في مختلف حالاته بين احتدام تارة ووفاق تارة أخرى كما حدث أيام السادات. إن هذا الصراع أحيا قضايا قديمة كانت قد حُلّت منذ زمن مثل الموقف من الأقباط، وهل هم أهل ذمة، أم أنهم مواطنون مصريون لهم حقوق وعليهم واجبات. يضاف إلى ذلك كله وجود الغرب كعنصر ضاغط على النظام السياسيّ المصريّ في عهد الرئيس جمال عبد الناصر حيث استنزفت المواجهة مع الغرب جهداً وطاقة كبيرة من الدولة آنذاك.

 

ومن عوامل انقطاع التيار التجديديّ أيضاً وفود خطابات دينيّة من منطقة الخليج لا يعرفها الوجدان المصريّ ولا تتلاءم مع الثقافة المصريّة وقد يكون سبب ذلك أن المجتمعات الخليجيّة لم تعرف وجود الآخر. إننا إزاء جيل كامل من الفقهاء والمشايخ لم يتواصل مع ما تم إنجازه في السابق منتجدّيد وتحديث، وإنّما تواصل مع ما تفتّح عليه وجدانه وثقافته، وصار منهم من يتخذ مرجعيات فقهية لا تتناسب مع الحالة المصريّة.

 

*ذكرت أن حركة الإصلاح الدينيّ عن الإمام محمد عبده كانت نتاج واقع اجتماعي أدرك تناقض مصالحه مع الاستعمار، وأنّها أتت في إطار ملامح مشروع نهضويّ متكامل. فلماذا يغيب مثل هذا المشروع الآن، رغم تعقد تحدّياتنا؟، ولماذا كان إسلام أسامة بن لادن هو التعبير عن تناقضنا مع الغرب؟

 

**ما حدث في القرن التاسع عشر أنّ الاستعمار التقليديّ كان في مواجهة مباشرة مع مجتمعاتنا التي استنفرت جميعاً في وجه الاستعمار دون تمييز. لكن ما حدث بعد حصول دول العالم الثالث على استقلالها أنه وُجدت نخبة معصرنة لم تتغلغل في جسم المجتمع، وفى ذات الوقت برز الصراع بين الاشتراكيّة والرأسماليّة كصراع رئيسيّ انشغل به الجميع، مما أوجد تعمية على الصراع الحقيقيّ داخل مجتمعاتنا التي لم تعطَ فرصة للتطور واكتفت بعصرنة أو تحديث النخبة في حين أن الكتلة الرئيسيّة في هذه المجتمعات لم تزل تعانى من مشكلاتها الداخليّة مثل القبليّة والطائفيّة. بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وبروز الولايات المتحدة الأمريكية كقطب واحد، وبدأت تلك الخصوصيات التي لم تصلها يد العصرنة تطفو على السطح وأصبحنا أمام أصوليات فرعية وعودة للمقدّس بمفهومه العام. وعقّدت حادثة 11 سبتمبر المسألة، حيث تم تصويرها على أنّها صراع بين الشرق الإسلامي والغرب المسيحي، خصوصاً أنّ الولايات المتحدة ظهرت كقوة عظمى تحمل منظومة ثقافية وقيمية أحادية لا تقبل الخروج عنها.

 

الحلقة الأولى: لن أقع في فخ الشعور بالاضطهاد

الحلقة الثانية: مصر تعيش مرحلة استعادة المواطَنة

 

 

 

 

 

للتعليق على هذا الموضوع