19 مايو 2007

 

 

 

 

 

 

 

بين المعارضين المخضرمين والمعارضين الشباب، ينتمي "إبن العم"، إبن الـ74 عاماً، إلى جيل الشباب الصغار الذين يتحدّثون عنه كواحد منهم. وبين الحزبيين، والنشطاء غير الحزبيين، يبدو رياض الترك الأقل محدودية حزبية والأجرأ فكرياً رغم انتمائه الحزبي المديد. ومع أن الترك يعتبر نفسه "سياسياً" وليس "مفكّرا"، فمراجعته للتجربة الماركسية تتّسم بالجرأة والجدّة (حتى في الماركسية، يميل إلى "ماركس الشاب"، الذي كان تخلّف بلاده في القرن 19 يشابه تخلّف بلادنا.. في القرن الـ21)، ولو أنه لم يشأ التطرّق إلى هذا الجانب في هذه المقابلة الخاصة بـ"الشفّاف". وإذا كان "الشفّاف" في نظر البعض "متّهماً" بليبرالية "حادة" (تعبير ورد في مقال نشره موقع قريب من السلطة السورية)، فأحد روافد هذه "الليبرالية العربية" يتمثّل في اليسار السوري (واليمني واللبناني والمصري والفلسطيني..) الذي اكتشف عقم تجربة الإستبداد وبات يحمل همّ الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان وحكم القانون. ورياض الترك نموذج في هذا المجال--- بيار عقل

*

 

 

من السجن إلى الحرية وبالعكس، قصة سوريّة بامتياز. رياض الترك، أحد أبطالها الأميز حضورا في الساحة السياسية. أكثر من تجربة اعتقال قاسية، ويوميات تعب مسكون بالوطن، لا ينتهي، تركت آثارها واضحة على معالمه، لكنها أبدا لم تترك مثل ذلك على مواقفه وكلماته. من دمشق إلى بيروت وبغداد نقلنا معه، بدون أن ينسى التوقف عند التفاصيل التي يعتبرها البعض "صغيرة". هي التفاصيل التي لا تتغاضى عن الإنسان لصالح السياسي.

 

سوريا، من السجن إلى الحرية، طريق وحيد الاتجاه، هو الدرب الذي ما يزال يحلم و يسعى مع آخرين من أجل بلوغه. على هدي ملامح هذا الطريق، كان هذا الحوار.

 

 

المعارض السوري البارز رياض الترك:

أنا في قلب الأحداث ولست غائبا

علينا أن نحاكم السلطة بدلا من أن تحاكمنا.. ولا يجوز الانجرار إلى اتهاماتها

الدكتور كمال اللبواني معارض وطني، ناضل ويناضل من أجل الحرية والديمقراطية وحماية الاستقلال الوطني

مصالح السلطتين السورية والإيرانية تعقد الوصول إلى حل توافقي بين الأطراف اللبنانية المتنازعة

حوار: رزان زيتونة

 

 

حول الأوضاع الداخلية في سوريا، ومنها إلى لبنان والعراق والمنطقة، كان لنا الحوار التالي مع السياسي المخضرم والمعارض الرمز رياض الترك.

 

     أين هو "ابن العم"؟! ولماذا لا نسمع صوته هذه الأيام؟

هذا السؤال سمعته كثيرا. تصريحاتي وكتاباتي قلَتُ بعد عودتي من أوروبا، في شباط 2006. هناك جملة من الأسباب. شخصيا لست من أولئك الناس الذين يركضون وراء الأضواء. وفي حياتي الحزبية والشخصية كنت دائما أفضل العمل في النسق الثاني، لكن الظروف و الأحداث تزاحمت ووضعتني في النسق الأول. سأكون سعيدا في المستقبل أن أعود إلى الصف الثاني والثالث.  من ناحية أخرى فإن طاقتي أضحت محدودة، وبالتالي علي أن أخلي المكان لغيري. وهذا ما فعلته بعد مؤتمر حزبنا، حين تنحيت عن المسؤولية الأولى. لكنني مازلت أمارس نشاطي السياسي والحزبي في إطار أضيق. آمل أن يتحمل غيري المسؤولية. وأنا مازلت في قلب  الحدث ولست غائبا.

أريد أيضا أن ألفت نظركم إلى أن سبب بعدي عن الإعلام، يعود إلى أن السلطة تحارب المعارضة وشخصياتها عموما، وتضيق على الإعلاميين وتمنعهم من الاتصال بي وبأمثالي. هناك جدار يراد أن يفرض عليها ويمنع صوتها من الوصول إلى الناس .هذه الأمور مجتمعة جعلتني أغيب، وأبعدتني عن التواصل. شكرا على هذه الملاحظة.

لكن في الوقت نفسه، فإن ذلك لا يعفي أولئك الإعلاميين الذين يهتمون بالمعارضة والمعارضين، ويسعون نحو الحقيقة، من المسؤولية، لأنهم قصروا أيضا إزاءنا. في سوريا مشكلة ينبغي أن يعيها أولئك الذين لديهم إمكانيات إعلامية وقادرين على تغطية ومتابعة الأوضاع السورية، فواجبهم المهني سد هذا الفراغ .

 

     لكن هذا لا يمنع أن هنالك تقصيرا من قبلك في لعب دور إعلامي كمعارض!.

أعترف لكِ بهذا التقصير رغم كل المبررات. ولأنني واحد من المعارضة، أجد في تصريحاتها تعبيرا عن آرائي ولو جزئياً. مع ذلك فالمعارضة ليست صامتة، ومواقفها الرسمية مطروحة بأشكال مختلفة. لكن ربما لا يجد الإعلامي فيها ضالته. بكل أسف شأني كشأن البعض، لا نعطي الأهمية الضرورية للنشاط الإعلامي. فما يصدر عن المعارضة قد لا يجذب إليه الإعلام. فهي لا تتقن فن التعامل معه، إضافة إلى أن البعض، حين يصرح، يبدو كأن في فيه ماء. وهذا ما يجعل تصريحاته باهتة.

 

     كيف تنظرون إلى الأحكام القضائية الصادرة مؤخرا بحق المعارضين السوريين المعتقلين ؟ وكيف تفسر قسوتها؟

أولا، في سوريا لا توجد محاكم تحكم بين الناس بالعدل. هذه مسألة انتهت مع قيام النظام الاستبدادي الذي سطا على السلطة القضائية كمؤسسة مستقلة، وفرض على القضاة التحزب والالتزام بأوامر الحاكم العرفي وأقام بموازاة القضاء المحاكم الاستثنائية كمحكمة أمن الدولة والمحاكم الميدانية. الآن لا نرى اختلافا بين القضاء العادي والقضاء الاستثنائي، فكلاهما خاضعان لأوامر الأجهزة الأمنية التي أعطت لنفسها ظلما وعدوانا صفة الضابطة العدلية.

 في مراحله الأولى، كان النظام يزجنا في السجن دون محاكمة. قضيت أكثر من سبعة عشر عاما في السجن، في عهد حافظ الأسد، بدون محاكمة. لذلك، عندي سيان أن يحكم المرء بالسجن المؤبد أو لمدة شهر واحد. المسألة مسألة صراع سياسي مع نظام ظالم لا يحترم قوانين البلاد. إعلان حالة الطوارئ منذ أكثر من أربعين سنة، فتح مجالا كبيرا للحاكم العرفي كي ينتهك قوانين البلاد ويتلاعب بها. لذلك، في محاكمات المعتقلين السياسيين ومعتقلي الرأي، نقرأ تهما من العيار الثقيل، مستندة إلى مواد في قانون العقوبات، الغرض منها إبقاء المعتقلين في السجن مددا طويلة. إنها في آخر تحليل محاكمة سياسية لمنعهم من ممارسة حق التعبير عن الرأي والمشاركة في الحياة العامة التي كفلها الدستور. وهي أيضا موجهة ضد المعارضة من أجل إسكات أصوات ناشطيها، وأخيرا لإخافة الناس ودفعهم للابتعاد عن الشأن العام.

ثانيا ، يجب الانتباه إلى كيفية التعامل مع هذه المحاكمات. فعلينا أن ندين السلطة التي اعتدت على حريات المواطنين.  علينا أن نحاكمها بدلا من أن تحاكمنا.

فمن المؤسف والمخزي أن السلطة أخذت تتهم المعارضين المعتقلين  بالخيانة وبالاتصال بالأجنبي وتستخدم عبارة "الاتصال بالعدو"، كما حصل مع كمال اللبواني وفائق المير. هل يجوز لهيئة الدفاع مناقشة تلك الادعاءات والدفاع عن "وطنية" المعارض؟!. هذا لا يجوز، ماضي المعارضين الناصع يكفيهم، ويشرفهم ارتباطهم بالوطن ونضالهم لحماية الاستقلال الوطني والدفاع عن الحرية والديمقراطية. الحكم الذي صدر بحق الناشط أنور البني يتساوى مع الحكم الصادر بحق المعارض كمال اللبواني ومع الأحكام التي صدرت أخيرا بحق ميشيل كيلو ومحمود عيسى ومن سبقهم ومن سيلحقهم. فالعقوبة في النهاية عقوبة سياسية،والأحوال السياسية متغيرة ومتبدلة، وهي مرتبطة بدرجة أو بأخرى بشدة التضامن معهم والمطالبة بإطلاقهم وشن الحملات المستمرة من أجل حريتهم. وعلينا أن نوسع دائرة التضامن بحيث نشرك الرأي العام العربي والعالمي والقوى الخيرة فيهما، ونشرح محنة المجتمع السوري و معاناته مع هذا النظام كي يتحول إلى قوة ضاغطة للدفاع عن المجتمع والمعارضة والمتهمين القابعين في السجون وذلك تحت اسم حقوق المواطنة والإنسان وسيادة القانون والحرية للشعب السوري.

علينا أيضا أن لا ننسى من سبقهم من المعتقلين كالدكتور عارف دليلة والناشطين رياض درار ونزار رستناوي، وكذلك المعتقلين الذين يحاكمون على أساس القانون رقم 49 لعام 1980 الذي يحكم على المنتسب لتنظيم الإخوان المسلمين بالإعدام"، فمعظم هؤلاء – ومن بينهم المعتقل عبد الستار قطان الذي يعاني من وضع صحي سيء للغاية-  حكم عليهم بالإعدام ثم  خفض الحكم إلى اثنتي عشر سنة. و أيضا معتقلي الحراك الشبابي الديمقراطي، عمر العبد الله وطارق غوراني وحسام ملحم وزملائهم، الذين يحاكمون أمام محكمة  أمن الدولة حاليا وينتظر صدور حكم  بحقهم الشهر القادم.

 

     ألا تعتقد أن جزءا من المعارضة قد أصدر حكمه على المعارض كمال اللبواني، حتى قبل أن تصدر السلطة حكمها بحقه ؟

هذه المسألة كنت قد تناولتها في حديثي التلفزيوني لقناة الحرة في كانون الأول 2005. للأسف، حتى الآن ليس لدى أغلبية المعارضة السورية رؤية حول مسألة "العلاقة بين الداخل والخارج" حين تحديد السياسات الوطنية المطلوبة والواجب انتهاجها تجاه القضايا الإقليمية والدولية المؤثرة على بلادنا. وهذا بسبب ما أشرت إليه  من  اتهامات النظام لنا، حين تقيم هذه الشخصية أو هذا الحزب علاقات خارجية، بالخيانة والصلات  بالأجنبي. هذا خطأ كبير. من واجبنا الاتصال بالخارج. والخارج خوارج، منظمات حقوق الإنسان، أحزاب ودول ديمقراطية. وعلينا أيضا الاتصال بكل من يشاطرنا الرأي بأن مستقبل البشرية هو للحرية والديمقراطية. وبالتالي، إذا أردنا أن ندخل تفصيلا فيما تكلم عنه الدكتور كمال في جولته لبعض الدول الغربية التي تسببت باعتقاله، فطرحه لا يختلف مطلقا عما تكلمت عنه في سفراتي الكثيرة. لقد كان يركز على الديمقراطية في سوريا، على مسألة صيانة الاستقلال الوطني، على ضرورة دعم القوى الخيرة في العالم للمجتمع السوري المنكوب بهذا النظام الاستبدادي. هذا ما فعله هناك، ولا أرى أنه أخطأ. وإن كان من مأخذ عليه، فهو أن ما انفرد به يتطلب سلوكا مشتركا تكون فيه مختلف قوى المعارضة متوافقة عليه، ويكون هو أو غيره في عداد وفد نطرح من خلاله القضية السورية على جميع دول العالم. إن الصلة بالخارج أمر لا يضيرنا ولا يشكك بنا مجتمعين. فانفراده بالموقف هو ما أضعفه، لكن تصريحاته التي حوكم بسببها كانت تصريحات وطنية ولا غبار عليها. كل ما أرجوه أن يتلقى الدكتور هذا الحكم كما يقال بردا وسلاما. لن يبق اثني عشرة سنة في السجن و سيخرج رغما عن جلاديه حراً محفوفاً بالعرفان والتقدير.

 

     كيف تؤثر هذه الضربات المتتالية من قبل النظام على معارضة يصفها البعض بالضعف وعدم القدرة  على  التأثير؟

ضعفت المعارضة بعد الضربات الكثيرة والكبيرة التي تلقتها من النظام. نحن نتحرك على أرضية ضعف الأحزاب المعارضة. نظام الرئيس حافظ الأسد لم يكتف بمحاربتها بل أضاف إلى ذلك مهمة إزاحة المجتمع عن السياسة، إما عن طريق الإرهاب بشتى الوسائل، أو عن طريق تخفيض دخول الناس إلى حدودها الدنيا، كي يلهث المواطن وراء لقمته من الصباح وإلى المساء، فلا يبقى لديه الوقت للتفكير بالشأن العام. لهذه الأسباب تحول مجتمعنا المغيب إلى مجتمع صامت. ونحن ما زلنا نعيش بقايا هذه الحالة. صحيح أننا شهدنا إعادة نهوض للمعارضة بعد وفاة حافظ، لكنها غير كافية حتى الآن من أجل إجراء تغيير بقوانا الذاتية. لكن نقطة قوتنا أن مجتمعنا مجتمع معارض بامتياز، يمكن له في لحظة ما أن ينهض بشكل مفاجئ. فمن قال أن الاتحاد السوفيتي يمكن أن يسقط، ومن قال أن الشعب اللبناني يمكن أن ينهض. الشعب اللبناني عانى كثيرا من التسلط السوري، لكنه نهض بعد مقتل الحريري. ثم جاءه الدعم الدولي، فأفلح بإخراج الجيش السوري من لبنان. إن مسألة التغيير في ظروف العولمة والمتغيرات الدولية الكبيرة، ليست شأنا داخليا بحتا، فهناك عوامل إقليمية ودولية علينا فهمها بشكل جيد، وأخذها بعين الاعتبار عند وضع استراتيجية وتكتيك الحركة الداخلية المعارضة. المعارضة من أجل أن تنجح عليها أن تعي ليس فقط هذه المسألة، وإنما عليها حين تصنع سياساتها، أن تكون برامجها واضحة وعملية، فتتحرك داخليا وإقليميا ودوليا مستفيدة من كل الظروف التي يمكن أن تحقق لها النجاح. لذلك وبالنسبة إلى سوريا، لم يتطابق الجانبان الداخلي والخارجي لإعطاء شرارة التغيير. برأيي أن هذه المسألة لا تزال غائبة عن رؤية كثير من السياسيين السوريين. عندما يعالجون الأوضاع السياسية الداخلية يهربون من مسألة العلاقة مع الخارج، وهو أمر لا يجوز أبدا مهما وجهت لهم اتهامات باطلة. نحن نعيش في عصر العولمة وهو عصر سيادة مفهوم الديمقراطية في إدارة البلدان، حيث أكثر من 60% من  دول العالم محكومة بهذا السياق. وهذا ما يسبب التردد في اتخاذ المواقف وبقاء عقليات معارضة للنظام، لكنها لا تختلف كثيرا عن عقليته. أريد هنا أن يتوقف هؤلاء عند حركة السلطة تجاه الخارج، حيث نجدها حركة متفهمة لمؤثراته على الأوضاع. لذلك تريد السلطة عقد صفقات تمنع عنها تلك المؤثرات على الوضع الداخلي. هنا ينطبق عليها قول المعري:

يحرم فيكم الصهباء صبحا                   ويشربها على عمد مساء.

أما فيما يتعلق بإعلان دمشق، فأعتقد أننا نظلمه إذا وصمناه بسمة الضعف، لكن هذه السمة تنطبق أكثر على بعض قوى التجمع الوطني الديمقراطي. إعلان دمشق حالة سياسية تجديدية ناشئة سدت نواقص التجمع. وله مستقبل لأنه يعمل من أجل تأسيس حركة شعبية معارضة تضم طيفا واسعا من تيارات مجتمعنا.

 

     ذكرت قبل قليل معارضة المجتمع الصامت. هل تعتبر امتناع المجتمع السوري في أغلبيته العظمى عن المشاركة في الانتخابات النيابية الأخيرة، بمثابة معارضة سلبية، أم ترى فيها عدم اكتراث ولا مبالاة؟

القول بعدم مبالاة الشعب السوري فيها احتقار له. هناك أحداث كثيرة حصلت أثناء الانتخابات تدل على أن السوريين ليسوا غير مكترثين أو لا مبالين. كان هنالك رفض حقيقي للمشاركة في مهزلة الانتخابات حتى عندما مورس التهديد والضغط على المواطنين. الناس لا يجدون جدوى من الاقتراع، ويعرفون أن من سينجح هم أعضاء حزب البعث والجبهة الوطنية التقدمية والمقربين من مراكز النفوذ وتطعيمهم ببعض ممثلي العشائر ورجال الدين و الأعمال. لقد كان موقف السوريين هذه المرة أوضح بكثير من موقفهم في الدورات الانتخابية الماضية.  فالإعلام لم يستطع إلا أن يبرز ذلك بشكل أو بآخر. المجتمع السوري ليس بحاجة إلى هذا المجلس المعين والشكلي. المجتمع بحاجة إلى تغيير سياسي جذري في حياته. وهو لا يجد في المؤسسات الدستورية لهذا النظام القائم مجالا لاختيار المعبرين عن مصالحه الحقيقية، وعدم اقتناعه بجدوى هذه المؤسسات. إن أي مواطن عادي بسيط يحدثك عن  مثالب هذا النظام وامتهانه لكرامته أفضل من أي سياسي في هذا البلد، ويقدم لك معطيات لا تتوفر، لا عندك ولا عندي. إن أكبر دليل على ما أقول هو ما قام به ممثلو النظام من مهاجمة ظاهرة المقاطعة واتهام المعارضة بأنها السبب، فتحدثوا في كواليسهم عن انخفاض كبير في نسبة المقترعين المتدنية إلى 7%. لذلك، تقوم السلطة الآن بحملة دعائية واسعة وتجند قواها لدفع الناس إلى المشاركة في الاستفتاء الرئاسي القادم.

 

     كيف تنظر إلى وضع حركة 14 آذار في لبنان في الوقت الحالي، هل ترى أنها تسير في الاتجاه الصحيح؟

أنا أفهم حركة 14 آذار على أنها لقاء قوى متنوعة من السياسيين والأحزاب وممثلي المجتمع من أجل إعادة بناء مؤسسات الدولة اللبنانية بعد خروج الجيش السوري من لبنان، ولا يمكن للمجتمع اللبناني  وإن كان مبنيا على الطوائف، إلا أن يكون في النهاية مالكا لهذه المؤسسات. والمعبر عن روح هذا المجتمع وهذه الطوائف هو حركة 14 آذار، رغم الهنات التي وقعت  بها هنا وهناك، خاصة في الفترة التي أعقبت مقتل الحريري، حيث كان عليها أن تتابع حشد الناس حتى إزاحة لحود.  شئنا أم أبينا، فإن  لبنان، وخاصة بعد عدوان إسرائيل الصيف الماضي، والحالة  المدمرة التي نشأت عن هذا العدوان وخراب الاقتصاد اللبناني وتعقد العلاقة مع حزب الله لدرجة الاستعصاء وغير ذلك، كلها أمور تدفع البلاد إلى حافة الهاوية. فالأزمة اللبنانية  منذ صدور القرار 1559 وصولا إلى القرار 1701 سارت تدريجيا نحو التدويل. وعلينا أن لا ننسى حل التناقضات بين مختلف القوى اللبنانية يرتبط أيضا بمصالح سورية وإيرانية تزيد الأزمة تعقيداً وبالتالي يصعب الوصول إلى حل ما. ولذلك نرى أن المسألة اللبنانية دخلت ضمن المسائل الأخرى الإقليمية التي تنتظر تفاهما إقليميا ودوليا ، يسهل على اللبنانيين الوصول إلى  اتفاق. إن إطالة أمد الأزمة جعلت الاقتصاد اللبناني ينهار تدريجيا. والمواطنون اللبنانيون يضيقون ذرعا بذلك ما يدفع الكثير منهم إلى الهجرة. الحل الأسلم لتلك الأزمة ينطلق من التوافق بين أطراف الصراع القائم على مبدأ لا غالب ولا مغلوب، وما أُقرَ على طاولة الحوار الوطني من إقرار المحكمة ذات الطابع الدولي وتحديد الحدود مع سوريا وإقامة العلاقات الدبلوماسية معها، ونزع السلاح الفلسطيني خارج المخيمات. لذلك لا بد من العودة إلى الحوار والقبول بالمبادرات الداخلية والعربية والإقليمية. في مؤتمر القمة العربية الأخير، كان موضوع العراق والتسوية العربية الإسرائيلية حاضرا، لكن المسألة اللبنانية بكل أسف، بحثت في الكواليس. أكرر، أنا متعاطف مع حركة 14 آذار فيما يتعلق بحرصها على التمسك باتفاق الطائف والإصرار على استكمال  بناء الدولة والحرص على قيام وعمل المؤسسات الدستورية وتوفير الاستقرار والوصول مع الطرف السوري لإقامة علاقات متوازنة بين السلطتين وهذه الأمور عبر عنها بدقة بيان دمشق – بيروت، بيروت – دمشق، وكل من يعمل ضد هذا التوجه لا بد أنه خاسر سواء أكان فريقا لبنانيا أو عربيا أو إقليميا.

 

     زميلكم في الحزب السيد فائق المير اعتقل لمجرد مكالمة هاتفية مع أحد أعضاء اليسار الديمقراطي، وأنت تجاهر بموقفك من  حركة 14 آذار؟

هذا حقي فأنا أمارس حريتي وأعبر عن وجهة نظري في هذا الشأن السياسي أو ذاك. وقد سبق أن صرحت أكثر من مرة بضرورة خروج الجيش السوري وترك اللبنانيين وشأنهم، وإقامة علاقات متوازنة بين السلطتين السورية واللبنانية، وأنه لا خوف على العلاقات التاريخية بين الشعبين. أما اعتقال الرفيق فائق المير فسببه في ظني ليس المكالمة الهاتفية مع المناضل الكبير الياس عطا الله، وإنما له علاقة بنشاطه الديمقراطي المعارض ضد السلطة. وكما ذكرت، السلطة تلفق الأكاذيب ضد المناضلين ولا يضيرنا أبدا العلاقة مع رفاقنا وإخوتنا اللبنانيين الذين تجمعنا معهم مهمة إقامة النظام الوطني الديمقراطي في كل من سوريا ولبنان.

 

     كيف ترى الحل للأوضاع المشتعلة في العراق؟.

الوضع في العراق لن يجد له حلا ما لم يتحدد جدول زمني لانسحاب الجيش الأمريكي منه، عندها ينفتح باب الحل السياسي. ويبدو أن مسألة الانسحاب هي مسألة صراع بين طرفي الإدارة الأمريكية. الديمقراطيون لا يريدون أن يرثوا العراق كما هو الآن، فيضغطون على بوش بشكل قوي من أجل أن لا تكون مشكلة العراق قائمة كما هي الآن فيما إذا كان الرئيس المقبل ديمقراطيا. وبوش يدرك هذه المسألة، ولا يريد أن يجد حلا لها. لكن الدول العربية المعتدلة، وبشكل أساسي السعودية ودول الخليج، القلقة من الأوضاع العراقية وتفجر الحرب الأهلية التي يمكن أن تتسع لتتحول إلى صراع سني شيعي، هي القوى الأساسية التي تتبنى القوى السنية في العراق. فالحل الأمني الذي طرحه المالكي بالممارسة العملية يتوجه ضد السنة. ثم كيف يمكن أن ينفتح باب لحل سياسي بدون دور ما لإيران، وإيران مصرة على أن  تبحث كل قضايا المنطقة جنبا إلى جنب مع ملفها النووي، وهذه المشكلة ظهرت في شرم الشيخ. وهناك إجماع دولي بأنه لا يجوز لإيران أن تمتلك السلاح النووي. إذاً فالمسألة العراقية تحولت إلى عقدة من الصعب حلها. جولة ديك تشيني الأخيرة في الخليج هي رسالة إلى إيران. لكن هل يمكن توجيه ضربة إلى إيران على طريقة العراق؟ أنا أستبعد ذلك. لا الصين ولا روسيا وربما حتى الاتحاد الأوروبي لن يغامروا بذلك. إذاً هناك عقدة تنتظر الحل. هناك أخبار تقول بأن لقاءات مباشرة حصلت  بين الإيرانيين والأمريكان بشكل سري جدا، ولا نعرف إذا كانت  قد فتحت أفقا لحل سياسي في المنطقة. المنطقة محشوة بحالات تفجر مؤجلة. باعتقادي أن الحل الأمني في العراق سائر للفشل، لذلك الوضع في المنطقة يحتاج إلى معالجة من منطلق دولي، تستطيع فيه القوى الدولية مع الولايات المتحدة الوصول إلى توافق ما لحل أزمات المنطقة، وهذا الحل لا يمكن أن يكون إلا سياسيا. هل نحن أمام ميل لحل سياسي أم استمرار لحالة الانتظار  القائمة واحتمال حصول تفجرات أكبر في المنطقة؟ من الصعب الحكم الآن علي أي من الميلين يمكن أن ينفتح له أفق، لكن الحل السياسي هو وحده الذي يحقن الدماء ويفتح الطريق نحو إيجاد حلول لكل بؤر المنطقة.

 

 

للتعلبق على الموضوع