12 مايو 2007

 

 

 

 

 

 

 

العرب بين ذكرى النكسة... وذكرى التقسيم

حازم صاغية

 

يشهد هذا العام ذكريين مريرتين في التاريخ العربيّ الحديث: الذكرى الأربعين لحرب يونيو (حزيران) 1967 التي سمّاها الإعلام الغربي "حرب الأيّام الستة"، تصويراً لحسمها الإسرائيليّ السريع، والذكرى الستين لصدور قرار تقسيم فلسطين في نوفمبر 1947، والذي ما لبث أن مهّد لقيام دولة إسرائيل.

 

والحال أن هزيمة 1967، على ما درجت تسميتها في العالم العربيّ، تحتلّ موقعاً خاصّاً جدّاً، إن لم يكن الموقع الأكثر خصوصيّة في تواريخ ما بعد الاستقلالات العربيّة في أربعينيات القرن الماضي وخمسيناته. ذاك أنها حدث شامل تجتمع فيه الأبعاد السياسيّة والثقافيّة، الاقتصاديّة وطبعاً العسكريّة، على نحو غير مسبوق، بحيث يصير من الممكن التعامل معها بوصفها الحدث الحياتيّ العربيّ الأوّل، أو الحدث "الحضاريّ" الأهمّ على ما يحلو للبعض القول.

 

صحيح أن هزيمة 1948 كانت ضخمة بكل المعاني والمقاييس، إذ نشأت الدولة العبريّة بموجبها. إلا أنها، بالمقارنة مع هزيمة 1967، مثل الاستهلال بالمقارنة مع التتويج، وهو تتويج لم يجد حتى اليوم الحدث المقابل الذي يناظره ويعوّضه، بما في ذلك حرب أكتوبر 1973 التي تحايلت الأنظمة العربيّة على معناها الفعليّ، فقلبتها نصراً علّها بهذا توحي بنجاحها في الردّ على ما حصل في 1967.

 

ومن سمات تلك الهزيمة الشاملة أنها، تحديداً، كشفت طبيعة الأنظمة التي قامت، تعريفاً، على "شرعيّة" تحرير فلسطين بوصفها جزءاً من "شرعيّة" راديكاليّة أعرض تندرج فيها مقاومة الاستعمار وإنهاء الأنظمة الموصوفة بالرجعيّة وإطلاق التحويل الاجتماعيّ لمصلحة الطبقات المسحوقة. وهذه تحديداً كانت حال النظامين المصريّ- الناصريّ والسوريّ- البعثيّ، من غير أن ننسى أن جمال عبدالناصر كان قد حفر لنفسه موقعاً في العاطفة والمخيّلة العربيّتين لم يبلغ إليه أحد قبله أو بعده. فكيف حين نضيف أن النظامين العسكريّين هذين ضُربا في جيشيهما ضربة لا يُحسد عليها من يزعم إعداد جيش يُبنى للتحرير و"الثأر" من قيام دولة إسرائيل. وربّما جسّد موت المشير عبدالحكيم عامر، انتحاراً كان أم قتلاً، التكثيف الرمزيّ لما انتهت إليه تلك المؤسّسة التي عُلّقت عليها الآمال العريضة وأُنفق عليها ما أُنفق فيما عانت الشعوب وطأة قمعها وتحكُّمها.

 

وفي الآن نفسه حصلت الهزيمة المدوّية في ظلّ لحظة من الاستقطاب الدوليّ، الغربيّ- السوفييتيّ، كانت الناصريّة فيها تجسّد أقصى حدود الاستفادة من ذاك الاستقطاب. ولا بأس بالتذكير بحقيقة أن عقد الستينيات، خصوصاً أواسطه، كان الحقبة التي شهدت تحوّل معظم الكرة الأرضيّة إلى ساحات مواجهة بين العملاقين الغربيّ والشرقيّ. فبعدما اقتصر الصراع في الخمسينيات على حدود ألمانيا وكوريا، امتدت الرقعة، في العقد التالي، من كوبا إلى أفريقيا، ومن فيتنام إلى اليونان. وفي المعنى هذا يجوز القول إن حصول ما حصل في 1967 إنما نمَّ عن استحالة الانتصار ولو كان بلدٌ كالاتّحاد السوفييتيّ في عداد "الأصدقاء"، وحتى حين يكون هذا البلد "الصديق" في مزاج تصادميّ مع الولايات المتّحدة والنفوذ الغربيّ.

 

لكن هزيمة 1967، مع هذا، لم تكن فقط لحظة انكشاف قدرة الأنظمة العربيّة وجيوشها وبيروقراطيّاتها المترهّلة، بل كانت أيضاً بداية انكشاف قدرة المجتمعات العربيّة نفسها، بثقافتها ونُخبها وتراكيبها القديم منها والجديد. فبُعيد الهزيمة، وهذا ربّما كان الأخطر على المدى الأبعد، بوشر الانتقال السريع من اللفظيّة القوميّة الجامعة كما رمزت إليها الناصريّة، وبدرجة أقلّ البعث، إلى التصدّع الأهليّ الصريح، على ما دلّت حرب الأردن بين الشرق أردنيّين والفلسطينيّين في 1970 و1971، ثم الحرب الأهليّة- الإقليميّة اللبنانيّة- اللبنانيّة واللبنانيّة- الفلسطينيّة ابتداء من 1975. أما سوريّا فكانت الهزيمة بمثابة المدخل الذي عثر عليه النظام البعثيّ من أجل توطيد الحكم الفرديّ الذي وصل أواخر 1970، عبر انقلاب عسكريّ ضدّ "الرفاق اليساريّين"، إلى السلطة.

 

والحقّ أنه حتى المقاومة الفلسطينيّة التي يؤرّخ لبدايتها العمليّة مع معركة الكرامة في مارس 1968، لم يُقيّض لها أن تمثّل وجهة مضادّة لذاك التفسّخ أو احتمال تحدٍّ له. فهي، بانطلاقها من خارج فلسطين، وبالوعي الضيّق الذي حرّكها، تحوّلت واحداً من أهمّ أسباب التصدّع الذي فتك بمجتمعات المشرق العربيّ ولا يزال. والحال أن الخريطة العصبيّة للبلدان المجاورة ما لبثت أن استوعبتها وكشفت عن قابليّتها الشديدة للاندراج في المحيط الأعرض لتفكّك النسيج الوطنيّ المشرقيّ. أما مصر، ولأنها تملك من مواصفات وحدة المجتمع ووحدة الدولة، ما لا تملكه بلدان المشرق تلك، فآثرت، في ظلّ حكم أنور السادات، الخروج من المواجهة على نحو صانت معه نفسها وتجنّبت -على رغم كلّ النقد الصائب الذي يمكن توجيهه إلى سلطتها الحاكمة- الشرور المستطيرة مما عانته بلدان المشرق.

 

غير أن 1967 تبقى عصيّة على الفهم من دون الرجوع إلى التقسيم في 1947. فيومها زُرعت البذرة الأولى في ما غدا يُعرف بالصراع العربيّ- الإسرائيليّ وما انجرّ عن ذلك من "أزمة الشرق الأوسط". وقد يقال إن ردّ الفعل العربيّ والفلسطينيّ الرافض للتقسيم كان طبيعياً يومذاك، بل كان إنسانيّاً وتلقائيّاً، ولو أنه قام على درجة بعيدة من تجاهل توازنات القوى. إلا أن هذا الموقف الرفضيّ المؤسّس لما تلاه من هزائم ما لبث أن تكرّس نهجاً راسخاً فوّت عدداً من الفرص المهمّة والممكنة للتصحيح الذاتيّ.

 

هكذا تضافرت مشاعر الكرامة الجريحة، وحسّ العدالة، وحاجة الأنظمة العربيّة للمزايدة على بعضها بعضاً، والغباء في تقدير قوّة المسلّحين اليهود ومن بعدهم دولة إسرائيل، ومشاعر الإحباط الشعبيّ، لتنتج عناداً كارثيّاً ومدمّراً. فحين اقترح الرئيس التونسيّ الحبيب بورقيبة، أواسط الستينيات، إعادة الاعتبار لقرار التقسيم بوصفه أساساً للحلّ، شُنّت عليه حملة سياسيّة وإعلاميّة ضارية لم تتردّد في وصفه بالخيانة والتفريط بـ"القضيّة". وإذ حلّت هزيمة يونيو 1967 المأساويّة والمُذلّة، لم تنقض غير أشهر قليلة حتى ردّ عليها الزعماء العرب في قمة الخرطوم باللاءات الشهيرة الثلاث: لا للصلح، لا للتفاوض، لا للاعتراف. وغنيّ عن القول إن الربط بين تلك المقدّمة وهذه النتيجة يبقى ضرباً فصيحاً من ضروب اللامعقول واللامنطق.

 

ويُخشى أن يكون التحوّل الفلسطينيّ والعربيّ الذي حصل لاحقاً، بالغاً ذروته مع مبادرة بيروت، جاء متأخّراً جدّاً ومتردّداً جدّاً، بحيث لم يعد من الممكن وقف النزيف الذي بدأ يطاول المنطقة قبل أربعين عاماً ولا يني يتعاظم.

 

في هذه الغضون، وفي مقابل عدوانيّة إسرائيل وصلف المواقف الأميركيّة، تطوّرت لغة سياسيّة عربيّة يصعب العثور في قواميس السياسة على ما هو أغرب منها. ففي موقف واحد، وعبارة واحدة، رحنا نؤكّد أن الولايات المتّحدة عدوّ تنبع عداوته من تحالفه مع إسرائيل التي رفعتها حرب 1967 إلى مصاف إطلاقيّة. بيد أننا كنا، ولا زلنا، نؤكّد أن الولايات المتّحدة "غير عادلة" في تعاملها مع النزاع العربيّ- الإسرائيليّ، كما لو أن العدالة صفة مطلوبة في العدوّ.

 

وأغلب الظنّ أن هذا التشوّش في المفاهيم جاء، في وقت واحد، ليدلّ إلى تشوّش في فهمنا العالمَ المعاصر وليتسبّب في مزيد منه. فكأنّنا نحارب "العدوّ" من أجل أن يصير "عادلاً"، وهو أشبه بالطفل الذي يغضب ويحرد ويروح يكسر ما تقع عليه اليد من أجل أن يلفت نظر الأب القاسي. بيد أن الأب لا يلتفت فيما لا تبقى في عهدة الطفل، أو في بيته، أشياء قابلة للكسر.

 

وبين مسؤوليّات كثيرة عن هذا "النهج"، يصعب ألاّ يُفرد الباحث المدقّق خانة خاصّة للمثقّفين الذين لعبوا أحد أسوأ الأدوار في التنظير لـ"النهج" المذكور وتجميله، وفي مباركة الاستبداد والحروب الأهليّة شريطة قيامها بخدمته والدفاع عنه.

 

*نقلا عن جريدة "الاتحاد" الإماراتية

 

للتعلبق على الموضوع