24 ديسمبر 2004

 

جبهة عريضة وصدر واسع
سمير قصير

 

قد لا يكون قول الرئيس الاميركي جورج بوش ان سوريا "بلد ضعيف جداً" رصاصة الرحمة للمتبقي من البعثَين، لكنه يشكّل بالتأكيد اشارة قوية الى ان شيئاً ما انتهى في سياسة الولايات المتحدة الملتبسة حيال دمشق، وتالياًً ان شيئاً ما قيد الانتهاء في التموضع الخارجي لنظام حافظ الاسد الممدّد بالوراثة. اذ انه لا يمكن ان يستمر الحكم السوري في ادعاء صفة القوة الاقليمية اذا لم تكن الولايات المتحدة مستعدة للاعتراف له بهذه الصفة. ويصح ذلك اكثر ما يصح في لبنان، حيث لم يكن للتدخل العسكري السوري ان يحصل عام 1976 لولا الضوء الاخضر الذي اتى من واشنطن في اوج السياسة الكيسينجرية، وهو الضوء الاخضر الذي اعيد تجديده مرات عدة لاحقاً، ولا سيما عام 1990 في عصر جورج بوش الاب ووزير خارجيته جايمس بايكر.

بيد ان الغطاء الاميركي المستديم طيلة 28 عاماً (خلا عامين في بداية عهد رونالد ريغان) لم يكن الا احد ركيزتي الهيمنة السورية على لبنان. أما الركيزة الاخرى فكانت تكمن، ولا تزال، في استتباع الجزء الاكبر من الطبقة السياسية اللبنانية. واذا كان هذا الاستتباع قد تأسست قواعده في ظروف الحرب وبشتى الوسائل، ابتداء من اغتيال كمال جنبلاط، فالمفارقة انه بلغ اوجه في مرحلة استعادة السلم الاهلي حين صار امتزاج الترهيب بالترغيب سنّة العلاقة بين الحكم السوري ومن استتبعهم داخل المجتمع السياسي اللبناني وعلى اطرافه.

وفي هذا المعنى، فإن الضغط الدولي على الحكم السوري لن يكون كافياً لاستعادة لبنان استقلاله الا في حال قرر حكام دمشق فجأة الاحتكام الى الحكمة للتخلص من نظام الوصاية على لبنان، قبل ان يصبح عبئاً لا يستطيعون حمله. اما اذا حصل ذلك، فقد يواجه لبنان نقصاً في عدد المحللين النفسيين الذين سيلتفت اليهم معظم العاملين في الشأن العام من اجل فهم ما حل بهم وجعلهم مجرد دمى معلقة حبائلها في الهواء. لكن احتمال ترجيح التعقل في رسم السياسة السورية لا يبدو غالباً، بحسب كل المؤشرات الدمشقية. والارجح ان لبنان لن يتمكن من ان يجنّب نفسه عناء المواجهة الاخيرة، وهذا ربما افضل لما تسمح به مثل هذه المواجهة، وتحديداً اعادة الاعتبار الى السياسة.

المواجهة الاخيرة هي مواجهة سياسية، اي مواجهة بين خطين سياسيين، واحد يقول بحاجة لبنان الى استعادة استقلاله، وآخر يقوم على التبعية للحكم البعثي. ولهذه السياسة طبعاً رموزها و المواجهة ستكون عملياً معهم، لكن حجمها وارتقاءها الى مصاف معركة الاستقلال الثانية يحتّمان الا تكون مشخصنة. حتى انه يمكن القول ان شرط تحوّل المواجهة السياسية والانتخابية معركة من اجل الاستقلال، هو ان ينضوي الخط الاستقلالي في جبهة عريضة، بل جبهة آخذة في الاتساع. وهذا يعني في ما يعنيه مد الجسور بين اطراف وشخصيات لا يجمعهم الكثير، كما يعني تقبّل حلفاء الساعة الاخيرة، وتلك مشكلة في ذاتها. فما الذي يحدد معايير القبول؟

يمكن تبيّن دقة المشكلة من بعض ردود الافعال غير الرسمية على اجتماع المعارضة في البريستول مطلع الاسبوع الماضي. فهذا استكثر اللقاء بين وليد جنبلاط وأمين الجميل، وذاك استغرب حضور فارس بويز وزير الخارجية والتلازم طيلة عهد الرئيس الهراوي. بل ان البعض ذهب حتى التشكيك بوليد جنبلاط، معتبراً انه هو الآخر كان منتفعاً لاعوام من النظام القائم في ظل الهيمنة السورية. لائحة المآخذ والاعتراضات قد تطول. بل ان المؤكد انها ستطول مع بدء انفراط عقد الموالاة للحكم السوري، وقد يعجّل في ذلك وصف بوش لسوريا بأنها بلد ضعيف جداً. ففي السياسة، كما في قصص المافيا، تضعف الولاءات مع انحسار السطوة. ولعل الذين سيبارحون الموالاة للوصاية ابتداء من الآن سيكونون اصعب على الهضم من اي كان. ومع ذلك لا بد من بذل جهد مهما يكن استثنائياً لإتاحة عملية الهضم. ولا مجال هنا للتكبّر، فالجبهة العريضة يكون صدرها واسعاً او لا تكون.

طبعاً، لا تعني ضرورة توسيع جبهة المعارضة ان اياً كان من موالي الامس واليوم يستطيع الالتحاق بها لتبييض صفحته. فحتى للتبييض شروطه واولها اقرار الوافد المبيض، قولاً وممارسة، بأن كيفية ادارة البلاد التي شارك فيها كانت خطأً بخطأ، وان الخروج من الخطأ لا يأتي بانصاف الخطوات، وان لا مجال بعد الآن للتعايش، وإن انتخابياً، بين المتمادين في الخطأ ومن يعتزمون تصحيحه بالكامل. فالجبهة العريضة يكون حزمها بيّناً او لا تكون.

(النهار في 24 ديسمبر 2004)

 

للتعليق على هذا الموضوع