31 مارس 2006 

 

 

 

 

السنيورة بين الفخ والتفخيخ

بشير البكر

 

لايحتاج المرء الى ذكاء خارق لكي يفك ألغاز التمثيلية الباهتة، التي قام بها الرئيس اللبناني اميل لحود في الخرطوم، بالتعاون مع كل من "حزب الله" و"حركة أمل"، وبالتخطيط مع الرئيس السوري بشار الأسد. لقد كان واضحا ان هدف لحود من الذهاب الى العاصمة السودانية، هو تفجير قنبلة دخانية تساعده في فك الطوق المضروب من حوله، وتمكنه من ربح بعض الوقت بعد أن دخل موضوع ازاحته حيز النقاش داخل مؤتمر الحوار الوطني، الذي حقق تقدما نسبيا في التفاهم حول بعض القضايا الخلافية.

 

لم يجد لحود في الخرطوم من يعينه على محنته التي تعاظمت بعد خروج جيش الوصاية من لبنان، سوى راعيه الرئيسي الرئيس السوري. فكلاهما يلعب الشوط الأخير من الوقت الضائع. كلاهما مفلس، ومعزول، وينتظر قشة يتمسك بها، قبل أن يساقا معا في القريب العاجل من طرف العدالة الدولية، ليحتلا الزنزانة التي شغرت بعد انتحار ميلوسوفيتش. ولأنهما خاسران في الخارج والداخل، ولم تعد لديهما بضاعة جاهزة للتسويق، فإنهما اختارا آخر الملاذات، وهو الملاذ الوطني، على طريقة القول المأثور: "الوطنية هي آخر ملاذ للخونة".

 

كان بشار، بالفعل، خير عون للحود، اذ استطاع أن ينتشله من الحفرة التي بدأ ينزل فيها مؤخرا، وأعاد وضعه على السطح، وتمكن من اعادة تبييض صورته. فانتقل في نظر وسائل الاعلام من رئيس منبوذ من طرف الاكثرية الشعبية في بلاده، كونه صنيعة المحتل السوري، ومتهما بالمشاركة في اغتيال رئيس وزراءه السابق رفيق الحريري، إلى بطل قومي يحامي عن المقاومة! وبالطبع ليس هناك أمضى من "سلاح المقاومة"، لاحداث هذه النقلة الدراماتيكية خلال دقائق معدودة. لقد تم ما جرى التوصل اليه في بيروت من خلال جملة واحدة في بيان قمة الخرطوم، كان يمكن لها أن تمر مرور الكرام، لو لم يقع رئيس الوزراء اللبناني فؤاد السنيورة في الفخ، الذي نصبه له، بالنيابة والاصالة، وزير خارجيته فوزي صلوخ المحسوب على "حزب الله". هو فخ من النوع الذي اعتدناه في الآونة الأخيرة، إنه كناية عن زواج التقية والتورية التي يتقنها"حزب الله"، مع الدهاء المخابراتي السوري. هو يحيلنا، دون ان نستطيع توجيه أصبع الاتهام، الى سلاح المقاومة، مثلما حصل في عمليات اغتيال سابقة بالسيارات المفخخة، من مروان حمادة الى جبران تويني.

 

لقد جاء في الحيثيات ان مشادة حصلت بين لحود والسنيورة داخل الجلسة الختامية للقمة العربية، بسبب مطالبة رئيس الوزراء ابدال عبارة في بيان القمة: "تأكيد ان المقاومة الوطنية اللبنانية" بعبارة:"التأكيد على حق الشعب اللبناني في المقاومة لتحرير أرضه". وعلى الفور رد لحود محاولا تصوير السنيورة انه يسعى الى الغاء دور المقاومة، وقد سار الأمر في هذا الاتجاه لأن المؤتمرين العرب في الخرطوم لايعرفون الفرق في التسمية، فالمقاومة اللبنانية تعني "حزب الله"، فيما هي على المستوى العربي تعني كل اللبنانيين. وقد حاول السنيورة الخروج بالصيغة التي توفر الاجماع العربي على المقاومة،لكن لحود تمسك بالصيغة التي تشير الى "حزب الله". وقد استطاع أن يغطي على موقف السنيورة بفضل انحياز وزير الخارجية الى جانبه،بالاضافة الى انه حصل على تغطية ودعم من طرف الوفد السوري،الذي نشط امام الوفود ووسائل الاعلام ليظهر فريق الاكثرية اللبنانية خارج الاجماع الوطني، وليختصر المشكلة مع لحود الى خلاف بين طرفين: المقاوم الذي يمثله لحود ومن خلفه"حزب الله"،والانهزامي الاستسلامي الذي تمثله الاكثرية.

 

إن المؤسف هنا هو ان غالبية وسائل الاعلام لم تكن على مستوى الفضيحة فانشغلت بالشكليات.فبدلا من عكس صورة الفخ الذي حيك بدهاء للايقاع بالسنيورة، انشغلت بالتركيز على قضية ذهابه الى الخرطوم من عدمه،ورفضه الجلوس وراء لحود في عداد  الوفد اللبناني.إن هذه النقطة سليمة من حيث الشكل، فلم يكن هناك أي مبرر لذهاب رئيس الوزراء الى الخرطوم، اذا كان القصد منه هو اعلان الاختلاف عن لحود. كان بوسعه ان يكتفي ببيان صغير يصدره من بيروت يلخص فيه وجهة نظره. أما وانه ذهب حتى الخرطوم ليجلس في الصفوف الخلفية، من دون ان يتمكن من ايصال الموقف الآخر، فذلك يعبر عن فشل سياسي ذريع يسجل ضد الاكثرية، التي غلب على ادائها الارتباك في الآونة الأخيرة، بتأثير من الضغوطات السعودية المصرية، التي تلعب لصالح النظام السوري.ولا اظن أن السنيورة من النوع الذي ينطلي عليه هذا اللعب القذر، لكنه بدا كمن في فمه ماء.وهو على الأرجح سوف يبقى صامتا، لأنه يدرك أن المسافة ضيقة جدا بين الفخ والتفخيخ.

 

لقد كانت كافة المؤشرات في الأسابيع الأخيرة توحي بأن السنيورة سوف يقع في فخ سوري منصوب له بقرار عربي: سعودي مصري. وكشفت زيارته الى كل من مصر والسعودية، قبل انعقاد القمة عن حجم الضغوط التي تعرض لها لكي يرضخ. وقد عبر عن ذلك من دون لبس رئيس "تيار المستقبل" النائب سعد الحريري، حين قال، لقد طلب منا العرب ترطيب الاجواء مع سوريا.وبدا أكثر صراحة في حديثه الى قناة الجزيرة الفضائية، حين ابدى اعتذاره عن رفض المبادرة السعودية المصرية في الشهر الماضي. هذا في حين ان الكل بات يعرف ان الافكار التي تضمنتها تلك المبادرة وضعتها دمشق،بهدف طي ملف التحقيق الدولي في اغتيال الحريري،وعودة الوصاية تحت يافطة عربية.

 

ماذا يعني ذلك؟ ان من يهمه الجواب يستطيع ان يعثر عليه، في ثنايا تصريح فاروق الشرع في شرم الشيخ،حين قال ان الاسد سيكتفي في الخرطوم بلقاء لحود،وإن السنيورة لم يرد على رسالة عطري بشأن ترسيم الحدود، وهو لم ينفذ وعوده في آخر زيارة له لدمشق.! ويمكن لمن يهمه الأمر اكثر ان يعاين مدى "اللباقة" والديبلوماسية السورية في التعامل مع رئيس وزراء لبنان في القمة.فالاخبار قالت انه اجتمع مع الاسد،وهذا ما أكده مكتب السنيورة،لكن الوفد السوري،اعتبر الاجتماع مجرد مصافحة عابرة!

 

لم يعد هناك اي مجال للشك في ان ماحصل في الخرطوم يعكس التدخل السوري والارادة السورية لاستدراج"اجماع عربي على المقاومة، بعد ما فقدت الاجماع اللبناني، وبعد ما ظهر ان النظام السوري لن يتعاون في موضوع ترسيم الحدود في مزارع شبعا" على حد تعبير وليد جنبلاط. وصار واضحا إن الهدف المباشر من المسرحية، هو عرقلة البحث في عملية ترحيل لحود. واصبحت المعادلة المطروحة اليوم، لحود مقابل السنيورة. فإما القبول بلحود والتعايش معه حتى نهاية ولايته، وإلا فلن يسهل الطرف الآخر عمل حكومة السنيورة. ولا بد إن المراقب يلاحظ ترجمة هذه المعادلة في التصريحات التي شرع يطلقها قادة "حزب الله" و"حركة أمل" والجنرال عون منذ أزمة اعتكاف الوزراء الخمسة. وفحوى هذه التصريحات، هو اذا ارادت الاكثرية أن تحكم منفردة، وتضع حدا لرئاسة لحود،ليس امامها سوى خيار الانتخابات البرلمانية المبكرة. وهم يعتقدون ان هذه الانتخابات اذا حصلت اليوم، سوف تمكنهم من الحصول على الاكثرية،وإلا لما ظلوا يصدعون على اعتبار الأكثرية الحالية "وهمية".

 

إن ما يفسر كون الحملة مدروسة ومعدة، على نحو مسبق هو سلسلة ردود الفعل التي صدرت من الاطراف المعنية ببقاء لحود،وتجلى ذلك من خلال مظهرين اساسيين: الأول، هو اكثار حزب الله من الخطوات البروتوكولية حيال لحود بعد عودته من القمة،حيث عومل معاملة الفاتحين، فتلقى ،في البداية، اتصالا من حسن نصر الله يشكره فيه على موقفه"الكبير"، ومن ثم صدر بيان عن "حزب الله" يثمن الموقف الوطني،وبعد ذلك قام وفد من "كتلة المقاومة" بزيارة الى بعبدا لشكر لحود.والمظهر الثاني، هو صب "حزب الله"، و"حركة امل" وحتى الجنرال عون، غضبهم على السنيورة الذي اعتبر موقفه في نظر "حزب الله" مفاجئا ومستغربا وغير منطقي وغير مقبول بالمعايير الوطنية".وكان لافتا ان نبيه بري انهى جلسة مجلس النواب من دون اتاحة الفرصة للسنيورة للرد،ذلك في الوقت الذي شطح فيه رئيس مجلس النواب بعيدا حين اعتبر ان موقف السنيورة في الخرطوم" قارب الخطيئة".

 

 لا يخفى على احد هنا من ان حماية لحود والدفاع عنه بسلاح المقاومة، انما يتجاوزه للدفاع عن بشار الاسد، فالمغزى البعيد لاثارة هذه المعركة في القمة العربية، هو حشد موقف عربي في وجه جملة الاستحقاقات القادمة.فالنظام السوري لن يستطيع التسويف الى مالا نهاية في ما يتعلق باستجواب الاسد ونائبه الشرع، الذي سوف يتم حسب بعض المعلومات المتداولة في الثامن من نيسان/ابريل.

 

قد تعود الأمور على ما كانت عليه قبل القمة، وتتواصل جلسات الحوار الوطني حسب مواعيدها المقررة، لكنه يتأكد في نهاية المطاف ان قدرة النظام السوري على التخريب في لبنان ليست محدودة، وستثبت الأيام أن طروحات وليد جنبلاط الأخيرة هي البوصلة،فلا خلاص للبنان وسوريا إلا برحيل النظام السوري، ولا حل إلا بوحدة عمل المعارضة في البلدين.

 

bacha@noos.fr

 

للتعليق على هذا الموضوع