12 أبريل 2006 

 



 

هؤلاء هم أعداؤك يا وطني

سعيد الكحل

 

أعداء الوطن ليسوا دائما هم الأجانب والغرباء. إن هؤلاء، مهما بلغت درجة مخططاتهم من التعقيد والخطورة، لن يزيدوا الشعب إلا قوة وشراسة دفاعا عن العرض والوطن. سيظلون مكشوفي الهوية لا تسربلهم الشعارات ولا تحميهم البنادق. لكن الخطر، وكل الخطر يأتي من أبنائه لما يفقدون الحس الوطني فتصدر عنهم الجرائم التي يزيد مدى تدميرها عن مدى القنابل الخبيثة. وهؤلاء الأعداء دوافعهم شتى وأخطارهم واحدة يجسدها تدمير الوطن والإنسان. ويمكن الوقوف على هول التدمير من خلال النموذجين التاليين :

أ ـ نهب المال العام وتبذيره : خلال المحاكمة الرمزية التي نظمتها الهيأة الوطنية لحماية المال العام يوم 25 مارس 2006، تم الإفصاح عن حجم النهب التي تعرض المال العمومي والذي يفوق 200 مليار درهم. إذ لم تسلم القطاعات والصناديق والبنوك وغيرها من المؤسسات المالية والمصرفية من عمليات النهب والاختلاس دون أن تتخذ التدابير اللازمة لمحاسبة الفاسدين واسترجاع المال المسروق. فإلى حد الساعة لم تصدر مثلا الأحكام في قضية الاختلاسات التي كان ضحيتها الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي والتي حددتها لجنة تقصي الحقائق في 47.7 مليار درهم. علما أن هذا المبلغ كان بإمكانه أن يوفر 67.7 مليار درهم كفوائد، مما يرفع مبلغ التبذير والاختلاس إلى 115 مليار درهم. فضلا عن المبالغ المنهوبة من البنوك والتي جاء في تقرير الهيئة الوطنية لحماية المال العام أنها بلغت في البنك العقاري والسياحي 8 مليارات درهم، وفي "القرض الفلاحي" وصلت إلى 846 مليون درهم. ناهيكم عن قطاعات أخرى لا يعلم حجم الأموال المنهوبة منها إلا أولو الأيادي الطويلة. إن هذه المبالغ ليست سوى قمة الجبل الجليدي الذي تتسع قاعدته وتتعمق كلما تنوعت أساليب النهب والتبذير وتعددت مجالاتهما. فالنهب لا يكون فقط بالاختلاس، بل يتخذ أيضا أشكال التفويت والعلاوات والرواتب والامتيازات والمنح. هذه الأخيرة وحدها قد تصل أحيانا إلى 300 مليون سنتيم للنفر الواحد سنويا. هذا إضافة إلى مخاطر الرشوة التي حذرت منها منظمة الشفافية الدولية، بسبب الوضع المقلق الذي أصبح عليه المغرب، إذ تقهقر في الترتيب من  45 عام 1999 إلى المرتبة 78 عام 2005. إذن بسبب هذا الاختلاس والنهب والتبذير راكم المغرب كل مظاهر الفقر والتهميش والبطالة والبؤس، بحيث إن الإحصائيات الرسمية تشير إلى أن 4 ملايين شخص يقعون تحت عتبة الفقر من بين سكان المغرب البالغ عددهم 30 مليونا. أما عدد الأميين الذين يجهلون القراءة والكتابة فقد بلغ 12 مليونا. وسبق للهيأة الوطنية لحماية المال العام خلال اللقاء الصحفي الذي عقدته في 24 مارس 2004، أن رصدت هول الكارثة التي نجمت عن نهب الأموال العمومية الذي ضيع على المغرب فرصا كثيرة منها : توفير 34%  من الناتج الداخلي الإجمالي لسنة 2001، بناء 22402 مدرسة بمعدل 16 قسم من النوع الجيد لكل مدرسة، بناء 50 ألف مدرسة من النوع المتوسط، بناء 1757676 سكن اقتصادي، إحداث 412450 منصب شغل.

ب ـ الشطط في استعمال السلطة: رغم المبادرات الهامة التي قام بها جلالة الملك في مجال دمقرطة الدولة وإرساء المفهوم الجديد للسلطة وللإدارة، الأمر الذي وسع من هامش الحريات العامة والفردية جعل منظمة «هيومان رايتس ووتش» تشير في تقريرها الأخير أن المغرب حقق «خطوة واسعة في القطيعة مع الماضي وأتاح مساحة معتبرة للمعارضين»؛ إلا أن هناك عقليات لا زالت متشبثة بأساليب القهر والتعذيب، ولم تتمكن بعد من استيعاب المفاهيم الجديدة ومواكبة إيقاعات التغيير في نظم الدولة وبنياتها. إن هذه العقليات النخرة هي آفة على الوطن من حيث كونها تعرقل عملية الإصلاح على المستوى الداخلي، كما ترسم صورة مشوهة للمغرب على المستوى الخارجي. ومن شأن ذلك أن ينعكس سلبا على قضايانا الوطنية الأساسية وفي مقدمتها وحدتنا الترابية. إذ لا يعقل أن تظل ممارسات العهد القديم سارية وقد آل المغرب على نفسه، ملكا وشعبا،  طي صفحة ماضي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان. إن ما تعرض له التقنيان بالخطوط الملكية المغربية حميد الشافعي وشكيب سفياني من تعذيب وانتهاكات على أيدي عناصر أمنية تفتقر لأي حس وطني، لا يقل خطورة عما يرتكبه ناهبو المال العام. فهم جميعا يمارسون عداءهم ضد الوطن والمواطنين ويصرون على ترك مجال الانتهاكات مفتوحا ضدا على الإرادة الملكية والشعبية. هؤلاء الفاسدون هم الأعداء الحقيقيون للوطن يريدون جعله جحيما لا يطاق، يسحق أبناءه الجوع والتهميش، أو يجبرونهم على ركوب الموت وحمل المتفجرات وبيع الأعراض. إنهم في المحصلة أعداء الإرادة الملكية، سواء في التأسيس " للصفح الجميل" وتحصين البلاد من تكرار المآسي، أو في إنجاز الورش المستديم للتنمية البشرية بما يعبد، كما جاء في الخطاب الملكي بمناسبة انتهاء مهمة هيئة الإنصاف والمصالحة وتقديم الدراسة حول التنمية البشرية (الطريق المستقبلي أمام الخمسينية الثانية للاستقلال، لتركيز الجهود على الورش الشاق والحاسم للنهوض بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لكافة مواطنينا، ولاسيما منهم الذين يعانون معضلات الفقر والأمية والبطالة والتهميش). إن الواجب الوطني يقتضي مواجهة أعداء الوطن في الداخل بالشراسة والحزم اللذين يواجه بهما كل عدوان خارجي

 www.saide.c.la

 

 

للتعليق على هذا الموضوع