16 مايو 2007

 

 

 

 

 

رياح الأنوثة تهب على الفدرالية الدولية لرابطات حقوق الإنسان

د. إقبال الغربي

 

 

لأول مرة منذ تأسيس الفيدرالية الدولية لرابطات حقوق الإنسان وقع أخيرا انتخاب السيدة سهير بلحسن لرئاستها.

و تتمتع هذه المنظمة العريقة بوزن و بثقل كبيران ضمن المجتمع المدني العالمي وهي تضم 141 رابطة للدفاع عن حقوق الإنسان تنتمي إلى ما يزيد عن 100 دولة من جميع أنحاء العالم.

وقد تأسست الفدرالية سنة 1922 و تتتالى على إدارتها رؤساء كلهم فرنسيون و لكن في مؤتمر الدار البيضاء سنة 2000 و لأول مرة في تاريخها انتخب لها رئيس إفريقي  هو الأستاذ المحامي سيديكي كابا و استمر هذا التوجه الحديث بانتخاب امرأة  تونسية ذات ثقافة عربية و  إسلامية  شغلت منصب نائب رئيس الفدرالية لعدة سنوات .

و تهتم الفدرالية بالدفاع عن الحقوق المدنية و السياسية و أيضا  عن الحقوق الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و قد خاضت نضالات ضد بعض الشركات المتعددة الجنسية للدفاع عن مصالح الطبقة العاملة  أو لحماية البيئة و المحيط و ذلك تأكيدا منها على مبدأ تكامل حقوق الإنسان   .                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                 .و لا شك أن انتخاب امرأة على رأس  الفيدرالية سينعكس ايجابيا على النضالات النسوية التي تخوضها نساء العالم  من اجل المساواة بين الجنسين و ضد التمييز وضد العقوبات البدنية و خاصة حكم الرجم البغيض و للحد من جرائم الشرف في العالم العربي .

و تعتبر اليوم حقوق الإنسان عقدا اجتماعيا عالميا يحدد علاقة الحاكم بالمحكوم بل إن "شريعة حقوق الإنسان " هي اليوم المعيار الكوني و الخط الأحمر الذي لا يمكن لأي إرادة شعبية أن تتخطاه دون أن تفقد شرعيتها الدولية. إن احترام هذه الحقوق هو الذي يعطي للديمقراطية شرعيتها النهائية و يحمي في نفس الوقت سيادة الشعب من الانزلاق في طغيان الأغلبية.   و بتعبير آخر  إن حقوق الإنسان يفترض منها أن تكون بمثابة سد شرعي يحول دون  دوس أي إرادة عامة  حقيقية أو افتراضية  لفضاء الحريات الفردية .

فقد علمتنا التجارب التاريخية الأليمة أن الطريق إلى جهنم مرصع بالنوايا الحسنة و أن  الأحلام الوردية أن الديمقراطية يمكن أن تفرز أعداء الديمقراطية .                                                                                                                                                                                                                                                           ذلك ان الدساتير العادلة لا تعرف نفسها بنفسها. و لهذه الأسباب تمثل حقوق الإنسان حاجزا أخلاقيا و قانونيا ضد الانحرافات الشمولية لإرادة الغوغاء. و بالتالي يجب أن يكون تطابق أي سلطة   مع الميثاق العالمي لحقوق الإنسان هو شرط الاعتراف بها و تبنيها من طرف المجتمع الدولي و أيضا الشهادة لها بأنها عادلة و بأنها ديمقراطية فعلا لا قولا.

و قد تأسست فكرة حقوق الإنسان من مقولات بعض الفلاسفة أمثال جون لوك (1632-1704)  الذي أكد على الحقوق الطبيعية للإنسان أي حقه في الحياة و الحرية و المساواة و الملكية . و قد تأثر به المفكر الفرنسي منتسكيو (1679- 1755) الذي أكد على فصل السلطات الذي يوفر أسباب الانتقال من طور الرعية إلى طور المواطنة كما ندد هذا الأخير بالاستعمار و بالعبودية إذ اعتبر الإنسان قيمة مطلقة مهما كان جنسه أو لونه أو دينه . اما الفيلسوف الفرنسي فولتير (1694-1778) فقد كرس حياته للنضال من اجل الحرية و التسامح و ضد الاستبداد السياسي و الديني المنافي لحقوق الإنسان . و قد جسد جون جاك روسو (1712-1778)  فكرة حقوق الإنسان في مقولة العقد الاجتماعي .

واعتبر كانط (1724-1804)  حقوق الإنسان غاية في حد ذاتها أساسها القيم الأخلاقية التي تقوم عليها المجتمعات  واعتبر هذه الحقوق  لا معطى فطرى و طبيعي بل مكسبا و بناءا يجسد انتقال البشرية من الهمجية إلى الحضارة و من البربرية إلى الثقافة  .

و اليوم يمثل الميثاق العالمي لحقوق الإنسان مكسبا كونيا لجميع البشرية  و ذلك  بقطع النظر عن نشأته الاروبية أو الغربية . فهو بالرغم من انتماءه الجغرافي  يمثل في جوهره يجسد انعتاقا من رق الروابط العتيقة التي سادت الثقافة الغربية و يمثل  قطيعة شاملة مع التراث الغربي و مع تقاليده و مؤسساته التقليدية  . طبعا ترسيخس الكرامة الإنسانية  العابرة للخصوصيات الدينية و الثقافية  فهو يؤكد على حق الإنسان في الحياة و سلامة شخصه و كذلك في حرية التملك و الرأي و الفكر و التعبير و التجمع و التنقل و الضمير و المعتقد و العمل و على ضرورة حمايته من الإيقاف التعسفي و التعذيب و ضمان قضاء عادل له يقوم على أساس أن كل متهم يعتبر بريئا إلى أن تثبت إدانته قانونيا  بمحاكمة علنية تؤمن له فيها الضمانات الضرورية للدفاع عنه . طبعا  ترسيخ حقوق الإنسان مثله مثل الحداثة مشروع لم يكتمل بعد فهو مسار تاريخي معقد و متشعب  يقترح مجتمع إنساني بديل متحرر من الرعب .

 

ahikbal@yahoo.fr

 

للتعلبق على الموضوع