![]()
18 مارس 2006
"العبد
المأمور" في
زيارة الحر
الأبي!
لا يسع
المرء
إلا أن يتعاطف
مع رئيس
الوزراء
اللبناني فؤاد
السنيورة.
إنه يذكر الى
حد كبير
بالرئيس الياس
سركيس(1976-1982). تجمعهما سعة
الصدر
والقدرة على
التحمل،وابتلاع
الإهانات
السورية. كان سركيس
رجلا هادئا، مستقيما، تحمل من
الأذى،من
أجل لبنان، ما
لايمكن
وصفه،لكنه
احتفظ ببرودة اعصابه
حتى اليوم
الأخير من
ولايته،ولم
يشأ تحت أي ضغط
أن يخلق فراغا
دستوريا،
يفتح أبواب
التدخل
الأجنبي أكثر
مما كانت عليه.
لقد كانت
سوريا من
الناحية
النظرية،
نصير سركيس
الأساسي، لكنها هي
التي جعلت
ولايته جحيما لايطاق، وقتلت
مشروعه
لتطويق الحرب
الداخلية. إن
من يتمعن
اليوم في
وقائع تللك
السنوات، سوف
يكتشف انها
كانت حرب حافظ
الأسد ضد
استقرار
لبنان. لقد
أراد الرجل
الذي بدأ
يستقر له حكم
سوريا، أن يمد
ولايته نحو
لبنان. لم يكن
في وارد تحرير
الجولان، او بناء مشروع
داخلي،لذا
وجد في لبنان
متنفسا خارجيا
لحكمه،خصوصا
وأن المجتمع
الدولي تعامل
معه بخبث
مفرط،وسلم له
بمصالح وامتيازات
داخل هذا
البلد،لاتمت بصلة الى جوهر
المهمة التي ارسل جيشه
من أجلها.
لعل
استعادة ذكرى سركيس
تصبح أمرا ذا
مغزى أكثر،إذا
أخذت على ضوء
التجربة
القصيرة للسنيورة
مع دمشق. وذلك
إذا أريد الآن
فعلا
للعلاقات
السورية
اللبنانية ان تدخل
حيزا حقيقيا،في معزل
عن منطق
التجارب
بالمناورات
والخداع والخبث
والتكاذب، بعدما كادت
الأشهر
الأخيرة أن تزلزل
مصير
البلدين،وماتزال
تنذر بالمزيد.
لقد
اكتشف السنيورة
في أول زياره
له كرئيس
للحكومة
اللبنانية الى دمشق
في آب/أغسطس
الماضي، مثلما سبق
للرئيس سركيس
ان اكتشف.إنه
أمام مفاوضات "متعددة
الأطراف"،وانه
مضطر أو
مختار،عليه
أن يضطلع بدور
المفاوض
بالواسطة،بصفته
المزدوجة
حكوميا وسياسيا،وربما
عن دولة ثالثة،ذلك
أن دمشق لاتخفي
اتهامها
للأكثرية
اللبنانية،
بأنها تتلقى التعليمات
من السفارات الاميركية
والفرنسية في
بيروت. وفي هذا الجو
تعرض السنيورة
الى حملة
تشكيك قبل
الزيارة
الأولى، طالت
قدرته على
التوصل الى
اتفاقات
وحلول للأزمة.وبدا إن حل
أزمة
الشاحنات
التي منعتها
سوريا من عبور
الحدود نحو
بلدان
الخليج، ليس
إلا جبل
الجليد الذي
يخفي في
ثناياه ألف
حكاية وحكاية.
لقد اكتشفت
السلطات
السورية فجأة
أن هناك اتفاقات
بين البلدين،وان دمشق
تصر على تفعيلها. ولايخفى على
المطلعين أن
مغزى "التفعيل"
في ذلك الوقت
هو فحص نوايا
اللبنانيين
الفعلية، وتحليل
فصيلة الدم
الوطنية لكل اجراء او
قرار، للتأكد
من خلوه من
رائحة مؤامرة اميركية
فرنسية، تتسلل في
صناديق
التفاح
اللبناني
العابر للحدود
السورية.
لقد
توجت الحرب
الكلامية
التي سبقت
زيارة السنيورة
حينذاك، بأن
حاولت دمشق ان تفرض
على لبنان ماوصفه
رئيس الحكومة
السورية محمد
ناجي العطري ب"كبح
جماح
وسائل الاعلام
اللبنانية، ووقف
حملاتها
العدوانية
المغرضة ضد
سوريا". لذا لم
يكن مصادفة أن
تخرج جريدة "النهار"
بافتتاحية
تدعو الى "هدنة
اعلامية
مع سوريا". إن
ما أشير له
بوصفه حملة اعلامية
لبنانية ضد
سوريا، كان المقصود
منه كتابات
الكتاب
السوريين
الديموقراطيين
في "النهار"،
التي فتحت
صفحاتها لهم
دون رقابة،
حتى اغتيال
شهيد الحلم
اللبناني
السوري
المشترك سمير
قصير، في
الثاني من
حزيران/يونيو
الماضي.
إن
ما بدا على
أنه حوار رسمي
سوري لبناني
توقف هناك،ولم
يتقدم.بل إنه
أخذ منذ ذلك الحين
صيغة
المبادرة
العربية،التي
تبين بسرعة انها
عبارة عن افكار
سورية تبنتها
السعودية
ومصر،وكلفت
الأمين العام
لجامعة الدول
العربية عمرو
موسى بمهمة
العمل على
تسويقها. وهي في جوهرها
حملت ثلاث
نقاط اساسية:
الأولى، ضبط الاعلام
اللبناني تحت
سقف عدم
التعرض للحكم
السوري
بالنقد. وقد
كانت عملية اغتيال
جبران تويني
رسالة واضحة
في هذا
الاتجاه.والنقطة
الثانية،إقامة
تنسيق سوري
لبناني على
مستوى
السياستين
الأمنية
والخارجية.وهذا
يعني في
المضمون، عودة
الوصاية داخليا، وتكبيل اليد
خارجيا. والنقطة الثالثة، هي
طي ملف
التحقيق
الدولي في
جريمة اغتيال
رئيس وزراء
لبنان السابق
رفيق الحريري.
لقد
جرت مياه
كثيرة في
سواقي
التجاذب
السوري اللبناني،
منذ أن رفض
لبنان هذه
الهدية العربية
المسمومة،وساد
الانطباع
بأننا صرنا
أبعد مانكون
عن مقاربة من
هذا القبيل. لذا
يبدو من
المستغرب
اليوم، هو أن
تنتهي الجولة
الأولى من
الحوار
اللبناني اللبناني
الى
اتفاق، على تكليف
السنيورة
بزيارة دمشق.إن
مبعث الغرابة
هو أن الحوار
كان المفترض
فيه أن يناقش
الملفات
اللبنانية اولا، ثم
إن زيارة دمشق
ليست أولوية
إلى هذا الحد في
جدول
الاهتمامات
اللبنانية.
رغم أن رئيس
الوزراء اللبناني
طلب ضمانات عربية
ودولية
لتوفير شروط
نجاح
الزيارة، إلا إن
المهمة تبدو
غير واضحة
لأسباب كثيرة. كان يجدر
بالذين كلفوه
القيام بهذه
الرحلة، أن
يتذكروا أن
الرجل تعرض
لشتيمة
مباشرة من طرف
الرئيس
السوري بشار
الأسد، الذي وصفه ب:"
العبد المأمور
للعبد
المأمور"،وأن
صدى هذه
الشتيمة مايزال
يسمع في بيروت
ودمشق.وعلى
هؤلاء أن
يتذكروا ايضا
انهم
انسحبوا من
الحكومة التي
يقودها، حين حاول السنيورة
أن اصدار
بيان باسم
مجلس
الوزراء، يدافع فيه عن
السيادة
اللبنانية
التي أهانها
الأسد.لقد
أرغمه هؤلاء
على قبول الشتيمة
لكي لا يغضبوا حاكم
دمشق، ويعكروا جو التحالف الذي
يربطهم به. لكنه
لم يفت على
أحد أن هؤلاء
قايضوا لبنانيتهم،
بفتات طائفية
مرجعها "قم".
إن
ذهاب السنيورة
اليوم الى
دمشق من دون
وضع أساس واضح
للعلاقات
السورية
اللبنانية، هو تسليم بالاملاءات
التي يحاول
النظام
السوري أن
يفرضها على
اللبنانيين،في لحظة
اختلال توازن
على المستوى
العربي. ولا يسع المرء
إلا أن يناشد
رئيس وزراء
لبنان الذي
يمثل
الأكثرية
النيابية،
لأن يكون وفيا
للكلام الذي
قاله في شباط/فبراير
الماضي، حين شتموه
مرة ثانية،
وحملوه
مسؤولية فشل
المبادرة
السعودية.لقد
قال يومها:" يجب
أن يدرك
الأخوة في
سوريا أن
لبنان بلد مستقل،وأنه
ذا سيادة
وقادر على أن
يتعاون،وان يكون
ذا عون لسوريا
أكثر بكثير من
كونه بلدا
تابعا، هذا الإدراك
يجب أن يترجم
من خلال مواقف
تقوم بها
القيادة
السورية تجاه
لبنان".نعم
هذا هو
المطلوب،أن
يبادر هؤلاء
الذين احتلوا
هذا البلد
ثلاثين عاما
للاعتذار
أولا، ليس من السنيورة
فقط، بل من
اللبنانيين
والسوريين.هذه
هي بداية
الطريق. لا تذهب يا فخامة الرئيس
الى
دمشق، فتكرر تجربة الياس سركيس
المرة التي لم
يجن منها سوى
اليأس.لا تذهب
لتطفئ بيدك
ضوء الأمل
اللبناني
بالخلاص من
الوصاية.
إن خطورة
الزيارة تكمن
في الحديث عن اعادة احياء
المبادرة
السعودية.وهنا
لابد من كل
سواء تقال
للأخوة في
المملكة
العربية
السعودية،
وفي صورة خاصة
الملك عبداللة،إن
السوريين
يقدرون حرصكم
على استقرار
بلدهم،واقامة
علاقات سورية
لبنانية
سليمة،لكنهم لايستطيعون
أن يتقبلوا اصراركم
على تقديم
المساعدة تلو
الأخرى للحكم
السوري،الذي
هو في حقيقة
الأمر يسير في
الخط الايراني.