Middle East Transparent

10 مايو 2004

شفــــاف الشــــرق الأوســــط

 

العرب من وجهة نظر يابانية

النهار في 28/4/04

منى فياض

 

في خضم هذا المخاض الصعب الذي يمر به عالمنا العربي، وفي إطار انضمام العراق إلى دائرة الاحتلال إسوة بفلسطين ووقوفه على عتبة حرب أهلية مدمرة دون أن تبرز إمكانية وعي أو اتعاظ من تجربة حربنا الأهلية المريرة أو من أي من حروب المنطقة، نجد لزاماً علينا أن نفكر في أوضاعنا في العالم العربي وفي ممارسة أقصى درجات النقد الذاتي من أجل تفعيل عملية الاصلاح التي تبدو أكثر من ملحة، في محاولة للملمة شتات هذه الشعوب الفقيرة والمنقسمة والخاضعة لأنواع القمع والاستغلال الذي توجّها الاحتلال الأميركي للعراق الأمر الذي يعرض المنطقة لخطر النزاعات العرقية والطائفية ما قد يجعل من أمر الاصلاح مرة أخرى أمراً غير مرغوب فيه بسبب أولويات المقاومة للاحتلال. وكأن هناك تعارض فيما بينهما. ما نريد التأكيد عليه في هذا الإطار أن للمقاومة أوجه عدة، والوجه العسكري ليس أهمها وربما تكون مقاومة الذات وتقويم اعوجاجها أهم منه، وهي إذا لم تسبق المقاومة العسكرية، فعلى الأقل يجب أن تواكبها.

 

ومن هذا المنظار وبهدف الإضاءة على وضعنا ارتأيت العودة إلى كتاب  صدر حديثاً ولم يلفت  الانتباه بشكل كاف، وهو كتاب الياباني نوتوهارا .

 

يكتب نوتوهارا بعد أن تعرف على العالم العربي منذ العام 1974 وزار العديد من بلدانه وأقام فيها لفترات، انطباعاته المحايدة عن هذا العالم. من الملفت ان أول ما يقوله عن عالمنا العربي:" ان الناس في شوارع المدن العربية غير سعداء، ويعبر صمتهم عن صرخة تخبر عن نفسها بوضوح". وهو يعيد هذا الشعور إلى غياب العدالة الاجتماعية،لأنها أول ما يقفز الى النظر. وهذا ما يؤدي بنظره الى الفوضى. كما أنه يلاحظ كثرة استعمال العرب لكلمة ديموقراطية، وهذا لا يعبر سوى عن شيء واحد، أي عكسها تماماً، ألا وهو القمع وغياب الديموقراطية. ولهذا القمع وجوه عدة: منع الكتب، غياب حرية الرأي وحرية الكلام وتفشي ظاهرة سجناء الرأي.

 

ويشير نوتوهارا، كمراقب أجنبي، أن العالم العربي ينشغل بفكرة النمط الواحد، على غرار الحاكم الواحد. لذلك يحاول الناس ان يوحدوا اشكال ملابسهم وبيوتهم وآرائهم. وتحت هذه الظروف تذوب استقلالية الفرد وخصوصيته واختلافه عن الآخرين. يغيب مفهوم المواطن الفرد وتحل محله فكرة الجماعة المتشابهة المطيعة للنظام السائد. وعندما تغيب استقلالية الفرد وقيمته كإنسان يغيب أيضاً الوعي بالمسؤولية: عن الممتلكات العامة مثل الحدائق او الشوارع او مناهل المياه ووسائل النقل الحكومية والغابات، باختصار كل ما هو عام، والتي تتعرض للنهب والتحطيم عند كل مناسبة.

 

ويجد نوتوهارا أن الناس هنا لا يكترثون او يشعرون بأي مسؤولية تجاه السجناء السياسيين، الأفراد الشجعان  الذين ضحوا من أجل الشعب، ويتصرفون مع قضية السجين السياسي على أنها قضية فردية وعلى أسرة السجين وحدها ان تواجه اعباءها. وفي هذا برأيه أخطر مظاهر عدم الشعور بالمسؤولية. يعطي مثلاً عن زياراته الخمس لتدمر (سوريا) دون ان يعرف ان فيها سجناً مشهوراً وهو حتى الآن لا يعرف موقع هذا السجن بسبب الخوف الذي يحيط به بالطبع. فعند السؤال عن سجن ما يخاف الشخص ويهرب، كأن الأمر يتعلق بسؤال عن ممنوع او محرم.

 

الخوف الذي يمنع المواطن العادي من كشف حقائق حياته الملموسة. وهكذا تضيع الحقيقة وتذهب الى المقابر مع اصحابها.

 

الناس في العالم العربي "يعيشون فقط"، بسبب خيبة آمالهم وبسبب الاحساس باللاجدوى او اليأس الكامل، وعدم الايمان بفائدة اي عمل سياسي.

 

في العالم العربي يستنتج الشخص أفكاره من خارجه، بينما في اليابان يستنتج الناس أفكارهم من الوقائع الملموسة التي يعيشونها كل يوم، وهو يتابع "في مجتمع مثل مجتمعنا نضيف حقائق جديدة، بينما يكتفي العالم العربي باستعادة الحقائق التي كان قد اكتشفها في الماضي البعيد. والأفراد العرب الذين يتعاملون مع الوقائع والحقائق الجديدة يظلون أفراداً فقط ولا يشكلون تياراً اجتماعياً يؤثر في حياة الناس.

 

يشير هنا الى التجربة اليابانية التي عرفت أيضاً سيطرة العسكر على الامبراطور والشعب وقادوا البلاد الى حروب مجنونة ضد الدول المجاورة انتهت الى تدمير اليابان. وتعلم الشعب الياباني ان القمع يؤدي الى تدمير الثروة الوطنية ويقتل الابرياء ويؤدي الى انحراف السلطة.

 

"لكن اليابانيون وعوا اخطاءهم وعملوا على تصحيحها وتطلب ذلك سنوات طويلة وتضحيات كبيرة، وعوا ان عليهم القيام بالنقد الذاتي قبل كل شيء وبقوة. الانسان بحاجة الى النقد من الخارج ومن الداخل مهما كان موقفه او وظيفته الاجتماعية او الهيئة التي ينمتي اليها، ان غياب النقد يؤدي الى الانحطاط حتى الحضيض".

 

وهو يكتب:" كثيراً ما ووجهت بهذا السؤال في العالم العربي: لقد ضربتكم الولايات المتحدة الاميركية بالقنابل الذرية فلماذا تتعاملون معها؟ ينتظر العرب عموماً موقفاً عدائياً عميقاً من اليابانين تجاه الولايات المتحدة الاميركية. ولكن طرح المسألة على هذا النحو لا يؤدي الى شيء، علينا نحن اليابانيين  ان نعي اخطاءنا من الحرب العالمية الثانية اولاً ثم ان نصحح هذه الاخطاء ثانياً. وأخيراً علينا ان نتخلص من الأسباب التي أدت إلى القمع في اليابان وخارجها. إذن المشكلة ليست في ان نكره أميركا ام لا، المشكلة في ان نعرف دورنا بصورة صحيحة ثم أن نمارس نقداً ذاتياً من دون مجاملة لانفسنا. اما المشاعر وحدها فهي مسألة شخصية محدودة لا تصنع مستقبلاً".

 

 في اليابان، بعد الحرب العالمية الثانية، "مد الياباني يده الى الاميركي يطلب مادة متوفرة عند الآخر. وقتئذ كان شعورنا غير واضح، فمن جهة لم يكن عاراً علينا أن نأخذ ممن يملكون ولكن من جهة ثانية، لم تكف نفوسنا عن الاضطراب والتوتر الداخلي، والشعور بالحرج. عرفنا معنى ان لا نملك ومعنى الصدام بين ثقافتين او الاحتكاك بينهما".

 

يشير المؤلف إلى الكاتب المصري يوسف إدريس الذي تعرف على المجتمع الياباني وكان يتساءل دائماً عن سر نهضة اليابان وتحولها من بلد صغير معزول الى قوة صناعية واقتصادية، الى أن حدث مرة أن راقب عاملاً فيما هو عائد الى فندقه في منتصف الليل يعمل وحيداً وعندما راقبه وجده يعمل بجد ومثابرة من دون مراقبة من أحد وكأنه يعمل على شيء يملكه هو نفسه. عندئذ عرف سر نهضة اليابان، انها الشعور بالمسؤولية النابعة من الداخل من دون رقابة ولا قسر. إنه الضمير أكان مصدره دينياً أو أخلاقياً. وعندما يتصرف شعب بكامله على هذه الشاكلة عندها يمكنه ان يحقق ما حققته اليابان. ومن الأمور التي لفتت نظره في مجتمعاتنا، شيوع الوسخ في الشوارع، مع أننا نعد أنفسنا من أنظف شعوب العالم ونتباهى أن صلاتنا تدعونا للنظافة! فهل يقتصر مفهوم النظافة على الشخص فقط والمنزل؟ لقد دهش نوتوهارا مرة عندما زار منزل صديق له في منطقة تعاني من سوء نظافة شديد كيف ان الشقة كانت كأنها تنتمي الى عالم آخر. الناس هنا لا تحافظ على كل ما هو ملكية عامة، وكأن الفرد ينتقم من السلطة القمعية بتدمير ممتلكات وطنه بالذات.

وتدعم دراسة الزغبي  هذه الملاحظات، فيظهر  لدى الكبار في السن من العرب (ص30) توجهاً أوضح لتعليم اطفالهم احترام كبار السن، والحاجة الى تحصيل حياة افضل واحترام الذات. بينما تتأخر قيم أخرى مثل المسؤولية والاعتماد على الذات وتقبل الاخرين (وهي التي وضعها عرب أميركا في أعلى سلم خياراتهم). وتبين هذه الدراسة"  إعطاء أهمية كبيرة للدين في كل من الأردن والسعودية والمغرب ومصر، أي أكثرية العرب! فيجد المصريون والسعوديون ان تعليم الدين يعد أهمّ قيمة لتعليم الاطفال. كذلك اختار المغاربة تعليم الدين والطاعة ليمنحوهما أعلى درجات، وكانت قيمة احترام الذات من أدناها". والمشكلة ليست في تعليم الدين بالطبع، لكن سؤالنا متى لم يكن تعليم الدين أولوية في عالمنا؟ وما دام الأمر كذلك فلماذا نحن على هذه الحال؟ وأين التقوى والحس بالمسؤولية والضمير الديني بينما يتفشى الفساد إلى هذه الدرجات المخيفة؟ المشكلة إذن كيف يتم تعليم الدين وعلى أي قيم دينية يتم التركيز؟

 

ومن المشاكل التي نعاني منها، ويشير إليها نوتوهارا  ما يسميه الموظف المتكبر، يكتب:" يواجه الياباني في المطار الشعور بالاهانة امام طريقة تعامل الموظفين مع المسافرين وإيقافهم بأرتال عشوائية وتفضيلهم السماح لبعض الشخصيات المهمة بالمرور أمام نظر جميع المسافرين". وهذا الأمر لا يواجه الياباني فقط بل يواجه كل مواطن عربي غير مدعوم بواسطة أو معرفة موظف ما. كذلك يندهش الأجنبي من مسألة الغش المتفشية في بلادنا، ويشير إلى غش موظفة بنك له في تبديل العملة، فهو لم يفكر بعد النقود عندما استلمها واستغرب ان تسرقه وهي كانت لطيفة معه ومبتسمة!!

 

ومرة طلب منه موظف مبلغاً من المال في مطار عربي، فاعطاه إياه معتقداً أنه رسم، لكن نقاش زميل للموظف وتوبيخه له جعله يعتقد ان في الأمر سوء استخدام وظيفة. لكن بعد ذلك ترك الموظف زميله ومشى دون أن يفعل أي شيء. إنه الصمت المتواطئ (لا دخل لي) الذي يؤدي إلى غياب أي رقابة وإطلاق الحرية للفاسدين. لذا لا نعود ندهش عندما يسرد لنا كيف عرض عليه موظف متحف شراء قطع آثار قديمة. لكنه كياباني لم يستطع ان يصدق كيف ان موظفاً اختاره وطنه ليحرس آثاره يخون وطنه وشرفه  وتاريخه ويبيع آثاراً تركها أجداده منذ آلاف السنين!

 

ويروي عن لسان صديق له ياباني وله وجه مبتسم كيف أنه لمّا مرّ أمام منزل مسؤول صفعه الحارس ظناً منه ربما انه يضحك عليه. موظف السفارة  اليابانية قال له "أشكر ربك أنه اكتفى بصفعك"!. يرى في ذلك تواطؤ غير مبرر ولا يليق ببعثة اجنبية. واكثر ما يثير دهشة كاتبنا الياباني اعتياده على أن رئيس الوزراء الياباني يتغير كل سنتين لمنع أي شكل من أشكال الاستبداد، فالحكم الطويل يعلم الحاكم القمع، بينما في البلاد العربية يظل الحاكم حاكماً مدى الحياة! الحاكم العربي يتمتع بامتيازات واستثناءات ما قبل العصور الحديثة. ومهما كان الفرد استثنائياً فإن مهام قيادة الدولة أوسع من أي فرد استثنائي. فالحاكم عنده مهمة اكبر من الانسان العادي بينما قدرته محدودة. الفرد الذي يفشل في تحمل مسؤوليته يغيّر ويحاسب. والحاكم مثله مثل أي مواطن آخر، فهناك مساواة فعلية أمام القانون ويعطي مثال سجن رئيس وزراء ياباني واعتقاله كأي مواطن ياباني عندما اكتشف ضلوعه في فضيحة لوكهيد. لا شيء يحمي الفرد إذا كان مذنباً. مع ذلك نجد أن ابنته الآن عضوة بارزة في البرلمان، يعني لم يحل ذنب والدها في وصولها بكفاءتها الى ما هي عليه.

 

إن أكثر ما أثار دهشته كيف أن الحاكم العربي يخاطب مواطنيه:" بيا ابنائي وبناتي! الأمر الذي يعطيه صفة القداسة وواجب طاعته. وهو بهذا يضع نفسه فوق الشعب وفوق النظام والقانون، ويحل محل الأب ويتخذ صفة الإله الصغير.

 

أما عن تعاملنا مع أطفالنا، فهو يشير إلى وجود الاعتداء الجنسي الذي لم يفصله نظراً لحساسيتنا تجاه الموضع واكتفى بلفت النظر إلى مسألة ترك الأولاد في الشوارع من دون رقابة الأهل. لا يمكن في فرنسا أو أي بلد مماثل رؤية أولاد في الشارع من دون مرافقة بالغين. ناهيك عن شيوع استعمال الضرب (ص 40) الضرب في المدارس وسماع بكاء الأطفال.

 

ربما يجعلنا ذلك نتأمل في أنفسنا ونقوم بنقدها بشكل جذري كي نعرف مكامن الخلل في قيمنا وسلوكنا ونظامنا التربوي لكي نحاول اللحاق بمتطلبات عصر لن يقف منتظراً لنا أن نجهز لدخوله. فليس كل الحق على الأمريكان.