Middle East Transparent

25 مايو 2004

شفــــاف الشــــرق الأوســــط

 

 

عرض كتاب

 

"فـتح مـلف كـوتـشوك هــانم" لــفـاروق سعد:

الغانية لا تلطخ 'شرف' ثقافتنا !

منى فيّاض

 

 

يبدأ الكتاب (*) مع عرض الكاتب لوصف فلوبير لليلة التي قضاها مع كوتشوك هانم الامر الذي جعل صديقه الشاعر لوي بوييه يكتب قصيدة يصف فيها العالمة وصفا مثيرا للغرام والحنين.

 

وفي الحـكايـة ان القـصة تبدـأ مـع غيـرة الشـاعـرة لويز كوليه, عشيقة الاديب, من هذا الغرام المتأجج في نفس فلوبير والذي اثارته فيه ليلة قضاها مع امرأة شرقية. ولاسكات غيرتها لم يكن منه الا ان جعـلـها (اي المـرأة الشـرقيـة) من دون عاطفة, او ربما يكون سـبـب ذلـك مـرارة مبـهمة من ان تكون من اشعلته هكذا لا تبادله هذه العاطفة!

 

وعلى كل حال يذكر فلوبير في تعريف مشاعره: "اني اشتاق دوما للاحساس بالمرارة في كل شيء, فكم احب ان ارى من يسخر مني مع انتصاري, وكم احب ايضا ان استشعر اليأس في غمرة حماستي".

 

انها مشاعره الرومانسية وغربته! وهو لذلك يبحث عبر رحلاته عن بعض الدعة والتواضع اللذين يشعرهما المسافر في خضم هذا الكون الفسيح الذي يجعله يحس بمدى ضآلته.

 

وقد اتخذ الاستاذ سعد من جملة فلوبير "ان غرور الرجل لا يبلغ مداه الا اذا احس ان الفراق قد خلف وراءه اطيب الذكريات وان شريكته لا تزال عالقة الذهن به تفكر به اكثر مما تفكر بغيره, وانه سيظل في وجدانها حيا", ذريعة كي يستنتج الارتياب في حقيقة ما رواه! ولن يكف المؤلف عن ملاحقة ادق التفاصيل في كتابه وحيوات من اخبرنا عنهم في طول الكتاب وعرضه كي يقنعنا بمثل هذا الاستنتاج:

 

ان كل ذلك محض خيال واختلاق. واجد انها فكرة مفارقة وجذابة, ان يؤلف كتابا مضادا, بمعنى ان يقدم المادة كلها, ما معها وما عليها وباستمتاع سري, من اجل متابعة فكرته التي تقصد الدفاع عن "شرف المرأة العربية" (وسوف نعود الى هذه النقطة لاحقا) ونفي موضوع الكتاب الذي ألفه من اجله. وتصبح الغاية من كتاب "فتح ملف كوتشوك هانم" هو غلق هذا الملف.

 

ان فاروق سعد يكتب بشغف وهذا في ذاته يشد القارئ لمتابعته. ومن ان هدفه منذ البداية التشكيك في الرواية من اصلها, لكن عليّ الاشارة الى انني احببت قراءة هذا الكتاب لهدف مغاير لقد فعلت ذلك وبي رغبة في التعرف على هذه المرأة التي شغلت هذا العدد من الكتّاب الغربيين والعرب الذين ذكرهم, واثارت خيالهم وشغفهم, فهو نقل آراء عمر فاخوري وسارتر وادوار سعيد وغيرهم من الذين قاموا بقراءة عميقة وغنية لسيرتها ولما كتب عنها. سواء أكانت المرأة حقيقية ام لا!

 

لكن يعدّ الكتاب مؤلفا تاريخيا وهو موثق بشكل دقيق ولكنه يمتاز عن الكتب التاريخية العادية في انه انيق وجميل. ففي تصفحه والنظر الى لوحاته وخرائطه والرسوم المرفقة متعة حقيقية. ولقد قرأته كحكاية امرأة - اسطورة: ما هم أكانت حقيقية ام لا? او من هي بالتحديد? او ما الذي كانته او مارسته في حياتها?

 

ففي ص 191 مثلا وصف رائع من كتاب كورتيس لامرأة ما, وسواء أكانت هذه المرأة كوتشوك ام غيرها, فالقارئ سوف يستمتع بالاطلاع على سيرتها, اذ لا بد ان وجدت امرأة ما اثارت هذه العواطف وتسببت بهذه الاسطر البديعة, ولم لا?

 

وفي نظري يكفي انها شكلت مادة تشويقية او ابداعية لعدد من الكتّاب الكبار. الا يبحث الكتاب والشعراء عن ما يثير خيالهم وشغفهم? تماما كما فعل فلوبير على ما يبدو, اذ يُجمع عدد من الباحثين (منهم ادوار سعيد وسارتر وثروت عكاشة ورنا قباني) الى انها النموذج الذي شكل فلوبير على غراره الشخصيات النسائية الشرقية: سالامبو وسالومي وبلقيس! وتصبح مسألة هل هي حقيقة ام لا, ثانوية هنا, فهل شهرزاد حقيقية ام لا? وهل يهمنا التأكد من ذلك حقا? في الحقيقة تجذبني كثيرا فكرة اننا لا نزال نستطيع نسج اساطير تكون حية حتى في ايامنا هذه حيث في الامكان توثيق كل شيء وكل موضوع. ثم ان طريقة القص والتكرار التي اعتمدها توحي بالحكي الشفهي وتشبه هكذا حكايا شهرزاد ولنعدّها اذن احدى حكاياتها.

 

يروي الكاتب عن وصول الشاعرة الفرنسية لويز كوليه الى مصر بحثا عن امرأة شرقية ذائعة الصيت وذلك بعد مرور اكثر من 19 عاما على الرحلة الاولى لفلوبير, مع العلم انه اشار الى انه تركها مريضة في المرة الثانية التي رآها فيها.

 

لكن الاستاذ سعد يحب ان يؤكد, من دولة ادلة طبية سوى استشارة طبيب نسائي, الى انه كان مرضا عابرا او انه احد اعراض العادة الشهرية وغير مميت. اكانت حقيقة اذن? الا نلاحظ انه هنا يدخل اللعبة ويعترف بوجودها (مرضها غير مميت) لكي يعود وينفي هذا الوجود, لأنه لـولا ذلـك لصـادفتـها لويـز كوليه حية! انها مثل لعبة الغميضة".

 

واغراني هذا الامر في لعبة نقاشه, وقد استغربت في الحقيقة عملية البحث هذه التي قامت بها الشاعرة بعد كل هذا الوقت? وقلت في نفسي هل يعقل ان تظل امرأة لها مثل سيرة كوتشوك على قيد الحياة كل هذه الفترة? وهل يعقل ان تظل ذكراها حية (في حال اختفائها) وهي التي تنتمي الى عالم "العوالِم" الذي يقول لنا عنه الكاتب: انهم طائفة تكاد تكون منبوذة ولولا الحاجة اليها في التفاريح لقوطعت مقاطعة تامة. عدا عن ان الرقص يعد من المهن التي يزدريها الجميع وينسبون اليها خصالا وشذوذا يحط من قدرها جميعا (ص57).

 

كما يعترض المؤلف على طريقة كتابة اسم العالمة من إسنا ويفرد فصلا خاصا لتفصيل ذلك ونقاشه لتغير كتابة اسمها: كوتشوك, روشيوك, كوتشوك ارنيم...) ويستدل من هذا الاختلاف انعدام وجودها نفسه. بينما نعلم انه في الترجمة من لغة الى اخرى نادرا ما تتطابق الترجمة بين مؤلفين اثنين وهذا طبيعي, ففي كتاب مترجم كنت اقرأه حديثا للكاتب الصيني داي سيجي الذي نشر روايته بعنوان "بلزاك والخياطة الصينية الصغـيرة" باللغة الفرنسية يشـير الـى ان ترجمة اسـم بلـزاك الـى اللـغة الصـينـية جعلته "با - ار - زا - كه" ويشـير الى سـحر الترجـمة بعد ان يفسر رموز حروف هذا الاسم.

 

لذا ليس من الغريب ان يُكتب اسم غانيتنا بشكل مختلف من لغة الى اخرى (فرنسية وانكليزية) ومن كاتب الى آخر دون ان يكون ذلك برهانا على عدم وجودها.

 

يريدها الكاتب اذن مجهولة, لأن وجودها اهانة للثقافة العربية, ولا يترك ذريعة دون استخدامها متلبسا وضعية المدعي العام ذاهبا في افتراضه الى حد اعتبار تفضيل فلوبير لرقص رجل (حسن البلبيسي) على/ رقصها دليلا على عدم وجودها! وينقل انهم لم يركزوا في وصفهم الا على رقصة النحلة الشهيرة التي يفترض فيها ان الراقصة تعرضت لقرصة نحلة ومن خلال بحثها عنها تقوم بوصلة ستربتيز, وهذا نوع من رقصنا التراثي على ما يبدو? ويمكننا الادعاء اننا اورثناه للغرب!

 

وهو يورد بهذه المناسبة نبذة تاريخية عن الرقص الشرقي الذي مارسته نساء للنساء ورجال للرجال في الدولة العثمانية مشيرا الى العلاقات المثلية, التي تبدو ايضاً من تراثنا وليست مستوردة كما نحب الاعتقاد عادة.

 

وهكذا يغرينا الكتاب من طريقة كتابته بتتبع الصفحات بحثا عن حل لغز برع كثيرا في شد انتباهك اليه مما قد يجعلك تود مناكفته في فرضيته لكثرة ما كرر حججه وشدد عليها.

 

لكني كنت افضّل منه بعض الرحمة وترك الباب موارباً قليلاً لكي نعتقد بوجود هذه المرأة اذا ما احببنا ذلك. شعرت وكأنه احس بالاهانة من وجود امرأة مثلها في تاريخنا ومن تركيز المستشرقين على الجسد الانثوي الشرقي. ولا اعتقد اني اوافقه على هذا الرأي, ان وجود امرأة مثلها لا يضير تاريخنا بشيء, فمن الطبيعي في مجتمع ما وجود جميع نماذج البشر من ارقاها الى احطها, ونحن لسنا مجموعة من القديسين او الابرياء, ثم علمنا الكتاب الكريم: ولا تزر وازرة وزر اخرى...

 

واود التذكير هنـا بكتابات بعض ادياننا العرب مثل الطيب الصالح (موسم الهجرة الى الشمال) وسهيل ادريس (الحي اللاتيني) ونظرتهم الى النساء الغربيات كموضوع جنسي وكأنهن يعشن حياتهن في انتظار الالتقاء بالفحل الشرقي الذي سوف يروي شبقهن ويسيطر عليهن. وهذا ما يسمح للشرقي بالتعويض عن احساسه الدوني تجاه المستعمِر. هل سوف تشعر المرأة الغربية بالاهانة الشخصية عندما تقرأ امثال هذه الكتب? هل سوف تُكتب مؤلفات لدحض "مزاعـم" ادبائـنا في نظرتهم الى المرأة الغربية?

 

لا اعتقد ان المشكلة في نظرة المستشرقين الينا, المشكلة الفعلية هي في شعورنا بالنقص تجاه الغرب بسبب وضعنا المتردي الحقيقي. ان ضعفنا وهشاشتنا هما سبب حساسيتنا.

 

في الحقيقة لفت الكتاب نظري الى عباس الاول عبر دفاعه المتحمس عنه. ففي معرض نقاشه لعرض فلوبير ودوكان في انهما تباهيا بتحقيق انتصار شامل على شرف كبير القوم لأنهما ذكرا ان كوتشوك هانم هي نفسها صفية التي تزوجها عباس الاول, وهو يجعلنا نتحمس كثيرا لعباس الاول هذا لكن كل ذلك على حساب المسكينة كوتشوك هانم.

 

ولفتـتـنـي وجـهة نـظره في معرض حديثنا عن الاصلاح الى حاكم من بلادنا بدا متجـردا ويعـرف التفريـق تمـامـا بـين الاملاك الخاصة للحاكم وتلك التابعة للدولة, اذ يذكر الكاتب ان ابناء محمد علي (عم عباس باشا) نقموا عليه لأنه رفض نقل ما خلفه محمد علي باشا من املاك وقصور ومجوهرات اليهم ونقـل ملكيـتها الـى الدولـة (انظر ص 129).

 

لم تُرضِ السياسة المالية التي اتبعها عباس الاول الدول الاجنبية الطامعة بخيرات مصـر ومـنها ضبـط المـوازنـة وتنظـيم الضـرائـب (فقد كان يتقشف في اموال الدولة وفي صرفها).

 

كما شهد عهده تقدما من ناحية الادارة وتنظيم الموازنة وازدهرت الاوضاع الاقتصـادية وانتـظـمـت اجـور الموظـفين وخـفـف الضـرائـب عن كاهـل المواطنـين...

 

معركته الثانية كانت اقامة خط للسكك الحديد بين الاسكندرية والسويس ورفض هذا المشروع بداية لأنه يؤدي لزيادة حركة الترانزيت وتـنـمية العـلاقات مع اوروبا وبالتالي الى دخول افكار جديدة الى البلاد ويجدها المؤلف مزية لكنها تبدو تدعم وجهة نظر منـتقديـه, فمـوقف معظم المثقفين حتى الآن منه سلبي وينظرون اليه كرجعي غير منفـتح.

 

وعلى كل حال ظلت مسألة اقفاله المدارس والمستشفيات غامضة (ص140)? كما انه نفى الطـهـطاوي الـى السـودان وموقـفه مـنـه غـير مفـهـوم ? (ص 135...)

 

وفي كتاب بيتر مانسفيلد (1) ذكر (ص 112-113): "لقد اشار بعض المؤرخين الاقتصاديين المصريين الى انه لو لم يحدث تدخل اجنبي لكانت مصر قد تمكنت من اصلاح الاخطاء وتحقيق ثورة صناعية حقيقية في اعقاب اوروبا. الا اننا نقول ان الدلائل والبشائر المستقبلية كانت ضعيفة وان الامر كان يستلزم مجيء حاكم ليحل محل محمد علي الطاعن في السن ويكون له فاعلية محمد علي ونشاطه ومقدرته ولكن بشرط ان يكون اكثر استنارة منه...

 

وكان عباس انسانا رجعيا يتسم بالتشاؤم والاكتئاب. وكان يستنكر النفوذ الاجنبي الذي ادخله جده وعمه الى البلاد. ومع ذلك فانه لم يكن انسانا مصريا متحمسا لوطنه. بل لم يكن يحب المصريين. ونظرا الى انه كان يكره الفرنسيين فانه اظهر بعض الارتياح نحو البريطانيين, وسمح لهم ببناء خط سكة الحديد القاهرة - الاسكندرية (وهو اول خط سكة حديد في افريقيا وآسيا) وقد ساعد ذلك على تدعيم طريق بريطانيا الاستعماري المؤدي الى الهند.

 

ولكن عباس كان اساسا شخصا عثمانيا مصابا برهاب الاجانب. وكان يدين بالولاء للسلطان العثماني, ولم تكن لديه اية طموحات استعمارية خاصة به. هذا بالاضافة الى ان معاهدة لندن قد ورد فيها بند ينص على ان تعيين كبار الضباط في جيشه المنخفض العدد ينبغي التصديق عليه بمعرفة اسطنـبـول. ويعـني ذلك ان القيادة العليا في الجيش اصبحت في ايـدي طبـقة الضبـاط الشراكسة الاتراك وليست في ايدي الضباط المصريين.

 

يجعلنا ذلك نستنتج ضرورة اعادة قراءة تاريخنا والعودة الى الوثائق للتفكير في اعادة النظر في هذا التاريخ والعمل الجاد على دراسته بعمق ومن دون آراء مسبقة.

 

 

 

1- تاريخ مصر الحديثة, عن الهيئة المصرية العامة للكتاب - 1995 (صدر في سلسلة بنجوين في العام 1992).

 

فاروق سعد - ملف كوتشوك هانم - مكتبة المعارف 2003.

مواضيع  سابقة:

العرب من وجهة نظر يابانية