20 فبراير 2005

الاستبداد لحظة انكشافه
 سمير
قصير

 

سنفترض أن الحكم البعثي في دمشق بريء من دم رفيق الحريري. سنفترض لحظة أن "الخبراء السويسريين" الذين سيستعين بهم النظام الأمني اللبناني سيتمكنون من إثبات تورّط أبو مصعب الزرقاوي بنفسه في عملية الاغتيال. سنفترض لحظة أن عباقرة المخابرات في سوريا ولبنان سينجحون، مثلما نجحوا عام 1994 بعد تفجير كنيسة سيدة النجاة، في فرض رواية قابلة للتحوّل قراراً ظنياً، وإن سقطت لاحقاً خلال المحاكمة (إذا كان هناك من محاكمة). هل يكفي كل ذلك لوقف المسار الانحداري للحكم السوري في لبنان وخارجه؟ هل يكفي كل ذلك لستر ما كشفه حدث بيروت أول من أمس عن الخلل المستجد في الهيمنة البعثية؟

أول من أمس، سقط في بيروت الخط الأحمر الأخير الذي كان يحمي منذ مطلع التسعينات أكذوبة "وحدة المسار والمصير" ويغطي منذ انهزام كمال جنبلاط واغتياله عام 1977 ادعاء الحكم السوري النطق باسم قسم من اللبنانيين.

هذا الخط الأحمر كان حتى أول من أمس متمثلاً بالسكوت، الطوعي أو القسري، الذي التزمه الرأي العام الإسلامي في لبنان حيال الحكم السوري منذ أكثر من ربع قرن، والذي تجدد في أكثر من مناسبة قمعية أو "اغتيالية" حتى بات الاقتناع راسخاً أن الثمن الذي يدفعه المسلمون إن ارادوا الاعتراض، اكبر بما لا يقاس من الثمن الذي يدفعه المسيحيون. ولعل القهر الذي تعرضت له مدينة طرابلس، كما لو كانت مدينة من الداخل السوري، ابلغ دليل على فداحة الثمن. وجاءت القسوة التي ووجه بها وليد جنبلاط، سواء عام 2001 أو في الأشهر الأخيرة، لتؤكد صواب هذا الاقتناع. بل إن هذه الخلفية هي تحديداً ما صوّب الأنظار وأصابع الاتهام نحو الجهاز المخابراتي السوري – اللبناني في اللحظة نفسها التي علم بها الرأي العام اللبناني باغتيال رفيق الحريري.

أما وقد حصل هذا الاغتيال ونُسب إلى من نُسب، ومهما تكن شطارة النظام المخابراتي في حياكة روايته التبريرية، فيبدو أن مبلغ الكبت جعل من انكسار الصمت ليس فقط سقوطاً للخط الأحمر الأخير، بل انقلاباً رمزياً وسياسياً قد تتعدى مفاعيله حدود لبنان. إذ تشاء سخرية القدر أن تنقلب مقولة "الشعب الواحد في دولتين" في وجه من أطلقها. فعندما تصدح شوارع بيروت بشعارات عفوية تحمل طابعاً دينياً أو طائفياً، يعرف الحاكم السوري أن صداها يصل إلى دمشق وحلب. وعندما تُسمع من على شاشات الفضائيات إدانات كالتي سمعناها، من نوع "لا إله إلا الله والأسد عدو الله" ("النهار" 17/ 2/ 2005ومطالبة بالثأر من أعلى المسؤولين في الدولتين، تصبح المحاولات الآيلة إلى إثبات براءة الحكم البعثي في دمشق من دم رفيق الحريري بلا جدوى.

وكذلك أضحت بلا جدوى محاولات المتبقي من البعثَين توزيع الناس بين فسطاطين، فسطاط العملاء والخونة وفسطاط "الوطنيين" المعنيين بالقضية القومية. فعندما يكون جاك شيراك الرئيس الوحيد الذي جاء لينحني أمام ضريح رفيق الحريري، فيما تخلف كل الملوك والرؤساء العرب، وبعد ثلاثة أشهر على تكريمه التاريخي للرئيس الراحل ياسر عرفات في باريس، يصبح صعباً استخدام أدوات القراءة القومجية العتيقة، كما طاب للبعض أن يفعل بالأمس بالقول أن الشعارات التي رفعت في التشييع طارئة على تاريخ بيروت لأن تراث الشارع البيروتي لا يحتمل التعبئة الجماهيرية إلا للدفاع عن القضايا القومية.

ربما كان هذا صحيحاً حين كان هناك من يستحق أن يثير الحمية القومية في جوار لبنان. أما اليوم، فقد أصبحت القضية القومية تكمن في التخلص من أنظمة الإرهاب والانقلاب واستعادة حرية الشعوب كمدخل إلى نهضة عربية جديدة. فإذ يمشي في جنازة رفيق الحريري مئات الآلاف من المواطنين الأحرار، فيما لم يجمع تشييع حافظ الأسد قبل أعوام سوى قوافل سيّرها الحزب الواحد ومخابراته من دون أن ينجح في حشد أعداد مماثلة، فهذا اسطع برهان على انتهاء أكذوبة أخرى لازمت "وحدة المسار والمصير"، وهي الأكذوبة القائلة بأن الاستبداد هو درع العروبة.

أول من أمس، كانت بيروت القلب النابض لعروبة جديدة، عروبة وان شابتها بعض إعلانات الولاء الطائفي أو العشائري، تقوم على الإرادة الحرة للمواطنين والمواطنات. وهذا أكثر ما يتوجب على نظام الاستبداد خشيته إذا تأخر في إنهاء هيمنته على بيروت ولبنان.

 

للتعليق على هذا الموضوع