25
يناير 2007

 

 

 

 

غزة بين الفتنة والطلبنة- 1

سعيد الكحل

 

حينما صوت الفلسطينيون لصالح مرشحي "حماس" في الانتخابات التشريعية الأخيرة، كان أملهم هو تحسين أوضاعهم المعيشية في المقام الأول لأنهم يئسوا من الشعارات والممارسات التي غطاها الفساد الذي دب بين فئة من مسئولي السلطة الفلسطينية. وسواء كان التصويت عقوبة أو قناعة، فإنه وضع على عاتق حركة حماس مسئولية ضمان أمن الفلسطينيين وتوفير خبزهم. ذلك أن الشعب الفلسطيني يدرك يقينا أن تحقيق حلم قيام الدولة الفلسطينية لن يكون رهين إرادة فصيل واحد. فالدولة التي عجزت عن ضمان قيامها قوى دولية وازنة لا يمكن تحميل أي فصيل فلسطيني ما عجزت عنه الدول. لهذا تواضع الشعب الفلسطيني في مطالبه واقتصر على مطلبي الأمن والخبز. فإذا كانت الاتهامات بالفساد المالي والإداري توجه لحركة "فتح" من حيث كونها الجهة المسئولة عن مراقبة ومحاسبة كل الأطر والأجهزة الإدارية والأمنية ؛ فإن مبلغ مطالب الفلسطينيين هو محاصرة الفساد وجلب الأمن للشعب الفلسطيني الذي تعمقت معاناته بفعل هول الجرائم الصهيونية التي أثخنت قتلا وتدميرا وتجويعا.

 

تلكم كانت آمال الفلسطينيين ومطالبهم من حركة "حماس"، ولم يكن أبدا توقيع لها على بياض أو تفويض غير مقيد. غير أن "حماس" التي خاضت غمار الانتخابات في إطار السلطة الفلسطينية ومجموع الاتفاقات الدولية التي انبثق عنها هذا الجنين، سرعان ما تنكرت لتلك الاتفاقات بعد أن أصرت، عبر تصريحات قيادييها في الداخل والخراج، على اعتبار الفوز " فتحا" جديدا سيعم كل الأمة الإسلامية، وسيكون مقدمة لقيام النظام الإسلامي / الدولة الإسلامية. ومعنى ذلك أن "الخلافة الإسلامية" ستنطلق من فلسطين إلى بقية الدول العربية والإسلامية. من هنا لم تتعامل "حماس" مع لحظة فوزها كلحظة زمنية أفرزها واقع سياسي يمور بالأحداث، بل جعلتها بداية عهد جديد يجُبُّ ما قبله ويقود بالضرورة إلى إقامة نظام إسلامي تكون فيه "حماس" حركة "رسالية" تحمل لواء "الإسلام" وتطبق "شريعته" وتقيم دولته. لهذا أخضعت كل تعامل مع الإسرائيليين لحُكم "الشريعة" كما حددته الحركة من حيث هي حركة دينية قبل أن تكون سياسية. وما دام الأمر كذلك، فإن أي اعتراف أو حوار مع الإسرائيليين تعتبره "حماس" "كفرا" ومخالفة للدين وأحكامه. ومن ثم لن يكون غريبا على الحركة أن تقبل من الرئيس محمود عباس مفاوضة الإسرائيليين في كل القضايا التي تهم الفلسطينيين، لأن المفاوضات ـ في هذه الحالة ـ تتم خارج إطار الشريعة التي تقدم "حماس" نفسها ممثلة لها وناطقة باسمها. بينما الرئيس أبو مازن، هو بالضرورة "علماني" لا يهمه "مصادمة" الشرع أو "موافقته"، مادام الإطار "الدنيوي" هو منتهى نضاله ومبلغ حركته السياسية. لذا كانت حكومة "حماس" تعلن أنها تجيز للرئيس أبي مازن إجراء مفاوضات مع الإسرائيليين، لكنها لن تقبل على أعضائها أي اتصال أو حوار مع الإسرائيليين لأن ذلك سيكون بالضرورة مخالفا للشرع. على هذا الأساس، وانطلاقا من القناعات الإيديولوجية والعقائدية، تصر "حماس" على مواقفها الرافضة للوجود الإسرائيلي، ولا تقبل ـ تحت الضغوط ـ سوى بهدنة محدودة الأمد على شاكلة "صلح الحديبية". وبذلك تكون حركة "حماس" مسئولة عن اختياراتها التي وضعت الشعب الفلسطيني تحت حصار شامل ومقاطعة كلية من طرف المجتمع الدولي. الأمر الذي زاد من معاناة الفلسطينيين وعمق مآسيهم وأقبر آمالهم في الأمن والخبز، بحيث أصبحوا يعيشون كلاجئين داخل أراضي السلطة الفلسطينية.

 

وعلة المشكل أن قادة "حماس" لا يميزون بين "الحركة" التي لها عقيدتها وتوجهاتها وأهدافها تخص المنتمين لها بإرادتهم، وبين الحكومة التي لها إطار محدد وجاءت وفق برنامج سياسي معين لا يتطابق بالضرورة مع الأسس والأهداف التي قامت عليها الحركة. فحين صوت الفلسطينيون على البرنامج الانتخابي لحماس، لم يكن في نيتهم مقاومة الوجود الإسرائيلي من أساسه، لأنهم يدركون أن دولة إسرائيل أصبحت واقعا وقدرا لا مفر منهما. من هنا تأتي خشية "حماس"، كحركة وحكومة، من صناديق الاقتراع، ومن ثم رفضها دعوة الرئيس أبو مازن إلى إجراء انتخابات تشريعية ورئاسية سابقة لأوانها. أي رفضها الاحتكام إلى إرادة الشعب الفلسطيني من جديد. وكما هو جار به العمل في التجارب الديمقراطية العريقة، تكون الانتخابات المبكرة إحدى أهم الإجراءات الديمقراطية التي يتم اللجوء إليها لتجاوز الأزمات السياسية. فالأمر ليس بدعا على الفلسطينيين حتى تتعلل حماس برفضه. لكن أصل المشكل ليس في الانتخابات ذاتها، بل في كرسي السلطة ونفوذها. ذلك أن السلطة والحكم هما هدف لدى التنظيمات الإسلامية وليس مجرد وسيلة. ومتى أمسكت تلك التنظيمات بالسلطة سيكون من باب المستحيل قبولها بمنهجية التداول لاعتبارات عقائدية أهمها:

أ ـ أن التنظيمات الإسلامية تقدم نفسها "حاملة رسالة" الإسلام ومسئولة عنها. فهي، بالتالي، مدعومة بسند سماوي، لأن الله تعالى وعد "حملة الرسالة" بالنصر.

 

ب ـ أن هذه التنظيمات تعتبر نفسها المنقذ الوحيد للشعوب وللأمة الإسلامية من كل الأزمات، وهي من يعيد لهذه الأمة قوتها في مواجهة قوى "الكفر" التي تتداعى على الأمة كما يتداعى الأكلة على القصعة.

 

ومتى وافقت هذه التنظيمات على التداول وطبقته، فإنها ستكون في حالة تناقض مع عقائدها. إذ التخلي عن سلطة الحكم والتسيير هو إقرار بـ"الهزيمة" السياسية وإعلان"الفشل" في الإنقاذ. الأمر الذي يخلق انطباعا لدى عموم الشعوب الإسلامية بأن هذه التنظيمات لا هي "منقذة" ولا "حاملة رسالة"، بل هي مجرد طالبة الحكم والسلطة. لهذه الأسباب لم يلتزم إسماعيل هنية بوعده ( وعندما يضعون الحصار في كفة ويضعوني أنا في كفة فليرفع الحصار وتنتهي معاناة شعبنا (...) إذا كانت رئاسة الوزراء مشكلة عند الأمريكيين والأوروبيين وغيرهم فلنتحرك جانبا ثم تمضي السفينة (...) لا نحرص على الكراسي). لكن ظل الكرسي هو الأهم والتخلي عنه "تضحية" وليس "تنازلا" كما قال رئيس الوزراء الفلسطيني( إذا لم أكن أنا رئيس الوزراء فسيكون رئيس وزراء قادم... هذا ليس تنازلا هذا قرار وتضحية من أجل شعبنا). ورغم استمرار معاناة الفلسطينيين واشتدادها تفضل "حماس" إيقاظ الفتنة عن إجراء الانتخابات المبكرة.

selakhal@yahoo.f

 

* المغرب

 

 للتعليق على الموضوع