![]()
9 أبريل
2006
قراءة
سوسيولوجية
لانتفاضة 14
آذار 2005
منى
فياض
اثار اغتيال
الحريري غضبا
شعبيا كبيرا
وحقيقياً
انبثقت عنه
حركة توحيدية
تريد الوصول الى
الحقيقة وعاش
الجميع لحظات
وحدة وطنية
قوية وحقيقية.
فلماذا التف
اللبنانيون
حول مطلب
معرفة الحقيقة
بالرغم من كل
التباينات
التي كانت
تطبع موقفهم
من الحريري؟
ما الذي
حرك اللبنانيين
بهذه
الكثافة؟
سألت
طلابي في علم
النفس سنة
رابعة عن
مشاعرهم تجاه
ما حدث، ومن
بين 35 طالبة
وطالب (اربعة
لم يجيبوا) اذاً
من بين 31 اجابة
كان هناك 10
تقول انها
اصيبت
بالصدمة، و10
عبّرت عن شعور
بالخوف وان
الوضع مخيف،
وعدم تصديق
وردت 3 مرات،
وهناك شعور بالرعب
وردت مرتين،
والقلق
مرتين،
وهناك قرف
واكتئاب،
وشعور بان
الحرب قريبة
وخوف من مشاكل
وخسارة وحصول
شيء عظيم،
وشعور
بالتهديد
وعدم توقع تحسنٍ
في الوضع،
وشعور
بالعودة الى
الوراء، الى
الحرب وعنفها
بعد ان
اطمأنت الى
وجود أمن في
لبنان.
في النقاشات
العامة، هناك
من اعتبر
الاغتيال مثل
الصاعق trigger.
كان
الوضع في
البلد قد وصل الى درجة
من الانحلال
والفساد
والتجبر
وتحكم الاستخبارات
غير مسبوقة
وغير مقبولة
في بلد يتمتع
بحرية صحافية
نسبية وله ماض
ديموقراطي لا
بأس به. ذلك
كله هيأ
للانتفاضة؛
التي اتاحت
هذه المرة
بروز شعور
ايجابي عُبّر
عنه في كيفية
استجابة الناس
العفوية
للمشاركة وفي ارادتهم
الواضحة
للتخلص من
الشعور
الطائفي،
فكان التكاتف
بين مسلمين
ومسيحيين احد
معالم التحرك
الجديد أي عكس
ما كانت بدأت
به تباشير
الحرب الاهلية.
ان ما حصل
هو من العمق
والاتساع
بحيث ان
حدثا مماثلاً
قد لا يتكرر
في حياة
الشعوب الا
مرة كل مئة
عام او اكثر.
لقد اعتاد
اللبنانيون
على
الاغتيالات
طوال سنوات
الحرب
وتعاملوا
معها مثل قدر
لا رادّ له، وربما
راهن منفذو
الاغتيال على
هذا العامل، أي
القبول
والإذعان. لكن
الاستجابة
هذه المرة
فاقت اي
توقع، فما هو الامر
الذي اختلف في
هذا الاغتيال
تحديداً؟
المحرك العميق
وعندما
نسأل انفسنا
عن القوى
المحركة
للانتفاضة
التي حدثت،
يتهيأ لي ان
فكرة الأضحية او بالاحرى
الأنتي- أضحية
(sacrifice) تقدم
هنا ربما بعض
التفسير،
فعملية
الاغتيال هذه
لعبت الدورالذي
يؤديه "العنف
المؤسس" بحسب تعابير
رينيه جيرار
الذي يشير في كتابه
(العنف والمقدس)
الى
الدور الاساسي
الذي يلعبه
هذا "العنف
المؤسس" و"الضحية
المحرقة" (Victime émissaire - Violence Fondatrice) اللذان
اجد انهما
مفهومان
جوهريان لفهم
رد الفعل
المدوي.
لقد حدث هنا أن
ضحية واحدة
أمكنها أن
تحتل مكان كل
الضحايا
الأخرى، ليس المحتملة
بل التي حصلت
فعلاً. وكأن
القتلة قاموا
باختيار
وبتقديم
الأضحية
المحرقة
للبنانيين
لمساعدتهم
على الخروج من
مأزقهم. لكنهم
اختاروا
الشخص الذي
كان يشكل خشبة
الخلاص لهؤلاء
اللبنانيين
وهو كان ربما
آخر شخص
يتمنون
التضحية به. وربما
تم اختياره لانه من
نوع الضحايا
الذين لا
يتسببون
بتصاعد مشاعر
الثأر بسبب مدينيته
وكونه رجل
دولة ورجل
سياسة ولا
ينتمي الى
منطق العشائر
والقبائل
والطوائف؛
لكن ربما هذا
بالذات ما
تسبب بانتفاض
اللبنانيين. انتفضوا
يريدون معرفة
من قام بهذه
الجريمة وقدم
عنهم بالاكراه-
هذه الأضحية/ المقدسة؟
من هنا صار اسم
مكان الدفن
وبشكل عفوي "الضريح"
بما يحمل ذلك
من دلالة
مقدسة.
واذا كان من الاجرام
قتل الضحية
لأنها مقدسة،
لكن الضحية لا
تصبح مقدسة
إلا عندما
تقتل. لولا
وجود قرابة
بين الضحية
والقتل لما
كان هناك إمكان
لهذا التبادل بينهما.
من
هنا نجد ان
من خطط جريمة
الاغتيال
ونفذّها تسبب
بعكس ما كان
يبتغيه تماما.
وهكذا تعامل
اللبنانيون
مع اغتيال
الحريري كأنه
تقديم أضحية
لفداء لبنان. ووجد
اللبنانيون انفسهم امام واجب
الحفاظ على
هذا البلد
الذي افتدي
بهذا الثمن
الفادح.
وهكذا
تحول "السلف
ماد مان" لكي
يصبح التجسيد
الحي والفاعل
لأسطورتنا
المؤسسة
البسيطة التي
كنا نتداولها
ببعض الهزء،
كما يحصل مع
الأساطير
عادة قبل أن
تتجسد. لقد
أعاد احياء
احدى
أساطيرنا
الفاعلة،
سواء أقبلنا
بذلك أم لا، أهزئنا
أم لا، اسطورة
طائر الفينيق
الذي ينهض من
رماده في كل
مرة.
عن
الموقف من
الحرب
هناك
من ينظر الى
ظاهرة تجمع
اللبنانيين
بالرغم من
خلافاتهم وتبايناتهم
وتمايزاتهم
بواسطة
الانتفاضة
السلمية التي
حصلت كظاهرة موقتة
وكأن تاريخ
لبنان المتخم
بالتباينات
والاختلافات
لا يرجى منه
خيراً في أي
اجتماع. وكأن
الشعوب، من
هذا المنظار
الضيق، لا
تملك سوى تاريخ
واحد وتصور
واحد، يظل هو
نفسه جامدا
والى الأبد. واذا تعرض
شعب ما للتشرذم والتجزئة
في حقبة ما
يكون هذا قدره
ومصيره الى
نهاية العالم.
ويغيب عن بال
وجهة النظر
هذه
التجارب القريبة
والماثلة
للعيان في
التاريخ الاوروبي
الحديث بحيث
أن الهزيمة الاخلاقية
للانسان
الغربي،
والتي سببتها
الحرب
العالمية
الثانية بكل
وحشيتها، أدت الى
استعادة
التساؤل حول
القيم
التقليدية،
خاصة القيم
التي تمجد
القوة
والعدوانية
والعنف،
والتي تسببت
بجعل الموت
منظماً
وعقلانياً وممارساً
ضد المدنيين.
فأوروبا
لم تعرف ابداً
مثل هذه
الخيانة لنماذجها
ومثالاتها
والتي قامت
ببنائها خلال
قرنين. لذا
وعى من بقي
على قيد
الحياة بعد
تلك الحرب مدى
اتساع
الكارثة الانسانية
والغى
معظم هؤلاء من
وعيهم الافكار
المتعلقة
بالعرقية
وبالتمييز.
صناعة
التاريخ
وانبعاث
الوطنية
اللبنانية الديموقراطية
هناك
شعور بان الحشود
التي اجتاحت
الساحات ومن
اعتصموا في ساحة
الشهداء
يساهمون في
صناعة
التاريخ فلا
يمكن ان
لا نجمع بين
الارتقاء
السريع لهذا
الحاضر التاريخي
والمكون من
مشاعر المشاركة
الجماهيرية
في المصير
الوطني مع
الواقع
التاريخي
والسياسي. التاريخ
يصنع نفسه باصوات
الفاعلين على
شاشات التلفزة.
الحدث هو
اكبر محرك
للتاريخ
الآن، وفي حين
كان الكلام هو
المحرك في
أيار 68 عبر
مهرجان
الكلام
الفاعل، كان
الفعل والشعارات
والعلم
اللبناني
المحركة
والفاعلة في انتفاضة
عام 2005. وصرنا
عندما نشاهد
تلفزيون "المستقبل"
(التابع لمؤسسات
الحريري) تبرز
امام
أعيننا كثرة
الرموز والاشارات
التي ساد الظن
طويلاً انها
مارونية او
مسيحية حصراً.
فمن
أغاني فيروز
الفولكلورية الى العلم والأرزة الى عناق
الصليب
والقرآن... كلها
جرعات ذات
وطنية
فولكلورية
عالية. لقد
فجر اغتيال
الحريري
الوطنية
اللبنانية التي
بدا في لحظة انها
تبددت؛ فكان ان حصل
تعميم لايديولوجية
كانت جزئية
وحظيت
تقليدياً
بقدر من
الهيمنة في الاعلام
والتعليم
والثقافة. هناك
تلاق ووحدة
وطنية مستجدة
على هذا الصعيد.
ومن اللافت ان تحرير
الجنوب عام 2000
لم يحظَ
بلحظات
احتفالية
مؤسسة كما حصل
بعد اغتيال
الحريري.
عن
الجمهور
والشعارات
يظل
السؤال حول
تشابه الجمهورين،
جمهور ساحة
الشهداء
وجمهور ساحة
رياض الصلح، او اختلافهما
قائماً. أتساءل
في البداية هل
تمت ملاحظة
الاختلاف الشديد
في كيفية تشكل
"الشارع" الجديد
الذي برز إثر
اغتيال
الشهيد
الحريري من
قوى شديدة التنوع
وذات تمثيلية
عالية لمجمل الفئات
اللبنانية
التي لم تكن
ممن يحسبون
على "الشوارع"
من قبل،
بينما تتحرك
قوى 8 آذار
بحسب اوامر
حزبية
والتزام
عقائدي جامد؟
بحسب
استطلاع "ستاتيكو"
(1) حول
جمهور
المعتصمين في
ساحة الشهداء:
يبدو ان معظم
المشاركين هم
من المستقلين
وغير
المنتمين الى
الاحزاب،
يتوزعون
طائفياً بشكل
متقارب
يقوّمون تجربتهم
على انها
سمحت باعادة
تقويم ذاتي
ويرون انها
يمكن ان
تشكل مانعا امام
الاقتسام واعادة
التقاتل
ويرون ان
الاعتصام
يؤثر على
قرارات
الزعماء.
ونلاحظ
ان من
يرون ان
التلاقي
واقعي يشكلون
ما نسبته 74,6%
وهناك 13,7%
يبدون
حذرهم
و6,3% يرون
انه مبالغ فيه
و لاجواب 5,4
%. تجدر الاشارة
الى ان
65,9 % من
المستجوبين
يتواجدون
بشكل دائم و24,4 % بصورة
متقطعة و9,8% زوار.
(راجع
الجدولين
المرفقين).
تبدو
الوحدة
الوطنية
المطلب الاساسي
والجوهري
لهذا
الجمهور، كما ان معارضة
النظام الامني السياسي الذي
كان سائدا
تبلغ نسبة 70% من
المستجوبين. بالاضافة الى ان
المواضيع
المتداولة
تشير الى
بحث مواضيع
تأسيسية تتنول
اعادة
صياغة
العلاقة مع
سوريا وبحث
مسألة
الانتماء السياسي
والطائفي ووضعهما
موضع تساؤل. واهم
مخاوفهم
استمرار الاعمال
المخلة بالامن
وعدم اكتمال
الانسحاب
السوري وعدم
الكشف عن الحقيقة
.
يبدو اذن ان
تطلعات
ومطالب هذا
الجمهور
المختلط على
درجة من النضج
والوعي والاحساس
بالمسؤولية
تجاه الوطن
ومستقبله مع ارادة
قوية في
استعادة
الوحدة
الوطنية.
وهنا
لا بد من
ملاحظة ان
الجمهور الآخر،
جمهور 8 آذار،
تنطق باسمه فاعليات
حزبية
تقليدية وعبر
الشعارات
السابقة نفسها،
وان هناك
نوعاً من
الجمود على
الصعيد الايديولوجي
يطبع حركته
بشكل عام.
السؤال
الآخر هو هل
يمكن مقارنة
الجمهور المدني
المختلط
والمتنوع
والسلمي الذي
نزل وتشكل
بطريقة غير
مسبوقة في
تاريخنا
الراهن وبشكل
عفوي
وديموقراطي
ونابذ للعنف
بكل وعي، هل
يمكن مقارنته
إذن مع الجمهور
الذي تحرك في تظاهرة
رياض الصلح
وفقاً لأوامر
قياداته
الحزبية وبنفس
احادي
وفيه قدر من
المنافسة؟
ان جموع
الجماهير
المتظاهرة في
مأتم الحريري
وتلك التي تلت
تشكلت بطريقة فردية
فكل فرد شارك
في مثل هذه التحركات
قام بذلك
انطلاقاً من
حركة فردية
وجرأة واقتناع
ذاتي ورفض؛
خاصة رفض
القبول
بالواقع المهين
من اجل اكتساب
وعي الحاضر
والتأثير في
الواقع. وبما انها سيرورة
تحصل
لمجموعات
كاملة من
اللبنانيين
هذا يجعلها
مختلطة مع
مفهوم القطيع
ويجعل
الظاهرة عصية
على الفهم.
ان سلوك القطيع
هو نوع من
مشاركة
بدائية أو
مشاركة صوفية
لا تجد لها
تفسيراً
عقلانياً وهو
ما يحصل في
الجماعات
المتجانسة أو
على مستوى طائفة
بما هي كذلك
عبر شعور
بالانتماء
غير معقلن.
بينما الانسان
العصري كان
دائماً وحيدا
ومنعزلا ومحتملاً
لهذه الوحدة
وكل خطوة يتخذها
نحو وعي اعلى
واعمق
تبعده عن تلك
الممارسة
التي ترميه في
كنف القطيع،
وتنتزعه من
الانغماس في اللاوعي
الجماعي. ان
كل خطوة الى
الامام
تمثل صراعاً
من اجل التوصل
الى
انتزاع النفس
من الحضن الامومي
الكوني لللاوعي
الجماعي
البدائي حيث
تمكث عامة
غالبية
الجماهير الشعبية.
ان ما يعوّق
فهم ما يحصل
في سياق
الانتفاضة
انه يحصل على
مستوى الفرد
لكن في سياق
جماعي عام، وفي
هذا كل جدة
التغيير
الجذري
الحاصل والذي يربك
بعض المثقفين
اللبنانيين
والعرب. ان
في المشاركة
الواعية في سيرورة
الرفض الجماعية
هذه تعبيراً
عن الابتعاد
عن غريزة
الخوف التي
تحرص الانظمة
المستبدة على
زرعها في
النفوس وهي قد
نجحت لفترة في
ذلك. لكن
عملية التخلص الحاصلة
هذه من الخوف
تولد الوعي. الوعي
الذي يقلق
البعض. ففي
الاشتراك
الواعي
والقرار
الفردي في التظاهر
ابتعاد عن
الطمأنينة التي
يوفرها
الانتماء
الطائفي والجمعي
الصافي المطمئن.
ما
الذي يجمع بين
الجمهورين؟
لا
يعني ذلك عدم
وجود تلاقٍٍ
بين الجمهورين:
بعدما صار
العلم
اللبناني هو
الرمز المعلن
لأي تظاهرة،
نلاحظ ان
طرفي التحرك
يطالبان
بالحرية
والسيادة والاستقلال،
ولهما
نظرة متقاربة الى
النظام
القائم تتعدى مواقفهما
من الوجود
السوري في
لبنان؛ حتى
هذا الوجود نجد
انه غير مقبول
عند فئات
متعددة من
جمهور رياض
الصلح. كذلك
هو مشترك
الطموح الى
وطن حقيقي
وحكم
ديموقراطي
متعدد يكون
فيه اللبنانيون
مواطنين على
قدم المساواة
في الحقوق
والواجبات. ربما
يمكن
الاستنتاج ان طموحات
الطرفين
الحقيقية
متقاربة وان
اختلف
التعبير عنها.
ربما
صار ما تقدمه الديموقرطيات
الليبرالية
التي تتميز
بتحديد
السلطة وضمان
حقوق الافراد
من المسلمات. فهل
هناك من يعترض
على الاعتراف
بأن التقدم الحاصل
وغير القابل
للنقض
والمتمثل
بحماية الافراد
من قبل دولة
القانون هي
فكرة قيّمة
وتجعل من هذا
التطور
مطلباً ضرورياً
على مستوى الانسانية
ككل. يعي
جمهور
الشبيبة
اللبناني ان
الخضوع لسلطة
القانون
وخاصة ضمان
حقوق الانسان
لم تعد قابلة
للمساومة؛
وهي ليست
متعلقة فقط بالاشخاص
ذوي الامتيازات
بل تنطبق على
الجميع، و
تسري على جميع
الرجال
والنساء.
ومن
هنا لم يعد
هناك اي
سبب يبرر الاغتيال
او
العبودية او
القمع الايديولجي،
وتعتدي هذه الافعال
في اي
مكان مورست
فيه على الامن
والحرية
والوعي او
الضمير. وهذا
ما تطالب به معظم فئات
الشباب
اللبناني، من
هنا
الانتفاضة ضد هذا
الاغتيال.
كذلك
لم تعد فكرة العالمثالثية
التي حافظت
على عبادة
الخصوصيات الاتنية
ما منع محاسبة
الانظمة
السياسية
للبلدان
النامية بحسب
المعايير الديموقراطية،
لم تعد مقبولة.
ان ما هو جيد
للعالم
الصناعي جيد ايضا
لعالمنا
النامي في ما
يتعلق بحقوق الانسان،
فلم يعد
مقبولا
الحفاظ على
ممارسات اركيولوجية
بحجة
الخصوصية. فحيث
يسود عدم الحفاظ
على حقوق الافراد
وعدم ضمانها
من قبل الدولة
تسود
العبودية ولدينا
مثال الانظمة
العربية كاكبر
دليل، وما كنا
قد وصلنا اليه
نحن انفسنا.
ماذا
عن المستقبل؟
كثيرا
ما تتردد فكرة
أننا بلد قائم
على الوفاق
ولا احد يمكنه
ان يلغي احداً،
يعبر ذلك عن
التفكير في إطار
حربي، ففي
البلدان
الديموقراطية
لا ضرورة
للتأكيد على ان ليس بامكان
احد إلغاء
الآخر، فذلك
لا يتم الا
باستخدام
العنف.
لكن
آن لنا ان
نقبل بتمثيل
جميع مكونات
الشعب بشكل
ديموقراطي
ومن طريق
صناديق
الاقتراع ولتنوجد
تيارات
مختلفة،
أقلية
وأكثرية تحكم
مداورة من دون
الاضطرار الى
التهديد بالالغاء
او
التخويف منه. وما يدعم
هذه الوجهة
العمل على
بناء مجتمع
ديموقراطي
يتمتع فيه
المواطنون بحقوق
متساوية عبر
تطبيق قوانين
عادلة. لكن في
لبنان هناك
بعض العوائق امام
تحقيق مواطنية
كاملة والاساسي
هو مسألة
الطائفية. ففي
وقت ينص الدستور
اللبناني على ان
اللبنانيين
متساوون أمام
القانون
ويتمتعون
بالحقوق
السياسية
والمدنية من
دون اي
تمييز،
ومتساوون في
الواجبات ايضاً،
ما يفترض
التساوي في
المواطنة
بحسب النص، نجد
ان
اللبنانيين
يعاملون في
المقابل
بصفتهم أعضاء
في طوائف
تتمتع بحقوق
سياسية مختلفة
ومتفاوتة. ذلك
ان
الوصول الى
الوظائف
العامة والادارية
والسياسية
يخضع لتوزيع
طائفي... كذلك
فان قانون
الانتخاب
الموضوع لتنظيم
توزيع مقاعد
مجلس النواب
بين مختلف الطوائف
يجعل الاخيرة
وسائط الزامية
بين المواطن
الفرد
والمجتمع
والدولة
والنظام
السياسي. ويؤدي
هذا الامر
الى اعادة
انتاج
العلاقات
التقليدية
على حساب
الفرد والمواطنة. فاذا
كانت كلمة
مواطن اصبحت
في صلب
الدستور
اللبناني، وفي
صلب التداول
القانوني
والسياسي في
لبنان
باعتبارها
تحيل إلى
المفهوم الذي
أشرنا اليه
سابقا، اي
ذاك الذي انبنى
تاريخيا في اطار دولة
القانون في
القرن
العشرين،
وتطور في
جدلية دائمة مع
المجتمع
المدني، فإن
هذا المفهوم
لا يزال بحاجة
الى
إعادة بلورة
وتطوير.
وهنا
نشير الى ان
المشكلة ليست
في تعدد
الانتماءات او الولاءات،
فهذا أمر
مقبول في
الديموقراطيات
الحديثة لكن
المشكلة تكمن
في الصراع
الذي قد ينشأ
بينها في ظل
ديموقراطية
غير مكتملة،
وفي ظل نظام
حكم كان يحاول
استغلال هذه التناقضات
واظهارها
على انها
غير قابلة للحل
او
للتعايش. وقد
قام الشباب
الذين
تواجدوا في "ساحة
الحرية" انطلاقاً
من 14 آذار
بتمارين على
حل النزاعات
مظهرين ان
تعدد الهويات
أمر طبيعي المهم
ان نعيها
ونقبل بها
ونجعلها
جميعها تحت
سقف الولاء الاولي
والتام
للدولة، وهذا
ما تعنيه المواطنية.
ربما
حان الوقت لانجاز
التطور
المطلوب من
القدرة على
المواءمة بين الانتماء
للاشكال
التقليدية
العشائرية
والعائلية
والدينية او
العرقية الى
الشكل الجديد
للانتماء
للوطن
باعتباره
المكان
الملائم
لتحقيق آمال
مواطنيه بشكل
عادل ومتساو.
وهذا
ما حاوله ميشال
شيحا باكرا
حين دعا الى
الاقرار
بوجود جماعات
ثانوية وسيطة
بين الدولة
والمواطنين،
والتي لولاها
لما امكننا
الكلام عن
التعدد. اهمية
هذا القول انه
يشير بوضوح الى
اعتبار الطوائف
مؤسسات
اجتماعية
بالمعنى الذي
صاغه ماكس
فيبر، اي انها شكل
من اشكال
التنظيم
الاجتماعي
الحديث.
يمكن اذن
اعتبار
الانتماء الى
طائفة او
امتلاك هويات
خاصة أمراً
ممكناً اذا
ظل تحت حدود المواطنية،
اي عدم
طغيان هذا
الانتماء او
تناقضه معها. ما يعني
النقيض الكلي
لفكرة الرعية
والقطيع.
دور
مؤسسات
المجتمع
المدني
إن ما
يسمح بتعميق
فكرة
المواطنة
وقيمها تعزيز مؤسسات
المجتمع
المدني
والمساهمة في
بلورتها وتفعيلها،
ومن المعلوم ان
البدايات الاولى
لمفهوم
المجتمع
المدني
ارتبطت عمليا
بالديموقراطية
وحقوق الانسان
في مواجهة اشكال
التقييد التي
تفرضها
السلطة
المستبدة.
والمجتمع
المدني يتكون
من مجموع
التنظيمات والتشكيلات
والهيئات
الاجتماعية
غير الرسمية. واهم
ما تستند اليه
مقومات
مؤسسات
المجتمع
المدني: انخراط
المشاركين في
هذه
التشكيلات
والتنظيمات
في نشاطات واعمال
ومشاريع تتسم
بطابعها
العام الذي
يسمح بتعزيز
التنمية وترسيخ
مقومات الوطن والمواطنية.
كما
يعني مساهمة
التشكيلات
والتنظيمات
المدنية بادارة
الشأن العام
ومراقبة
السلطة
والضغط عليها الامر الذي
يجعلها وسيطا او احد
القنوات بين
المجتمع
والسلطة
القائمة. ذلك
أن ممارسة مثل
هذه الحقوق هي
الطريق الى
الديموقراطية
وليس العكس،
فالديموقراطية
ليست معطى بل هي
نتيجة
لممارسة
الحقوق؛
فالحق هو
مفهوم مدني
حضاري، وهو
مفهوم قانوني
سياسي ونضالي.
فلا وجود
لحقوق خارج
شرعية
القوانين والانظمة.
وليس هناك من
حقوق بعيداً
عن المواطنية
الفاعلة
والضامنة للمشاركة
في مسارات
اتخاذ القرار
السياسي والقانوني.
فالمواطنية تعني
الممارسة
الكاملة
للحقوق
والواجبات المدنية
والسياسية،
ومن ضمنها
المشاركة في وضع
القوانين
والقواعد
والنظم التي
ترعى هذه الحقوق،
وبدون اي
تمييز عرقي او طائفي
بين جميع
البالغين
المنتمين الى
الوطن الواحد.
ومن هذا
المنطلق تعبر
عن الانسان
ككائن له دور
فاعل في ادارة
الشأن العام.
دور
التربية
إن التربية
المدنية بملء
معناها لا
تعني "إعطاء
درس في
التربية
المدنية" فقط. بل
هي مساهمة في
التربية على
الديموقراطية
عبر إيجاد
علاقات
مؤسسية
ديموقراطية
بين المواطنين
التلاميذ
والمعلمين،
وداخل الأسرة نفسها،باتباع
قواعد معينة: إن
أول ما يتعلمه
الشخص هو
الطاعة، لكن
السؤال
الجوهري هو أن
المواطن ليس
فقط من يطيع
القانون، بل
هو أيضاً من
يشارك مع
الآخرين في
وضعه. من
هنا لا يعود
الأمر
متعلقاً بجعل
البيئة مكاناً
"ديموقراطياً"
بل في خلق "بيئة
لتعلم
الديموقراطية".
لقد
كان من السائد
اعتبار أن
شرطَيْ
الديموقراطية،
منذ مونتسكيو،
هما تنظيم
الدولة من
ناحية، أي
الفصل بين السلطات
التشريعية
والتنفيذية
والقضائية، ومن
ناحية أخرى،
أي من ناحية
المواطن،
اكتساب الفضيلة.
والمبادئ
الأساسية
الأخرى حول
القانون
واضحة: "لا أحد
فوق القانون،
ليس باستطاعة
أحد أن يحصّل
العدالة
بنفسه، ليس باستطاعة
أحد أن يكون
قاضياً
وطرفاً في
الوقت نفسه".
(1) "النهار"
15-3-2005
*أستاذة
جامعية
(نقلا عن "النهار")