25 يونيو 2006

 

 

 

 

هل كل شيء على ما يرام في كردستان؟!

منى فيّاض

 

عندما دخل البارزاني قاعة افتتاح المؤتمر( ) أول ما لفت نظري لباسه، وعندما سألت لمَ يلبس اللباس العسكري في مناسبة كهذه؟ نظر اليّ محدثي بدهشة وقال: هذا ليس لباساً عسكريا هذه ملابس الرجال الكردية التقليدية!

لكنّي لفتّ نظر محدّثي: ألا تجد ان لها طابعاً عسكريا؟ اللون القريب من الالوان الكاكية والخضراء ونوع القماش والقصة التي تقترب كثيرا من لباس العسكريين؟ تأمّل محدّثي في ما أقول ووافقني. وهذا ما جعلني أتساءل متى تم اعتماد هذا الزي الذي يعتبر الان تقليدياً؟ وما هو دور تاريخ الاكراد الحافل بالصراعات والمعارك والنضال من اجل اثبات الحق في الوجود في اعتماد هذا النمط المتقشف والعسكري الطابع الذي يتناقض مع الالوان الباذخة لطبيعة الجبال والسهول الكردية؟

الشيء الآخر الذي يلفت النظر هو غياب أي من الصناعات التقليدية اليدوية والحرفية عن الاسواق والشوارع والمحال التي سبق ان عاينّا عينات منها ذات دقة ورهافة رائعتين. عندما الححت في السؤال قيل لي تجدين كل ذلك في المتحف (حيث معظم ما اشتري منه كان هندي الطابع ونجده في بيروت)! هل يعقل ان يذهب الشخص الى متحف لكي يجد مبتغاه من الصناعات اليدوية والحرفية في بلد زراعي تقليدي؟ بدل ان تكون المدينة مكتظة بغنى منتجات محلية متنوعة؟ أي تاريخ هذا الذي أوجده الاستبداد بحيث قضى على أي رغبة في العمل بعد ان شرّد وقتل وذبح الآلاف بحيث صار هاجس البشر مجرد الحفاظ على العيش واستمرار الحياة؟! من سوف يفكر بعمل يدوي او ابداع في ظل الموت والقتل المخيمين؟ من مآثر الاستبداد إذن القضاء على الانتاج المحلي وتشجيع العولمة باسوأ مظاهرها الاقتصادية!!!

اربيل - او اربائيل اي مدينة الآلهة الاربعة - الممتدة افقيا وذات الطابع المحافظ والقبلي - وصفها مخرج سينمائي كردي يعيش في اوروبا بانها اكبر قرية في العالم - يسكنها اكثر من مليون بحسب البعض وهي تطورت الآن كثيرا عما كانت عليه، مع ذلك تذكرك بالمدن الريفية من اواسط القرن الماضي في لبنان، فالشارع خال معظم الاحيان من النساء، واذا ما تواجدن ففي الاسواق الداخلية. مع ذلك نتجول في الشارع دون ان نتعرض سوى الى نظرات محتشمة ومهذبة. لكن أكثر ما يحزنك الفقر الذي لا يزال قابعا في بلد من اغنى بلدان العالم على صعيد الثروات الطبيعية سواء تعلقت بالمعادن او الماء او التنوع البيئي وخاصة النفط الذي لا تزال منتجاته تباع في عبوات بلاستيكية على الطرقات لنقص محطات البنزين.. هذا الفقر الذي يقطن حتى في قلعة اربيل الاشورية التي لا تزال مطلة، بكل اناقة خطوطها المستقيمة ذات الطابع التجريدي الحداثي، على المدينة وهي القلعة المسكونة الوحيدة في العالم كما قيل، ولكن سكانها يعيشون في فقر مدقع بعد استقلال نسبي منذ بداية التسعينات. هذا الفقر الذي برره البرزاني رئيس الحكومة الكردستانية، بأن الوضع كان اكثر سوءا من قبل وأشار الى 4500 قرية محيت تماما من الخمسة آلاف، واكد اننا سنلاحظ الفرق بعد 3 او 4 سنوات!!

الأمر الذي تدعمه الحركة النشطة للعديد من رجال الاعمال من كل الجنسيات فيهم اللبنانيون الذين يساهمون بورشة إعمار المنطقة عبر مشاريع سكنية تضم مجمعات فيها مئات الفيلات واخرى فيها آلاف الوحدات السكنية، فاينما توجهت تصادف ورش بناء وبيوتاً تجهز وهياكل عمارات.

اربيل تتحول اذن الى مدينة ترانزيت، ومدينة ابنية تشيّد لكي تتكدس فيها البضائع التجارية الاسيوية وتعج بحركة بناء في أوج نشاطها. وتتسابق الشركات العالمية على ايجاد موطئ قدم فيها وفي كردستان عامة الى ان يهدأ الوضع في بغداد.

الطبيعة جميلة وتشبه الطبيعة في لبنان مع فارق الاحجام بالطبع، كل شيء في لبنان مقارنة بكردستان هو "منياتور"، فجبل هيبة سلطان مثلا الذي بدأنا بالصعود اليه بعد تركنا اربيل يمتد الى ما لا نهاية بحيث تهيأ لي انه سلسلة جبال ولس جبلا واحدا وتبدأ الطبيعة بالتغير بعد ان نبتعد عن اربيل بكيلومترات عدة مع الصعود ويبدأ الاخضرار الربيعي وتمتد القرى الصغيرة القليلة ومنها تلك التقليدية التي يبدو انها هناك منذ آلاف السنين ولكن ذلك لا يعني عدم تصدر الدش اصغر الاكواخ.

لا يزال العمران في اوله ففي الحقول تجد بعض الكراسي البلاستيكية الموضوعة بشكل دائري، ما هذه؟ انها المقاهي التي ستمتلئ بعد الظهر بالمتنزهين.

مع ذلك لا تعني العودة من اقامة امتدت لعشرة ايام في اقليم "كردستان" العراقي؛ سوى انك عدت وقد امتلأ رأسك ومخيلتك بحكايات ووجوه وقصص كردية وعربية عراقية كما تمتلئ اسفنجة جافة حتى تطفح عن جنباتها قطرات ماء لم تستطع استيعابها.

عشرة ايام من قصص المعاناة والعذاب، معاناة الاكراد والعرب الذين بقوا ومعاناة الذين ذهبوا وعتاباتهم ومعاناة من سجن ومن عانى فقدان الاحبة والاقارب؛ باختصار معاناة الذاكرة الجريحة والمثقلة والتي لن تبرأ قريبا. ومع كل المتابعة الممكنة التي تكون قد اهتممت بتحصيلها عما جرى خلال كل تلك السنوات الماضية في العراق تكتشف انك لم تعرف سوى القليل القليل وان عدد الجثث والرؤوس وبقايا الاجساد والاشلاء والجماجم التي شاهدتها عبر الصور والافلام التي تسنى لك متابعتها او تخيلتها عبر الروايات سوف يعطيك فكرة عن الكم الهائل من المقاتِل والمجازر والجرائم التي حصلت بحيث يعجز واحدنا عن مجرد تكرار كل ما سمع وعاين؛ وهذا بعض ما تسنى توثيقه من ناحية وذكره من ناحية اخرى، فما هو واقع ما حصل اذن؟

كلنا سمعنا بالطبع عن الانفال التي كانت عبارة عن عمليات تنكيل عرقية استمرت ستة اشهر انتهت مع حلبجة عام 1988 لكن عمليات التنكيل هذه كانت مستمرة منذ العام 1980 (وما قبل ذلك) حتى الوصول الى الانفال حيث ابيد 165 الفا بواسطة غاز الخردل آخرهم ضحايا حلبجة وكان يتم افراغ القرى من سكانها واخذهم الى السماوة ودفنهم. تم تصوير الكثير من القرى الفارغة، فلقد دمرت 4500 قرية من اصل 5 آلاف. عام 1991 كان هناك اكثر من 182 الف مفقود. يروي خالد سليمان الذي ألف كتابا عن حملات الانفال ما عانوه داخل عائلته فإثنان من اعمامه مع اطفالهم اختفوا منذ 1988 ولا يعرف الى اين اخذوهم. كأنني أراهم يقول او كأنهم موجودون كلما عاينت اكتشاف مقبرة جماعية ارى اعمامي واسرهم داخلها لم ادفنهم بعد.

التقيت في مونريال بامرأة نجت بالصدفة كانوا قد اخذوهم هي عمرها 13-14 واخ اصغر عمره 8-9 في سيارة مخصصة للذهاب الى الصحارى تأخروا 3 ساعات وبقوا تحت الشمس في آب في سيارة لا فتحة لها الا من السقف كان عند الاخ الاصغر حمى فكانت ترفعه الى الفتحة لكي يتنفس، في هذه الاثناء صدر عفو عام (نوع من دعاية كان يقوم بها صدام) نجت المجموعة بالصدفة.

أما فيلم "طريق صدام الى الجحيم" ففيه طلب البارزاني من وزير حقوق الانسان الآن الدكتور محمد احسان البحث عن جثث 8 آلاف من اتباعه الذين اعتقلهم صدام عام 1983 (بسبب لحظة غضب!) وقتلهم في اسبوع واحد. وقد تم دفن واعدام مليون و300 الف عراقي 75% منهم اكراد من كردستان....

وفي سجن نقرة السلمان في الصحراء، وهو سجن مفتوح لأن الهرب منه مستحيل إذ لا مكان للجوء اليه ولقد مات كل من دخله وكل النساء اللواتي دخلنه تم اغتصابهن وهو بنيان ضخم كالقلعة احتله السكان الذين فقدوا منازلهم وسكنوا الغرف نفسها التي تم فيها تعذيب اقربائهم وقتلهم، اشار العجوز الى بقع غامقة على البلاط: انها آثار تعذيب ابنائهم وفي السقف تركوا الحبل الذي كان يستخدم للقتل معلقا .. يسكنون مع آثار احبائهم وبقاياهم ولا يريدون التخلي عنها.

خلال هذه الايام المعدوات تمت لي رؤية جماجم سليمة واخرى مهشمة وأخرى لا تزال ربطة قماش عليها، وبقايا ملابس صارت رخوة لبقائها على العظام فقط واحذية او اوراق هوية وصور وجوه وأشياء مبعثرة ذهب اصحابها، لكنهم عادوا الى مسقط رأسهم في صفوف من الاكفان البيضاء تعتليها وجوه أصحابها، وجوه جميلة، وأنواع مختلفة من الوجوه التي كانت تملأ البيوت الفارغة في القرى المهجورة...

هناك في كردستان تعطش كبير عند الاكراد والآشور والسريان الذين يعيشون في الاقليم الكردي من ناحية، والعرب الذين يعيشون في المناطق الاخرى لجعل مواطنيهم العرب وخاصة مثقفيهم يعون حقيقة ما عانوا وحقيقة انه من الممكن زيارة العراق من دون التعرض لخطر الموت بالضرورة وهو شعور سبق لنا ان عاينّاه في لبنان.. هذا الى جانب الشعور بالاجحاف والمرارة اللذين يشكلان الخلفية المتينة لمشاعر العراقيين بمختلف فئاتهم؛ كما تلمس الشعور بالامتنان لمن "خاطر" بحسب المعايير السائدة وجاء لكي يدعمهم ويتواصل معهم.

 

 

من بقي ومن هاجر

 

حفل الجو بمشاهد التلاقي مجددا بعد غيبة سنوات طويلة، وتلخص هدية حسين تدفق المشاعر، عندما وصلت اول مرة الى العراق لم تصدق نفسها وراحت تحضن كل من استقبلوها اخوة واقارب تعرفهم وآخرون لم ترهم أبداً، وفي غمرة احتضاناتها راحت تحتضن امرأة تطلعت اليها مدهوشة! وعرفت ف يما بعد انها ليست من اقاربها لكنها المرأة المسؤولة عن التفتيش... لكن وبعد دفء اللحظات الاولى تحتدم النقاشات التي حفلت بها الجلسات المختلفة؛ نقاشات منفتحة وقدرة على الحوار الحر والحيوي؛ وبمناسبة جلسة ادب المهجر / ادب الداخل جرى نقاش وعتب حول من له احقية ادعاء المعاناة والنضال، الذين بقوا ام الذين هاجروا؟ وماذا انتج الوعي الشقي الذي استمر لاكثر من ثلاثة عقود من تجربة مهجر عاشها المثقف العراقي فهل كونت هذه التجربة أدباً عراقياً فعلاً؟ او ثقافة عراقية؟ هل ان الانتاجات الادبية او الفنية الداخلية متميزة؟ وتحول النقاش الى الشق البديهي الثاني: أدباء الخارج وفنانوه الذين انفصلوا عن الجسم العراقي هل خانوا الجسد العراقي لأنهم هاجروا وتركوا البلد ساحة فارغة للآلة القمعية كي تحصد المثقفين العراقيين كما يقول البعض الذي يشعر ضمنا بعدم تقبل للمثقفين الذين عاشوا تجربتهم الادبية والفنية في الخارج؟ يعبر ذلك عن وجود حالة صراع فكري سياسي فيرى بعض من المتهمين من مثقفي الخارج ان خلف من يطرح هذا الطرح السلبي تجاههم بعض البعثيين. لكن يغلب اتجاه عدم الفصل بين الداخل والخارج، وقد عبّر فاضل سوداني الذي يعيش في الدانمرك عن الموضوع قائلاً: كنت أحلم بصدام اكثر مما أحلم بأمي او ابي الذي قتلوه، اليس لهذه الاحلام التي ارعبتنا من شفاعة؟!

هناك اذن من يرى انه من اجل ثقافة عراقية انسانية يجب ان يكون هناك تطهير في وعي مثقفي الداخل والخارج، التطهير هنا بالمعنى الديني الذي يتخذ صفة التسامح.

لكن هل كل من عاش في الداخل هو متواطئ أيضاً؟ ألم يضطر كل من بقي في العراق تحت ظروف القمع والقهر أن يكتب لمصلحة النظام؟ لكن هناك انواع كتبة، هناك من كتب بشكل حماسي دفاعا عن النظام، لا يتعلق الأمر بهؤلاء بل بالغالبية المطلقة ممن اضطروا للعيش والكتابة؛ يرى البعض انه لو تسنى فعلاً ل 22 مليون عراقي العيش في الخارج لعاشوا لان القمع كان يمكن ان يصل الى أي انسان حتى لعائلة صدام نفسه وقد وصل لصهره. فالعراق عرف حالة قمعية فريدة لا مثيل لها ومن الخطأ رمي اللوم أو الذنب على من بقي او على من ذهب.

ويثير ليث عبد الامير سؤالا مطروحا على الثقافة العربية وعلى الهوية العربية المأزومة: لماذا يكون ذهاب رامبو الى اليمن وارتداؤه الملابس الوطنية وأعلان اسلامه موضع اعجاب وتقدير ويتم الدفاع عنه ولا يحسب كخائن لوطنه - ليس لنا ولا لمواطنيه - لكن يعد خائنا اي عراقي يتأقلم في الخارج ويحمل ملامح الثقافة الاوروبية؟! كيف عاش اذن من هاجر العراق ولماذا فعل ذلك؟

 

 

سيرة مواطن مختلف

بقي في العراق

 

خضير الميري عانى في سن مبكرة من أرق استوجب دخوله المصح لمدة شهر أول مرة، ومن ثم لثلاثة اشهر. هرب بعدها وتسكع وجالس المثقفين في المقاهي. كان مراهقا يتفتح على القراءات الوجودية والفلسفية والادب (كامو وجيد وغوركي دوستويفسكي...) وعاش حياة صعلكة وبوهيمية ومارس الكتابة في الصحف. عندما أخذ صدام السلطة عام 1979 هرب هو المتهم بالشيوعية الى المحافظات: ناصرية، بصرة، كوت وكان في مجموعة، داهمتهم القوات العراقية واعتقلتهم واعيدوا الى البصرة واطلق سراحه لصغر سنه. رجع بقطار الحمولة الى بغداد يرتدي بيجاما ونعال اسفنج وحقيبة مليئة بكتب الفلسفة اليونانية... بغداد كانت هادئة بعد اعتقال الكثيرين.

لكن مشكلته الحقيقية بدأت بعد دخوله الجامعة: "طردت من الجامعة لاني تجاوزت على مدرّسة المنطق، كانت تتكلم عن البرهان الانتولوجي في وجود الله قالت ان الله موجود، وقفت على السبورة وقلت: اذا كان الله موجودا عندي اشكالية، واذا كان غير موجود الاشكالية تصبح اكبر، وبما ان الله وجود غير معقول فلم لا يكون الوجود نفسه غير معقول بما فيه الله". كان له من العمر 17 عاماً بالكاد.

سجلت كلامي حرفيا، وهي عانس وغير جميلة ولا تبتسم، كنت آخذها مزحة - جاء امن الطلبة واعتقلوني - لم يكن عندي حينها فكرة عن أن الأمن العام هو المكان الذي تدخله ولا يعرف بك أي إنسان. كنت عندها مدللا ولم أضرب في حياتي وكنت متغطرساً واكتشفت لأول مرة في حياتي ان الحذاء ليس للبس فقط بل للضرب ايضا. ضربوني ضربا يعادل كل حرماني منه وصدمت صدمة نفسية حقيقية وصرت أبكي كالأطفال وطلبت والدي وصار عندي نوع من هيستيريا. بقيت يومين مكلبجاً لا آكل ولا أشرب وجاءت معلومات فورية اني مريض نفسي ولا اعي ما أقول فأطلق سراحي بكفالة من الأب. هذه المرة حقيقة انا تمارضت - كنت اقرأ عندها في غرفة على السطح، وكان الأهل يرسلون أخي ليشتري لي نبيذاً ومشروباً - لا أعرف كم بقيت ولا أتذكر الزمن، كان يأتي بعض اصدقائي لزيارتي وهم من مرحلتي الدراسية مثل رحيم يوسف الذي صار شاعرا وباسم حميد الذي اعدم في ذلك الحين وهو كان يعمل في اصلاحية في سجن ابو غريب وتعاطف مع سجين وسمح له بالهرب واعدم من اجل ذلك.

بعدها رجعت الى الكلية واعتبروا ان قبولي في الجامعة كان خطأ فاضطررت للتقدم الى كلية الفنون الجميلة لأنها من دون قبول مركزي يختبرون الموهبة فقط. بقيت فيها من 83 الى 86 عامين دراسيين كنت حينها اعمل المستحيل للهرب من العراق لأني مرعوب لأنهم يمكن أن يأخذوني الى الأمن في أي لحظة. حاولت الهرب من خلال تنظيم اسلامي ( عبر تنظيم الدعوة) طلبت الذهاب الى ايران.

اتضح ان هذا التنظيم كان وهميا، كان صدام حسين يعمل تنظيمات وقائية - يعني وهمية - استعملوا الرجل المتدين كطعم بدل إعدامه، استخدموه في تنظيم المتطوعين. كان كل فترة يأخذ 10-15-20 شابا على أساس انهم ذاهبون الى ايران للعمل السياسي وفعلياً يعدمونهم. كنت في احدى هذه الوجبات. ألقي القبض عليّ في 86 ووضعوني مع عناصر حزب الدعوة المحكومة بالاعدام بحسب المادة 156رأ وهي تجيز الاعدام من دون محاكمة. أثناء التعذيب والاستجواب رفضت ان أعطي اعترافاً خطياً، قلت لهم انا عندي اتصال بالرئيس الفرنسي وقلت اني لست من الجالية العراقية وتكلمت الفرنسية - وكنت قد تعلمتها بـ 40 ديناراً - وقلت اني اعمل بالسفارة الفرنسية. لم يصدقوا، اخترعت هذه القصة كي لا أعدم وادعيت الجنون الكامل وصرت أضرب رأسي بالحائط وحتى 89 كنت مجنون الأمن العام البس دشداشة وأطلق لحية طويلة وأحكي مع نفسي. قمت بأطول مسرحية من ممثل واحد مثلت على أرض الواقع. عام 88 انتهت الحرب العراقية - الايرانية وبدأوا يصفون القضايا المتعلقة بالموضوع... حولت الى مستشفى الرشيد العسكري ومررت امام أقوى لجنة عسكرية واقتنعوا اني مجنون، كنت أفكر وأسمع وأعرف كل ما يدور حولي - مرات عدة كنت ادخل السيجارة المشتعلة في فمي وآكل الدخان وحولت الى مستشفى الشماعية، هناك قضيت عاماً آخر في التمثيل لأحصل على قرار يعطيني العفو.

أعطيت في هذه الأثناء 35 صدمة كهربائية من دون بنج، الآن اسناني متساقطة بسبب ذلك. حصلت على قرار: انه مصاب بالذهان ولا يتحمل مسؤولية أفعاله اثناء ارتكابه الحادث وهذا يسقط عني الحكم. أعدت الى الأمن العام، تم بعد ذلك إلغاء القرار. حصلت على هذه الاوراق بعد سقوط النظام. أعادوني الى الشماعية لأقضي فيها بقية حياتي هناك 400 او 500 محكوم تحت هذا الحكم.

طلعت من المستشفى عام 91، عندما ضربت المصحة وهربت مع المجانين وقد صدر عفو عن الهربين وحصلت على دفتر الامراض المؤمنة. كنت امشي في العراق من 91 الى ما قبل سقوط النظام بأربع سنوات، علماً اني عملت في الصحافة. وهو الان مسؤول عن صفحة ثقافية في صحيفة عراقية.

 

 

هذا العراق غريب عنا؟

 

داود امين هو شاعر عراقي حارب الى جانب البشمركة وهاجر من العراق عبر الجبال وبشكل ملحمي، ويعيش الآن في هولندا ويمارس مهنة مرب؛ يحكي عن صورة العراق الذي طالما عرفه من خلال تجربته الشخصية والعائلية يقول: أم جدتي شيعية متزوجة من تركماني، جدتي التي تزوجت من كردي من السليمانية ولدت أمي التي تزوجت من قس آشوري أسلم واصبح شيعيا.

جدتي إذن كانت نصف تركمانية نصف عربية، أمي نصف عربية ربع تركية وربع تركمانية. انا نصف اشوري وتربيت كشيعي عربي شيوعي ولا علاقة لي بكل ذلك

لم أسأل أي يوم ان كنت مسيحيا اشوريا او شيعيا... امي مدفونة في كردستان وابي في الناصرة.

هذا العراق الآن جديد عشت طوال حياتي ولم انتبه من أين أنا. العراق الجميل الذي نعرفه يمتد من البصرة الى زاخو دون تفريق. انا من الناصرة، لا احب ان تكون بغداد الثورة - لا اريد ان تنطمر الأغنية البغدادية على حساب الريفية مع اني احب الغناء الريفي.

لكن عبد القادر رضى يعلّق على ذلك باحثاً عن أصول ما يحصل في ممارسات حزب البعث وصدام، فحتى بداية الثمانينات لم يكن هناك تمييز بين السني والشيعي، يقول: زوجتي من كركوك كردية وتتحدث التركية وانا شيعي من كربلاء واولادي ما كانوا يعرفون ما اذا كنا سنة او شيعة سألتني ابنتي عندما كان عمرها 16-17 عاما، سألتني انا ماذا؟ قلت لها لماذا؟ قالت سالتني المدرسة. ابني يصلي متكتفا (درس الصلاة في كتاب) لم اسأله لماذا يصلي هكذا، المهم ان يصلي. يرى عبد القادر أن كل ما يجري في العراق هو رد فعل للمعاناة التي حصلت منذ تاريخ تأسيس النظام الملكي من العشرينات حتى الآن؛ لنأخذ جانباً واحداً ما يتعلق بالجنسية في حينها، اعتبر من حق كل عراقي - او كل شخص موجود في العراق يوم صدور القانون ويحمل الجنسية العثمانية - ان يحمل الجنسية العراقية. هذا ما خلق المشكلة لوجود فئات عديدة لم تكن تحمل الجنسية العثمانية لكي لا تجند. وتعقدت المشكلة أكثر تحت حكم البعث، بحيث حرمت طائفة كبيرة من العراقيين من الوظائف بسبب أصولهم غير العربية، ووجدت ممارسات جديدة للرعوية: من يتقدم للدراسات العليا تتم العودة الى دائرة الجنسية للتحقق من اصوله العربية او غير العربية. ووجدت مرحلة منع فيها حتى تسجيل المواليد اذا لم تحمل الاسماء العربية. ما يحدث الآن هو ردود فعل لما صار، بحيث يمكن تبرير تصرفاتهم ومطالبتهم بالفيديرالية.

اما عن الصمت عن كل هذه الممارسات فلا بد من السؤال في كل ذلك عن دور اموال النفط الأول والأساسي في اسكات الناس وقمعهم وشرائهم وحملهم على التواطؤ.

 

 

لكن هل كل شيء على ما يرام

في كردستان؟

 

السيمائي أطلق على أربيل لقب أكبر قرية لأن كل اهالي القرى التي دمرت جاء اهلها الى اربيل. لكنه قال أن المشكلة المهمة هي في أن التغيير الذي حصل في العراق لم ينبنِ على تغيير سياسي جديد، الناس البسطاء العاديون غير راضين عن الاوضاع التي يعيشونها في كردستان، اذهبي واحتكي بهم قال لي، هناك فساد اداري وتأخر في تحسين اوضاع الناس. وعندما سئل البرزاني في الحوار المباشر معه عن الكردي صاحب الجنسية النمسوية الذي كتب مقالات نقدية وسجن بسببها، أجاب البارزاني انها مقالات فيها شتائم واهانات وليست تعبيراً عن الرأي، كنت في واشنطن قال والآخرون سجلوا عليه دعوى في المحكمة وحوكم وفق القانون السابق. بعدما رجعت طلبت من القاضي ان يعيد النظر في القرار وطلبت سحب شكاويهم - انا لم اقدم شكوى - طبعا يصعب اطلاق سراحه ومن معه من دون حكم الى ان استطعنا ان نحل الموضوع، اطلاقه تطلب بعض الوقت.

 

هناك اذن حدود مائعة بين ما هو نقد مقبول كحرية رأي ما يعد شتيمة!! وهذا يتطلب تعيين هذه الحدود بوضوح.

 

كذلك يتعين تدعيم حدود الممارسات الخاصة والحق بها؛ ففي اربيل تشكل عين كاوة السريانية والتي فيها ايضا كلدان واشوريون، المتنفس الوحيد في المنطقة ولن انسى وجه حنا يوسف ذي الملامح الخاصة والقريبة من ملامح بعض سكان الجبل عندنا وهو يوصيني ان اعرّف عن منطقة عين كاوة السريانية وان انقل انفتاحها وحريتها وهدوءها وتقدمها وكونها رئة منطقة اربيل المحافظة؛ فالمكان الوحيد للسهر والشرب هو عين كاوة - وفي نادي المعلمين للعائلات واحة اربيل ورئتها. وكلمة للعائلات يعني انه مسموح للنساء ان يدخلن اليه ولكن ذلك لا يعني انك سوف تجد حضورا نسائيا في كل الاوقات بالضرورة. وحرص المواطن السرياني ان يكلمني عن بناته الثلاث وكونهن متعلمات ويتمتعن بمستوى من الحرية والتطور. مع ذلك يشعر السكان الكلدان والأشوريون انهم يخضعون لنوع من التمييز، فهم من جهة مجبرون على تعلم الكردية الآن، اضافة الى العربية التي لا غنى لهم عنها والسريانية كلغتهم الأصلية والانكليزية!! فماذا يتبقى لدراسة المواد الأخرى؟ كما انهم يتعرضون من ناحية اخرى للمضايقة احيانا من قبل بعض السكان المتعصبين الذين يأتون لاعتراض سهراتهم في رأس السنة.

 

 

ماذا عن العائد الآن الى بغداد!

 

قاسم عبد مخرج يعيش في لندن امضى هناك 22 عاما بين تدريس وعمل افلام، عاد بعد سقوط صدام يحاول بناء مدرسة للاخراج والانتاج ويدرس لكنه يشعر بالاحباط من الخطر المحيط في كل مكان: لا تعرف عدوك من صديقك، يقول، ربما البواب الذي يبتسم لك هو من يقوم بخطفك. اخيراً طغى الشعور بالخطر خطف اثنان من سكان البناية التي اعمل فيها. يشعر الفرد انه عار لا دفاع له امام الارهاب، ماذا لديّ؟ مسدس؟ أي نوع من السلاح؟

الارهاب غير واضح - اي شخص يمكنه القيام بعملية ارهابية - الفقر والحاجة تجعل من الخطف والتهديد احدى وسائل تحصيل المال.

فبغداد الآن، كما اخبرني ليث، "ترينها مثل وجه مليء بالتجاعيد لشخص تجاوز المئة سنة وسقطت اسنانه وهرم. البيوت في العراق مهترئة الاسيجة محطمة والناس رجالا ونساء سقطت اسنانهم فعليا لعدم وجود فلوس لطبابة الاسنان. هناك نقص في الغذاء والم في العيون، عيون حزينة مليئة بالحزن.

عندما صورت فيلمي ذهبت من اقصى الجنوب الى اقصى الشمال ومررت بمئات "السيطرات" (الحواجز) وكان كل جندي يقول على جنب حالما ينظر اليّ، رغم اني حلقت رأسي في بغداد وملابسي اشتريتها من بغداد مع ذلك كنت أوقف في كل مرة على صف التفتيش.

ذات يوم كان هناك ضابط ظريف يسألني عن هويتي، اقول له اني عراقي يضحك وبعد ذلك يطمئن. سألته لا تنحرج لكني اريد ان اعرف لماذا توقفوني في كل مرة انا فقط وتسألوني عن هويتي؟ ليش؟

قال شوف حتى أقول لك: باين عليك العافية، احنا باين علينا الضيم والغم والألم وانت لا!!!!!

 

( ) اسبوع المدى الثقافي الذي ضم 420 مدعوا من مختلف البلدان العربية ومن مختلف الاختصاصات الفكرية والثقافية والفنية والذي عقد بين 22 و28 آذار الماضي.

 

منى فياض أستاذة في الجامعة اللبنانية

(النهار)

للتعليق على الموضوع