9 يوليو 2006

 

 

 

 

 

سحر اللعبة وسرّها

منى فياض

 

انشغلت الدولة اللبنانية في التحضير لمباريات كأس العالم مما دعا وزارة الاعلام – وعبر نقاش الموضوع في جلسة حكومية- لتهيئة وتحضير كيفية نقل مباريات المونديال من اجل تأمين حظ المشاهدة لكافة المواطنين كحق شرعي مكتسب وكجزء من تمرن احدى الدول العربية على السماح لمواطنيها بحق التمتع ببعض حقوق الانسان التي كانت مجرد خبر يسمعون انه موجود في بعض الدول الاجنبية. استدعى ذلك نقاش الموضوع على مستوى مجلس الوزراء، ايضا كجزء من الممارسة الديموقراطية؛ ذلك اننا في خضم التغيير الجذري الحاصل في لبنان ومن ضمن تجربة الممارسة الديموقراطية المستعادة – والتي يمكن ان تستفيد الدول العربية الاخرى من  محاولة التمرن على تطبيقها على اراضيها هي ايضا ما دام الامر يتعلق بموضوع كرة قدم ولايتعلق برأي حر او موقف سياسي مثلاٍ- اذن يجب علينا التمرن على ذلك كله عبر تقديم هذه المباريات على الشاشات اللبنانية من اجل خدمة المواطنين ومنع استغلالهم عبر احتكار احدى القنوات لنقل المباريات وايضا لكي لا يتكلف المواطن اللبناني اي تكلفة مادية اضافية، وذلك مساهمة من الحكومة في التخفيف من الازمة المعيشية والركود الاقتصادي. فهذا ايسر من البحث عن حلول جذرية.

اذن من ضمن ممارستنا للديموقراطية والمواطنية والشفافية ربما كانت الرياضة هي تمريننا الممكن الاول الناجح، فعبره يمنع التعدي على حق المواطن اللبناني بالترفيه الرياضي الذي يصبح على ما يبدو احدى اهم ضرورات العيش في العالم العربي الحديث، او ربما العيش الوحيد المتاح بحيث تصبح ضرورة تأمينه تسبق ضرورة تأمين الخبز او الحرية او أي من الضروريات الأخرى سواء اكانت تربوية ام معيشية ام خدماتية ام سواها..

لكن بعد بدء المونديال سألت نفسي عما اذا كان ثمة ضرورة لكل هذا التعب في توفير مشاهدة عادلة ومجانية للجميع طالما اننا نعرف ما يجري في الملاعب من نبض الشارع نفسه وردود فعله الصاخبة في كل مرة تسجل فيها نتيجة ما. وهكذا لاحظت ان باستطاعتي توفير الوقت – الذي قد اصرفه فيما لو رغبت في مشاهدة وتتبع حركة اقدام اللاعبين الدقيقة والتي لا شك يديرها دماغ متفوق - عبر الانتباه الى ذبذبات الشارع ففي كل مرة يربح فيها فريق من الفرق العالمية الاولى المعروفة والمحبوبة يتحول الشارع الى مسرح للالعاب البهلوانية وساحة للمفرقعات النارية وفضاء مستباح للدراجات النارية لكي تغزو الطرقات وتحتلها بهديرها وصخبها ولكي تسرح السيارات وتمرح في هدأة الليالي رافعة اعلام فرقتها المفضلة مطلقة العنان لابواقها تزعق على هواها مختلطة باصوات الشبان وتهليلهم و"جعيرهم" بحيث تجتاحك مرة واحدة مجموعة من الروائح العابقة للبارود المحترق متصاحبة مع ضجيج يصم الآذان لمختلف المركبات ومختلف الاصوات الناشزة التي بامكانهم اصدارها.. وهي صارت تشكل بوصلة لمن لا "ينصمد" امام الشاشات الفضية لكي يعرف نتيجة مباريات ما.. ومثال على ذلك ما حصل منذ يومين، فبعد ان تمنى لي ابني ليلة سعيدة وذهب الى الفراش لينام باكرا، سمعته بعد قليل وقد عاود النهوض وذهب وفتح التلفزيون، لماذا؟ لان اصوات المفرقعات النارية والتصفيق والتهليل وابواق السيارات وضوضاء الدراجات النارية التي ملأت الشوارع منعته من النوم وحركت حشريته لمعرفة نتائج المباراة التي حركت كل هذه الجماهير فحماس الحشود معدي تماما كما علمنا العتيد لوبون ..

في لبنان اذن تعرف ما يجري في الملاعب عن طريق ردة فعل الشارع الفورية ولا تحتاج الى المتابعة بنفسك الا من اجل لذتك الخاصة اذا كانت موظفة في هذا الميدان..

ما الذي يفعله اللبنانيون عبر حماسهم هذا؟ ولماذا كل هذا التعب عفوا الفرح؟ واذا كانت وزارة الاعلام قد حاولت الحفاظ على جيوبهم فهم استغلوا هذا التوفير لكي يبعزقوه على استيراد اعلام ملونة ومنوعة بستة ملايين دولار بحسب احدى الصحف!

مم يهربون اذن مواطني الاعزاء؟ هل من "مبارياتهم السياسية" التي تجري في غرف الحوار المقفلة مرسلة نزاعاتها المشفرة في كل الاتجاهات ؟ ام من مظاهراتهم الشارعية التي تستخدم فيها الالوان المعروفة والمصنفة منذ اكثر من عام والتي قد تحمل خطر التصادم كما حصل في  تمريني 5 شباط وواحد حزيران الوطنيين!!

اما تقسيم خارطة الالوان فصار معروفا :

 اصفر حزب الله

احمر وابيض معارضة 14 آذار

اخضر حركة امل

برتقالي التيار العوني

ازرق للحريري والحقيقة.. وهذه هي الوان الطبيعة الاساسية تقريبا، فهل ثمة من لون للاضافة؟ الاسود؟ هو ايضا جزء من ذخيرة حزب الله اللونية.

هناك من كتب معلقا بخبث: هل تفضل الضاحية الفريق البرازيلي عموما بسبب جمعه اللونين الاصفر والاخضر؟ (الوان امل وحزب الله حزبي الشيعة الحصريين على ما يُزعم) وهل يتوجب على العونيين الانحياز لهولندا اذن؟ وهكذا..

هوس الالوان  غيّر مرجعيته، في تمرين هدنة سياسي آني فرضته اجازة الصيف وقرار تهدئة الاحوال من اجل انقاذ موسم الاصطياف، فمواطنينا يشعرون بالمسؤولية على ما يبدو؛ لذا وجدوا  متنفسا لهم الآن في اعلام البلدان المشاركة في مباريات كأس العالم!

بعد ان طُلب مني الكتابة عن الموضوع - وكنت اقاوم الاهتمام به في نوع من العناد النخبوي والمعادي للتحشد (يعني عدم الانجرار وراء الحشود) - حاولت الاهتمام في معرفة تفضيلات المواطنين اي فريق ولماذا؟

اخبرني  سائق تاكسي: دماغ اللبناني كرة مطاطية منفوخة (لكنه لم يكمل تتقاذفها الارجل!)، في نقد مبطن لتركهم قضيتهم الاساسية الا وهي السعي وراء الحقيقة لانه "مع الحريري ومع الحريري فقط لا غير " ولا يهتم بالرياضة..

سائق آخر قال: احب الفريق البرازيلي، وهذا رأي يتكرر، لانه قوي ولاعب ممتاز  يلعب بفن و"حسب الاصول".. وعندما الححت لمعرفة لماذا ايضا، قال انا علماني ولا دخل للطائفة بخياري في تلميح الى ما يشاع عن تفضيل الضاحية، التي تميل اغلبيتها الى حزب الله، لهذا الفريق. هناك علاقة عاطفية تربط الكثير من اللبنانيين بالفريق البرازيلي: لانه يلعب جيدا وبفن لا يضاهى ولانه عريق ويعرفونه منذ ايام بيليه كما اخبرني احدهم؛ العراقة اذن تضفي سحرها وتأثيرها في التفضيلات.. احدهم اخبرني لدفع تهمة التحزب: انا مع البرازيليين لان امي برازيلية.

حلاقي اخبرني بلهجة معترضة ومستنكرة: انا لا اتابع المباريات ما هذا الجنون؟ تحول حينا الشعبي الى لوحة اعلام ملونة كل طابق له تفضيله وعلمه، تحول حينا الى خليط من الالوان والاعلام، اخبرني اخي الذي يعيش في المانيا نفسها حيث لهم فريقهم الخاص والمباريات تجري على ارضهم نفسها انهم يكتفون بممارسة حياتهم العادية واليومية بهدوء ومن دون هذه الضجة المقامة ومن دون هذه الهستيريا في الاعلان عن انتماء كروي والتحمس له؟

هل المسألة متعلقة بالتعصب؟؟ يعني يحلو للبناني ايجاد موضوع يتعصب ويتحمس له! ولكنها سمة عربية على ما يبدو؟ على الاقل صار لدينا برهان على اننا كعرب نبحث عن موضوع للتعصب، اي موضوع، خاصة في عز هواننا المعمم. وعندما نأخذ اجازة من توظيف هذا الشعور في قضايانا القومية والدينية نوظفه في الرياضة! فكرة ممتازة! هكذا يتسنى بعض الفرح لعبيد الله المؤمنين..

اذن بدا ان اللبنانيين يفضلون عامة:

الفريق البرازيلي الاقوى والاجمل في اللعب؛ قيل لي: لا يمكن ان تكون هناك كأس عالم من دون البرازيل انهم هم اللعبة هم "السحر". وما يعطي المعنى للّعب، هي البرازيل؛ من دونهم لن تعيش اللعبة! البرازيلي لديه فن ومهارات انهم ابطال مع اناقة وجمالية عالية انهم ساحرون هم "سحرة". لذا عندما خسرت البرازيل ذات مرة، قال رئيس الفيفا: لم تخسر البرازيل كأس العالم، ان كأس العالم هي من خسرت البرازيل..

اما الفريق الفرنسي فمحبوب لاسباب عاطفية مزدوجة: هي فرنسا الام الحنون من جهة حتى لمن يشهر عروبته واسلامه ويحارب من اجلهما، كما ان لاعبها الاساسي هو العربي الاصل زين الدين زيدان، فكيف لا نتعصب لها؟ كذلك الفريق الالماني الذي يتحمس له الجمهور اللبناني عامة والكردي خاصة والذي يصرف على اقتناء اعلامه بشكل سخي ومبالغ فيه فجيراني الجدد وهم اكراد غطوا بلكونتهم باكبر كمية من الاعلام الالمانية التي رأيتها مجتمعة على شرفة واحدة. حسنا ان المانيا عريقة في قبولهم فيها وهي البلد الذين يأتون الى لبنان لكي ينتقلون اليها. عندما سألت السائق لماذا تحبذ الالمان؟ متخوفة من ان يكون للامر علاقة بمشاعر العرب الخفية في حبهم لهتلر "قاتل اليهود"، طمأنني وكأنه قرأ افكاري: لا لا ليس بسبب هتلر وموقفه من اليهود، لا دخل لذلك!! حسنا هل بدأ رجل الشارع يفرق بين اليهود والصهاينة؟

اما الفريق السويدي والهولندي فهما محبذان لانهما بلدين يعاملان اللبنانيين بشكل جيد وانساني! والايطالي يحنون اليه منذ كان لديه مستوصفات عندنا ايام الحرب.ها نحن شعوب عاطفية وشريفة تحفظ الود كما لاحظت والجميل ايضا. وماذا عن الارجنتين؟ اوكي لكن بدرجة اقل والانجليز ايضا الحماس لهم ليس كبيرا هذه الايام اما الفريق الاميركي فلم يذكره احدا لا بالخير ولا بالشر كذلك شعوب الشرق الاقصى يتم حذفها بشكل لاواعي من بين خريطة الدول اللاعبة..

وتبرز المشكلة عند بعض اللبنانيين عندما يلعب بلدان مفضَّلان ضد بعضهما البعض فيقعون عندها في حيص بيص! فابن طالبتي الجامعية وهو مراهق، سوف لن يحضر المباراة بين البرازيل وفرنسا لان هذا صعب جدا عليه فهو يحبهما معا؛ البرازيل لانها البرازيل!! وفرنسا هي فرنسا الحنون طبعا اضافة الى  هجرة اسرة عمه اليها وزيارته لهم في العام الماضي واعجابه بالحياة هناك ورغبته في الذهاب اليها والبقاء فيها. لذا سوف يكتفي بمعرفة النتيجة في اليوم التالي. الرياضة اذن ارتبطت بكل ما هو حميم ودخلت الحياة الخاصة للافراد من بابها الواسع وصارت جزءا مما نحبه ونتعلق به عاطفيا لاسباب منوعة كثيرة!!ا

من هنا اقول رب ضارة نافعة، اذ شكل الاستبعاد المبكر للدولتين العربييتين اليتيمتين من المباريات نوع من اقتصاد للمشاعر والانفعالات العربية واللبنانية، كي يستفيدوا في توظيفها في مكان آخر!! فماذا كان سيحصل لو وصل فريق تونس الى التصفيات النهائية ولعب مثلا ضد الفريق البرازيلي؟ اي ازدحام للمشاعر الوجدانية المتناقضة للمواطن اللبناني والعربي بين مشاعره القومية من جهة وعواطفه الجمالية مع التزاماته المعتادة من جهة اخرى! الله نفسه تدخل ولطف بالعرب..

الامر الآخر الذي فاجأني في أزمنة المونديال كان معرفتي ان احد اصدقائي متابع متحمس وبشكل مبالغ لهذه الرياضة، فهو لا يكتفي بالمتابعة الآن وكأي دخيل، لا ،انه يتتبع اخبار المباريات دوريا وعبر السنوات لكي يعرف من سوف يتأهل لدخول المباريات العالمية النهائية وهل يستحق!!  ودهشتي تعود لانحيازي طبعا لآرائي المسبقة وكأني اردت لجميع اصدقائي ان يكون لهم نفس موقفي المتعالي والمتجاهل لهذا المد الجماهيري الكاسح!؟

فهو ينظّر لحبه للكرة ولاستمتاعه بمتابعة دقائقها ويجد انها "لعب" و"حرب" (لا ينقص سوى الحب) ويجد ان الاثنين يحركان فينا مشاعر دفينة وعميقة.. عدا عن ان هذه اللعبة تثير آلام شعوب وعذاباتها وتناقضاتها عند كل من يستبعد ومن يسقط فيها .و.و.ووو...من جهة، فسويسرا – التي هي من اقوى الفرق الاوروبية-  غلبتها اوكرانيا الحديثة الولادة في هذه اللعبة والتي سبقت الكل.

ومن جهة اخرى تشكل المباريات افضل ساحة انتقام للدول الفقيرة والغائبة في الايام العادية عن خريطة اهتمامات الناس او نظرهم، لنأخذ مثلا على ذلك فريق غانا! يقول محدثك: من سمع بهذا الفريق من قبل؟ (لا ينقص سوى ان يقال البلد!) غانا هذه لعبت مع تشيكيا، والتشيك - لمن يعرف - مع البرتغاليين "طاحشين الطحشة العجيبة". نعود لغانا التي لعبت مع تشيكيا وسحبت الارض من تحت اقدام فريقها!! ثم لعبت مع البرازيل وشكلت تحديا جدياً، فمن هم هؤلاء؟ ومتى برزوا؟ ومنذ متى لديهم كرة اصلاً؟ وما هي مقوماتهم؟  وانا بالصدفة كنت اقرأ كتاب احمدو كوروما "الله يفعل ما يشاء" ووجدت انه يشير حرفيا الى "ان غانا بلد يتقن اهله لعبة كرة القدم"!! وفي هذا نسيان انها لعبة الفقراء (التي استولى عليها الاغنياء واحتكرتها الترستات المالية  العالمية) فالتمرن عليها لا يحتاج الا الى كرة واقدام ماهرة وخلاء..المشكلة اذن ان غانا بلد فقير وغير مهم "افريقي يعني" وفجأة صاروا ابطالا معروفين يهددون حتى الفريق البرازيلي معبود الجماهير ومهددين سوق التوظيفات الاقتصادية والمالية العالمية في المونديال فرونالدينو البطل البرازيلي الصاعد يساوي 80 مليون دولار، فالتسعير يطال كل شيء.. من هنا ما يلاحظ ويشاع من انحياز الحكام وربط ذلك بتهديدهم اذا ما اعادوا تجربة المونديال السابقة التي انحازوا فيها الى بلدان نامية يعني بلدان عالم ثالث "مش حرزانة" وليست باب اول. لكن هناك على ما يبدو عدم انصاف وظلم في كثير من الاحيان- فعلى ذمة احمدو كوروما "الله يفعل ما يشاء وليس مضطرا لاقامة العدل دائماً! - في كل لعبة هناك ظلم من الحكام، فالعدالة دائما مهددة بسبب الحظ من ناحية وتعصب الحكام وامكانية خطئهم  من ناحية اخرى. اما عن الحظ فيبدو انه في كل لعبة نجد مقدارا من المهارة والتدريب والموهبة لكن مقدارا مما يسميه البعض الحظ ايضا؛ هي اذن لعبة غاشمة وغير عادلة؛ وعدم عدالتها ترتبط ايضا بالوضع الاقتصادي للبلد اللاعب ففريق نيجيريا – الذي لم يعطوه مصروفه كما يجب- لجأ الى الاضراب وتهديد اللعبة ليحل مشكلته المالية؟ فهل يمكن ان تفوز حقا بلدان على هذا القدر من الفقر وعدم الاهتمام بوضعية لاعبيها؟

وعرفت ان المنتخب اللبناني كان يمكن ان يصل الى النهائيات فهو خسر 0 – 1 تجاه اليابان على ما اظن، انه الحظ السيء – كثر هم من يعتقدون بالحظ خاصة على الملاعب- لكن مع ذلك ان من يريد ان يربح  لاعبيه المباراة عليه ان يجعلهم يعيشون بشكل معقول على الاقل،التقى صديقي بطل لبناني يعرفه وسأله عن احواله فاخبره انه ببعض الاقتصاد ربما يستطيع ان يوفر  ما يكفي لشراء شقة؟ هل هذه بلدان تريد ان تربح وتبلغ النهائيات في المونديال؟؟

مع ذلك ما سر جاذبية هذه اللعبة  التي لا تقاوم؟

هناك بالطبع اللياقة البدنية والجسد الكامل والقوي والطيع والمهارة التي يتمتع بها اللاعبون؛ مهارات تجعلهم يقومون بحركات جمالية رائعة وشبه بهلوانية في الهواء انهم بشر متفوقون وبديعون يركضون ويتعثرون ويقعون وعندما ترى احدهم وقع تقول انه تكسر وتحطمت عظامه لكنه فجأة ينهض كما في الافلام الخيالية – وكأن لا شيء حصل -  وكأنه من المطاط. وهناك بالطبع جهد متزايد لمعرفة الجسد والسيطرة عليه لكنها موهبة ايضا وقدرات نحب ان ننظر اليها لنعجب او نتحسر كجزء من تعلقنا بعادة البصبصة..

بعض المحللين الغربيين جهد في تفسير التهافت الحاصل على هذه الالعاب بايجاد خلفية جنسية –اذ لا يمكن تجاهل فرويد واستبعاده ببساطة في هذه المناسبة الكونية!!- اذن الخلفية الجنسية التي يجب ان تستبطن كل شيء وخاصة كل هذا الركض، هي مسألة الادخال- شيء يدخل في شيء-  وبذل الجهد من اجل ذلك. انها فذلكة تقول ان ما ينتابنا  هنا يصيب شيئا عميقا جدا لدينا والا ما هو السر؟ ربما هي الحرب ايضا؟ حرب من دون كوارثها؟ خسارة وربح وتحويل الحرب الى مجرد لعبة، حرب منياتور، بكل امتدادتها القومية وتضمينها لكافة الصراعات المتعلقة بمختلف انواع المصالح.. فاللعب غير بعيد عن الحروب الحقيقية فنابليون لعب مع غوتزوف الروسي وهتلر مع جوكوف ماذا تظنين؟ يؤكد صديقي! المسألة تصبح نوع من مباريات شخصية بينهم ومن سوف يغلب الآخر من هؤلاء القادة الحربيين. هذا كله لعب فتاريخيا نقول رومل ومونتغومري وهكذا..

وعلى صعيد المونديال يربح من يدخل في الشبكة نقاط اكثر ويتفرج المشاهد على اللعبة باحثا عن دور للحظ؛ فالحظ موجود في كل ذلك يرفرف على الملاعب باستمرار انه هناك مثل طائر بجناحين، طائر الحظ الساحر ! وكل هذا الاتقان لا يعني شيئا من دونه فبضربة حظ يصل احدهم الى الهدف. وهنا سؤال جوهري لا ادري كيف يقبل احدهم الربح عن طريق الحظ؟

لكن مع ذلك للحظ اسماء اخرى في علم الاعصاب والدماغ، اسمه ذكاء وأداء واتقان وعمل تنسيقي دقيق هائل من قبل الدماغ، لأن الحركة هنا – وكل حركة- تتم باستمرار في  محيط متغير، وعلى كل حركة من الحركات ان تتكيف بشكل دائم مع هذا المحيط . كل حركة تخضع للادراك و الملاحظة والفعل الحركي ولا يمكن ان نفصل بين اي من هذه المكونات المتضافرة باستمرار. فمنذ اللحظة التي يدرك فيها دماغ اللاعب موقع الكرة يجب عليه المرور ببناء صورة ذهنية للحركة يمر خلالها الدماغ بوقت – هو جزيئات من الثانية-  يخصصه لبناء استراتيجيات للفعل يدمج فيها خلالها الانباء الحسية الخارجية والداخلية ليعالجها بدقة وسرعة. بمعنى آخر ليس هناك من فعل دون بناء تمثل ذهني معين للعالم، كما انه ليس هناك من حركة قائمة بذاتها ومنقطعة عن كل ما يحيطها. ولا وجود لصورة عن العالم من دون بناء خطة للعمل: هناك رقابة ثلاثية لأعين اللاعب ولذاكرة الحركات المماثلة عنده ولنموذج مسبق لانتقال الكرة المنطلقة الى مرماها، لكي يستطيع تنفيذ حركته الدقيقة التي ينويها. وذلك كله يتم في اجزاء بسيطة من الثانية لكي يختار نوع اللواقط الحسية الضرورية لتشغيلها واحتساب نتائج الفعل الذي سينفذ!! ويسجل عبره الهدف في مرمى الكرة ان اصابة الهدف تشكل نتيجة عمل حاسوبي للدماغ في منتهى الدقة والاتقان وهذا ما يقوم به مثلا لاعب مثل رونالدو بشكل جعله يسجل اعلى نقاط عالمية في التهديف..او زين الدين زيدان وحرام ان نطلق على هذه العمليات المعقدة وفائقة الدقة والاتقان والمهارة المتفوقة مجرد كلمة بسيطة لا تغني عن جوع ولا تفسر شيئا فنقول: انه الحظ!!

من هنا احد جوانب اعجابنا  بهذا اللعب السحري الذي يخلق عالما بديعا من الحركات المثيرة للاعجاب الذي يصل حتى الدهشة.......

 

 

 للتعليق على الموضوع