16 أبريل 2007

 

 

 

 

 

     

وزارة الأوقاف ومسئولية التصدي للتطرف والإرهاب (1)

سعيد الكحل

 

من الأكيد أن وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية أحمد التوفيق، ورث وضعا أكثر تعقيدا يجعل مسئولية تدبيره وإعادة هيكلته أكثر جسامة. ويمكن الإشارة في هذا الصدد إلى جانبين أساسيين:

 

ـ الجانب الأول ويتعلق بالسياسة الدينية التي نهجها عبد الكبير العلوي المدغري، وزير الأوقاف السابق، والتي تميزت بالآتي:

أ ـ استيراد المذهب الوهابي عبر تشجيع "البعثات الطلابية" إلى السعودية للتشبع بعقائد هذا المذهب وأسسه الفكرية والإيديولوجية بغاية مواجهة المد الشيعي والتصدي للخطر العقائدي للثورة الإسلامية التي كان الخميني حريصا على تصديرها إلى البلدان العربية والإسلامية. ومما زاد التركيز على "أهمية" العقائد الوهابية، الانتفاضة الشعبية التي عرفها المغرب في يناير 84 والتي عرفت بانتفاضة الخبز.

 

ب ـ تمكين حَمَلة العقائد الوهابية من منابر المساجد الرسمية التي تشرف عليها وزارة الأوقاف، ومن ثم بدأت الاختراقات الوهابية للمجتمع تتسع وتتعمق حتى وصلت إلى القرى والبوادي. ومن ضمن هؤلاء الذين درسوا في السعودية واعتلوا المنابر أبو حفص  الذي قال عن نفسه (حصلت على شهادة الباكالوريا في العلوم التجريبية، وأمضيت سنة بجامعة الحسن الثاني شعبة الفيزياء والكيمياء، ثم وليت وجهي شطر المدينة المنورة بكلية الشريعة بالجامعة الإسلامية، ونلت بها الإجازة بامتياز، ثم عدت إلى فاس). وبفاس استغل منبر الجمعة لنشر عقائد الوهابية وفتاوى التكفير والتحريض على القتل. وفي موقعه الإلكتروني الذي يديره أتباعه نقرأ الإقرار التالي (درس الشيخ فك الله أسره العلوم الإسلامية بإحدى الجامعات السعودية، ثم زار أفغانستان و أصبح من أبرز مناصري حركة طالبان و الشيخ أسامة بن لادن. و كان من المغاربة الأوائل الذين باركوا عمليات 11 شتنبر 2001 حيث وصفها بالعرس المبارك الذي لم تكتمل أطواره بعد. واسمه الحقيقي هو عبد الوهاب رفيقي، اعتقل قبل غزوة 16 مايو المباركة بالدار البيضاء).

 

ج ـ فتح المجال أمام تدفق الكتب والأشرطة والأقراص المدمجة الحاملة للإيديولوجية الوهابية وعقائدها والسماح ببيعها وإذاعتها في كل الأماكن بما فيها الأسواق ووسائل النقل العمومية. وهذه حقيقة أقرها المدغري نفسه في حوار نشرته يومية "الصحراء المغربية" بتاريخ 9 يونيو 2003) إذ قال  (من هو الجهاز المكلف بمراقبة الحسابات البنكية للأفراد والهيئات والجماعات في المغرب للتأكد من حركة التمويلات الخارجية وحجمها، هل هي وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية؟ من كان يسمح بدخول الأطنان من الكتب والأشرطة الوهابية إلى المغرب ويسمح بتوزيعها وبيعها في قارعة الطريق، هل هي وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية؟ من كان يسمح بفتح المعاهد الدينية الوهابية في أنحاء المغرب؟.. من سمح بجعل الكاراجات والبراريك مساجد؟). وإذا كان وزير الأوقاف غير مسئول عن تدفق الأموال وتحويل الكراجات والبراريك إلى مساجد تنشر الوهابية والتطرف، فإنه مسئول عن مضمون الخطب وعن الأئمة الذين يروجون الوهابية عقيدة وسلوكا وتوجها.

 

د ـ تمكين الأئمة الوهابيين من اختراق المؤسسات الدينية الرسمية، وفي مقدمتها المجالس العلمية التي تحولت معظمها إلى واجهة لاستقطاب الأئمة ونشر العقائد الوهابية فضلا عن التصدي لكل محاولات الإصلاح الديني أو السياسي أو الاجتماعي. وأبرز معركة وُظِّفت فيها المساجد والمجالس العلمية هي المعركة التي كانت ضد مشروع خطة إدماج المرأة في التنمية.

 

 

ـ الجانب الثاني ويتعلق بالأحداث الإرهابية التي عرفها المغرب في 16 مايو 2003، وكذا تزايد التهديدات بفعل تكاثر الخلايا الإرهابية. إن هذه الأحداث الإرهابية دقت ناقوس الخطر ونبهت إلى الخطر الكبير الذي أصبح يشكله الإرهاب الديني على استقرار المغرب وأمنه. وهذا الخطر يجسده أساسا الفقهاء والشيوخ  الذين باتوا يعرفون بـ " شيوخ التطرف"  و"أمراء الدم"، وعلى رأسهم الفيزازي الذي يكفر الدولة والمجتمع ويحرض على القتل بقوله (ليس عندنا في ديننا شيء اسمه حرية الاعتقاد، إنما عندنا في ديننا ما قاله الرسول الكريم في صحيح البخاري: "من بدل دينه فاقتلوه".. وعليه فحرية الاعتقاد تضمنها المادة الثامنة عشرة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وقتل المرتدين يضمنه حديث رسول الله السالف الذكر)؛ وكذلك عبد الكريم الشاذلي الذي أفتى بأن (كل من اتخذ مع الله آلهة أخرى في التشريع فقد أشرك بالله.. وعلينا أن نعلم أن المرء لا يكون من الموحدين حتى يكفر بكل طاغوت قديما كان أو معاصرا. فإن لكل عصر وزمان ومكان طواغيته وأشنعها طواغيت عصرنا الذين يحكمون الناس بالقوانين الوضعية في صور شتى). وهناك أعداد كبيرة من الفقهاء والخطباء الذين ينفثون التطرف ويحرضون على العنف لم تطلهم بعد يد العدالة.

 

إذن، خلال المدة التي قضاها وزير الأوقاف الحالي على رأس الوزارة لم يقدم إنجازا في مستوى الأهداف والتوجيهات التي حددها جلالة الملك. إذ لا زالت الوزارة لم تحسم أمرها وتتصدى للخوارج على المذهب من الأئمة والمرشدين. لهذا فما أنجزته الوزارة حتى الآن لم يرق إلى الهدف الذي رسمه جلالة الملك سنة 2004  كالتالي: (أننا مصممون على مواصلة التفعيل الأمثل لإصلاح الشأن الديني، لترسيخ قيم ديننا الإسلامي الحنيف، والحفاظ على وحدة المذهب المالكي، مع اعتماد اجتهاد منفتح، يتماشى مع مستجدات العصر، تحصينا لأجيالنا من التيارات الدخيلة والهدامة). لهذا وأمام تباطؤ الوزارة في تحقيق الأهداف وأجرأة التوجهات الملكية، لم يكن أمام وزير الأوقاف إلا أن يشتغل على مجالات لا يجد أدنى مقاومة من الأصوليين أمام تدابيره. ذلك أن خطر الإرهاب الديني، ومن ورائه خطر الإسلاميين وإن اختلفت درجاته ـ  من الخطر المحدود والممكن احتواؤه إلى الخطر الماحق ـ تقتضي مواجهته وضع سياسة شمولية تهم المجالات الاجتماعية والسياسية والثقافية والدينية والرياضية والإعلامية وغيرها. فهل التدابير التي أعلنت عنها وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية كافية لضبط وتنظيم المجال الديني؟ قضية تلامسها المقالة القادمة إن شاء الله.

selakhal@yahoo.fr

 

* المغرب

 

للتعلبق على الموضوع