5 مايو 2007

 

 

 

 

 

سؤال الساعة

هل تستطيع السعودية اصلاح ذاتها؟

شؤون سعودية

 

 هل هناك إمكانية لمزاولة اصلاح ذاتي، مع علمنا بأن الوسائل السلمية والأفكار الطيبة التي وردت في عرائض الاصلاحيين عاجزة عن تحفيز المنزع الاصلاحي لدى النخبة الحاكمة، بما يجعلها تقدّم عملياً إجابة حاسمة على السؤال الكبير: هل تستطيع السعودية اصلاح ذاتها؟

 

إن هناك قوتين كابحتين للاصلاح ويعملان في جهد مشترك مناوىء للعملية الاصلاحية، ويرتدان ضدها أي المؤسسة الدينية التقليدية والعائلة المالكة، إذ لا يمكن أن يأتي المخرج لا من أي هاتين القوتين، فقد حدّد أفراد هاتين القوتين مواقعهم ومصيرهم على أساس العيش المشترك والتصاهر المصلحي الذي ينبذ ما عداهما خارج الحياة السياسية.

 

إن هذه العلاقة الاندماجية بين قوتين تشكّلان عنصري الازمة الداخلية، وهي التي حرمت البلاد من الاندراج في سياق تطوري بمعنى تحقيق بعض ضروب التقدم والنمو، أفضت الى انقطاعات وانسدادات تاريخية. بل قد نصل في نهاية الطريق الى القول بأن محصّلة العلاقة الثنائية بين تلك القوتين العظميين المحليتين قد نزع وبصورة نهائية فرص النمو الداخلية، بما وضع الجميع في تراجع وأزمة.

 

إن تواصل هذه العلاقة كان يعني الانحراف بعيداً عن الحل النهائي، وعن خط الخلاص الحقيقي والجماعي الذي كان على الدولة ان تسلكه منذ عقود. لم يكن التغيير، كقانون طبيعي، نداءً مستورداً وليس بالفاقد الاحساس الذي يتطلب منبّهاً خاصاً من أجل الامتثال لشروطه، فسيظل التغيير القانون الالهي والانساني المقدّس، إذ أن توقفه يعني حلول الوفاة والعدم الكلي. وهذا القانون يسري على أوجه الحياة بأكملها، وليست الوجه السياسي منها سوى الأجدر بالتغيير باعتباره الضابط لكافة شؤون الحياة الاخرى.

 

لا ننفي وجود نوايا ما لدى بعض التوّاقين للتغيير داخل مؤسسة الحكم، ولكن هذه النوايا مازالت تجسّد نفسها في هيئة أعمال ضئيلة بالقياس الى خطورة وتشابك المشكلات التي تعاني منها الدولة. لا يكفي إغراق غرفة عمليات مؤسسة الحكم بالأقراص المهدّئة من أجل إنجاز حل حاسم ونهائي للدولة.

 

في المقابل، إن توسّل العائلة المالكة بالذريعة المقيته الملفوظة بأن المؤسسة الدينية تمثّل القوة الكابحة للتغيير لا تعدو كونها مثار سخرية، فهذه المؤسسة تحظى برعاية الدولة وتستأثر بمصادر التوجيه الداخلي، وتقرر السياسات الدينية العامة عن طريق الحضور الكثيف في وسائل الاعلام الرسمية. هذا لا ينفي أن المؤسسة الدينية تحقق وجودها واستمراريتها عن طريق المنابذة الشديدة للتغيير، وبخاصة ذلك الشكل الذي يؤول الى الاطاحة بسيادتها ومركزيتها، إذ لا يمكن تصوّر وجود مؤسسة دينية تتكافىء قانونياً واجتماعياً وسياسياً مع أي من مؤسسات المجتمع المدني او مؤسسات التوجيه الثقافي التي ليس بينها وبين المجتمع واسطة الدولة. إن ثمة تفسيراً معقولاً يقول بأن ظهور جماعات العنف بخلفيتها الدينية هو التعبير المدوّي للصوت المخنوق لدى المؤسسة الدينية التقليدية التي باتت تشعر بأن ثمة انفصاماً تدريجياً بين الدين والدولة، الامر الذي سيحرمها من مجال امتياز تقليدي شديد التأثير، وهو المجال الديني. وعلى أية حال، فقد سعت الدولة الى التخفيف من وطأة هذا الشعور عن طريق اعادة تفعيل الادوات التوجيهية التقليدية الخاصة بالمؤسسة الدينية بإغراق وسائل الاعلام المحلية أو المموّلة سعوّدياً بالرموز والبرامج الدينية المصمّمة لارضاء المجتمع الديني واشاعة خطاب ديني متواطىء مع أغراض السياسة الرسمية في مرحلتها الراهنة.

 

في الوقت نفسه، لا يجب تحميل المؤسسة الدينية كل رزايا الاستبداد، فلدى العائلة المالكة ما يكفي من المناهضين تكوينياً للاصلاح السياسي في البلاد. في حقيقة الأمر، إن تجارب العمل السياسي النضالي في السعودية تكشف بجلاء أن اجهاضات النشاطات الاصلاحية كانت تتم بقوة الامراء وليس العلماء. صحيح ان كل عملية اعدام تتم في هذا البلد تستند الى فتوى عالم دين، ولكن كثيراً من الفتاوى ذات الخلفيات السياسية كانت تصدر بطلب أو بعد عملية اقناع مكثفة يقوم بها الامراء الكبار.

 

ومهما تكن القوة الكابحة للاصلاح السياسي، فإن السؤال الذي طرحته مجموعة الازمة الدولية في يوليو الماضي مازال صالحاً: هل تستطيع السعودية اصلاح ذاتها؟  

 

 تقرير مجموعة الازمة الدولية (آي سي جي) عن السعودية بعنوان (هل تستطيع السعودية اصلاح ذاتها؟) يعدّ سؤالاً محورياً منذ بدء النشاط الاصلاحي في شكله الوطني في يناير 2003 ثم ازداد السؤال الحاحاً بعد الخامس عشر من مايو الماضي اي بعد اعتقال نخبة من الرموز الاصلاحية وتشديد الاجراءات الرقابية على حرية التعبير.

 

الجدير بالاشارة أن مجموعة الازمة الدولية هي منظمة دولية غير ربحية مستقلة، ومقرها بروكسل، ولديها موظفون من خمس قارات في العالم يعملون من خلال سبعة عشر مكتباً في عواصم عربية وعالمية عبر تحليل ميداني لأكثر من 40 بلداً واقليماً أملاً في دفع او حل نزاعات خطيرة فيها. إن دراسات هذه المجموعة تعتمد دائماً على بحوث ميدانية، وأن فرق المحللين السياسيين التابعين لهذه المنظمة يتموقعون داخل او بالقرب من البلدان التي على حافة العنف او النزاع أو التي قد بلغ فيها النزاع الداخلي مستوى تصاعدياً. وبناء على المعلومات والتقييمات المستخلصة من دراسات ميدانية تقوم منظمة آي سي جي باصدار تقارير تحليلية منتظمة تشتمل على توصيات عملية موجّهة أساساً لصنّاع القرار الرئيسيين في العالم. وتوزّع المنظمة تقاريرها بصورة واسعة عن طريق الايميل أو في هيئة تقارير مطبوعة الى المسؤولين في وزارات الخارجية والمنظمات الدولية اضافة الى موقع المنظمة على الانترنت.

 

تعتقد المجموعة بأن النظام السعودي يواجه واحدة من أشد المراحل صعوبة في تاريخه، فالخوف من التغيير بات مألوفاً بالنسبة لنظام يسيطر على قوة وامتيازات هائلة، ولذلك فإن العائلة المالكة ستحتسب أي اصلاح جدي مخاطرة لا تستحق المجازفة. وتقول المجموعة بأن المفارقة تكمن في أن برنامجاً للتغيير سيمهّد السبيل الممكن للاستقرار، وأن الخطر المتعاظم سيأتي من عمل لا شيء على الاطلاق.

 

تقرير المجموعة يفيد بأن النظام السعودي ليس على حافة الانهيار كما أن البلاد ليست على مشارف حرب أهلية. وفي هذا السياق، فإن المجادلة بأن الانفتاح السياسي قد يفضي الى اعطاء القوى المتشددة صوتاً ونفوذاً تبدو مغرية. ولكن يستدرك التقرير بأن تبني مقاربة محافظة كهذه سيكون في نهاية المطاف إستراتيجية الانهزام الذاتي. وينبّه التقرير الى أن القوى المتشددة ـ ذات الخلفية الدينية ـ لم تظهر في فراغ، فجذورها عميقة في التاريخ السعودي. وأن هذه القوى لديها مصلحة ضئيلة في الانتخابات الحرة، أو في مشاركة سياسية أكبر بالنسبة للمواطنين، ولكن هذه المجموعة تفيد من تآكل مشروعية النظام من اجل تجنيد متطوّعين جدد.

 

ويسلط التقرير الضوء على النشاط الاصلاحي الذي قاده الليبراليون والاسلاميون التقدّميون والوطنيون والشيعة والذي بدأ بالضغط من أجل التغيير حيث تقدّم هؤلاء برؤية بديلة متوافقة مع الاسلام وقد التحمت هذه القوى في تيار شعبي يبدي احتراماً تاماً للدور التوحيدي لآل سعود. ورغم الاقرار الظاهري من قبل العائلة المالكة بالحاجة للاصلاح السياسي والتعليمي الا أن هذا الاقرار لم يتحوّل الى قرارات عملية كبيرة، بل بقيت التغييرات مقتصرة على جوانب شكلية ولم تطل البنى السياسية والادارية والقانونية للدولة. وقد أثار التقرير شكوكاً في تصميم العائلة المالكة على الاصلاح، وبخاصة بعد اعتقال الرموز الاصلاحية، والتدابير القمعية اللاحقة التي طالت حرية التعبير والاجتماع بما أضفى لوناً باهتاً ومزيداً من الشكوك على الاصلاحات الشكلية.

 

على الضد من منهجية الحكومة، حين توسّلت بالهجمات الارهابية كذريعة للتخلي عن الاصلاح فإن المجموعة تشدد على أن هذه الهجمات هي سبب إضافي من اجل تسريع عملية الاصلاح، انطلاقاً من حقيقة أن الاصلاح لن يأتي بسهولة بدون مخاطرة.

 

إن الصراع المحتدم بين العائلة المالكة وجماعة العنف يندك في في اطار الشرعية الدينية، حيث يسعى كل طرف تجريد الاخر من الشرعية الدينية. فالدين يلعب دوراً مركزياً في الخطاب السياسي بالنسبة للحكام والمعارضين على السواء وهو ادارة شرعنة. وبالنسبة للعائلة المالكة، فإنها في الوقت الذي تحاول اجهاض محاولات جماعات العنف من اجل تمزيق الشرعية الدينية، فإنها في المقابل أطلقت العنان للتيار الديني التقليدي كيما يعيد انتاج نفسه ويتوسع بدرجة واسعة من اجل تأكيد الهوية الدينية للدولة وتعزيز مشروعيتها والابقاء على حليفها التقليدي كسلاح استراتيجي بيدها ضد خصومها سواء كاانوا دينيين او ليبراليين.

 

إن الاهمية المركزية لتقرير مجموعة الازمة الدولية يكمن في التوصيات التي تقدّمت بها في تقريرها للحكومة السعودية،  والتيار الاصلاحي الوطني واخيراً الحكومات الغربية في مجال الاصلاح السياسي وسبل تطويرها وتعزيزها.

 

توصيات للحكومة السعودية على النحو التالي:

 

1 ـ التزامها ببرنامج تدريجي ومخطط وشفاف للاصلاح السياسي من خلال

 

أ ـ نشر أجندة اصلاحية تفصيلية وشاملة، تتضمن مستويات وجدول زمني لتطبيقها.

 

ب ـ اقتراح تشريعي خاص بتتشريع وتنظيم المنظمات والاتحادات الثقافية والاجتماعية والمدنية، والسماح على وجه الخصوص بتأسيس منظمة حقوقية مستقلة بناء على الجدول الزمني المعلن.

 

ج ـ بذل الجهود لتطوير الوحدة الوطنية والحوار والتسامح بين الشيعة والسنة والمجموعات الاسلامية الاخرى في المملكة.

 

د ـ توسيع الحوار الوطني بما يجعله أكثر شمولية، وتوضيح وتطوير أجندة بما يسمح للمواطنين باللقاء ومناقشة الموضوعات الرئيسية خارج التجمعات التي ترعاها الحكومة.

 

هـ ـ رفع القيود على كتّاب العرائض واطلاق سراح المعتقلين والسماح بالنقاش العام في الاعلام وفي أي مكان آخر بالنسبة لأولئك الذين ينادون بالتغيير السلمي.

 

2 ـ تقوية المؤسسات والعمل على توزيع ومراقبة السلطة عن طريق:

 

أ ـ توسيع الصلاحية التشريعية لمجلس الشورى، ومنحه سلطة مراقبة الشؤون المالية وهكذا الميزانية العامة، وسلطة المراجعة والمصادقة على التعيينات الوزارية، وهكذا منحهه قدرة غير مقيّدة لدعوة الوزراء للمسائلة.

 

ب ـ تأسيس آلية شفافة لكافة شؤون الحكومة المالية والتجارية، عن طريق النشر والالتزام بميزانية وطنية محددة بوضوح بتفصيلات دقيقة لمصادر دخل ونفقات الدولة، بإخضاع المصروفات العامة للاشراف المستقل، وتحديد قائمة بأسماء الامراء في العائلة المالكة الذين يحق لهم الافادة من الاموال العامة ونشر المخصصات المالية الملكية.

 

ج ـ محاربة الفساد واساءة استعمال السلطة وخصوصاً من قبل أعضاء العائلة المالكة.

 

د ـ زيادة الرقابة عن طريق الفصل التدريجي لسلطة العائلة المالكة عن ادارة شؤون الحكم اليومية، وتعيين محترفين مؤّهلين بدلاً من اعضاء العائلة المالكة في المواقع التنفيذية والفصل بين منصبي الملك ورئيس الوزراء.

 

3 ـ تسريع الاصلاح الاجتماعي والاقتصادي عن طريق:

 

أ ـ تكثيف الخطوات من أجل الانضمام لمنظمة التجارة العالمية واجتذاب استثمارات في القطاع غير النفطي.

 

ب ـ تقوية التدريب المهني والتقني.

 

ج ـ مواصلة الجهود من اجل تحقيق توازن أفضل في المنهج التعليمي بين الدراسة الدينية والتدريب التقني والاحترافي.

 

د ـ تطبيق وبصورة فاعلة القرارات الخاصة بزيادة فرص التوظيف بالنسبة للنساء والغاء القيد الخاص بلزوم حصول النساء على إذن من محرم ذكر من أجل الحصول على خدمات تعليمية وصحية ووظيفية.

 

أما بالنسبة للاصلاحيين فهناك ثمة توصيات محددة على النحو التالي:

 

4 ـ مواصلة تطوير العملية الاصلاحية من خلال:

 

أ ـ التأكيد على المصالح الوطنية المشتركة وتفادى اللغة الاستفزازية.

 

ب ـ التشديد على الشمولية وتطوير الانتماءات التي تتجاوز الخطوط الجغرافية والمذهبية والقبلية.

 

ج ـ البحث عن مشاركة أوسع في الجهود الاصلاحية خارج اطار المحترفين وأعضاء النخبة.

 

وهناك توصيات خاصة بالحكومة الاميركية والحكومات الغربية الاخرى منها:

 

5 ـ دفع الحكومة العسودية على تبني الاصلاح التي تسمح بمشاركة سياسية أوسع.

 

6 ـ وضع موضوع انتهاكات حقوق الانسان والقيود المفروض على الحقوق المدنية على الاجندتين المشتركين (بين السعودية وحكومات هذه الدول).

 

7 ـ الحيلولة دون المبالغة في التشديد على الموضوعات الثقافية والاجتماعية الحساسة، مثل التعليم ودور الدين.

 

8 ـ دعم وتشجيع الجهود باتجاه الاصلاح الاقتصادي.

 

ونحن بدورنا نؤكد على أهمية هذه التوصيات التي نأمل ان تأخذها كافة الاطراف على محمل الجد، كونها صادرة عن جهة اختصاص محايدة كما يظهر من فحوى ومضامين التوصيات، إذ إن ما يطفح على السطح قد يكون مضللاً، فثمة براكين تعمل تحت الارض قبل انفجارها.

 

http://www.saudiaffairs.net/webpage/sa/issue20/article20/article10.htm

 

للتعلبق على الموضوع