![]()
8 يونيو 2005
سوريا: اوراق النظام
الثلاث
والرمال المتحركة
بات
من المؤكد ان
الأيام
القادمة على
سوريا لا تبشر
بالخير. ان
وضعها الراهن
يشبه الى
حد كبير حال
المريض الذي شخّص الاطباء
داءه الخطير، لكنه يرفض
قبول العلاج لانه
يجبره على
التخلي عن
عاداته
السيئة والضارة
بالصحة. ولا يكاد يمر يوم
من دون ان تطالعنا الاخبار بسيناريوات سوداء حول
المستقبل
القريب الذي
يزداد غموضا وخطورة. ان
ما يفاقم في قتامة
الوضع
وتعقيده هو اصرار السلطة على
نهج
الاستبداد. فهي على مايبدو عاقدة العزم
على منع
السوريين من
فتح نوافذهم
لاستقبال
رياح التغيير
التي تهب على
العالم. فبعد سلسلة
من الاخفاقات
على
المستويين الخارجي
والداخلي، وضعف في الاداء
عبّر عن نفسه في
خسارة اوراقها
الاقليمية
خلال فترة
قصيرة جدا، ضاق امامها
هامش
المناورة الى
اقصى حد
ممكن، ولم يبق في
يدها سوى آلة
القمع التي لن
تلبث ان
تتحول بعد وقت
قصير الى
سلاح ذي مفعول
عكسي يرتد الى
صدر صاحبه. لقد مضى الى
غير رجعة
العهد الذي
بوسع نظام
سياسي ان
يستمد فيه
شرعيته من
تزوير ارادة
الناس
وتخويفهم
بقوة البوليس. ان
هذا النموذج
الذي ساد بسبب
تسويات وتوازنات
ومصالح دولية
معينة في
الماضي، آخذ
بالانهيار لبنة وراء
أخرى. فبالامس جورجيا واكرانيا
وغرقيزيا، وغدا يأتي
الدور على
المنطقة
العربية، وخصوصا
سوريا التي
تؤكد
المعطيات
كافة انها
تحتل مكانة اولوية
على قائمة
المرشحين
للتغيير. وما تعتبره
السلطة مناعة امنية
يمكن ان
يشكل المدخل الى
المطالبة
بتفكيك
البنية
القائمة.
ان السوريين ازاء حالة
صعبة
ومستعصية، مردها الى امرين. الأول، عجز
الحكم عن
تقديم حلول
فعلية لمشاكلهم
الحياتية، سواء
كانت
اقتصادية او
سياسية او
تعليمية... الخ. ان
بنية النظام
الحالي باتت
غير قادرة على
تلبية تطلعات
السوريين
الذين يرون
العالم يتقدم بسرعة
من حولهم وهم
محكوم عليهم
البقاء في نفس
المكان، من
دون اي افق فعلي او حتى
مجرد وعد بمستقبل افضل. والثاني، رفض الحكم
مشاركة
المجتمع
السوري في
مهمة البحث عن
بديل للوضع
الراهن ومخرج
من الطريق المسدود. قدم هذا
الشعب التنازل تلو
الآخر منذ ان
وقع عليه حكم
الحزب الواحد
قبل اكثر
من اربعين
سنة. لقد صادر حزب
البعث طيلة
هذه المدة حق
المجتمع في التعبير
عن نفسه بحرية
واختيار ما يناسبه
سياسيا
واقتصاديا، لكن
السوريين، وهم يدفعون فاتورة
الوصاية،
عبروا عن قدرة
عالية على التحمل
والصبر
والابتعاد عن
رد الفعل. وبدلا من ان
يقدر النظام
هذا الموقف ويوليه
القدر الذي يستحقّه
من التفهم، ويشرع، بالتالي، في البحث عن
مخرج يجنب
البلاد السير نحو
مواجهة
داخلية، فان
القائمين
عليه
والمستفيدين
من هذا الوضع
الشاذ، مازالوا
يصرون على تدفيع
السوريين
الفاتورة اضعافا
مضاعفة. والملاحظ
هنا ان
هؤلاء لا يريدون ان
يتعلموا او
يستفيدوا من
دروس الاخرينٍ، وعلى وجه
الخصوص الدرس
العراقي
البليغ والمعبّر، حيث جر تعنت
الرئيس
العراقي
السابق صدام
حسين، وسوء تقديره
الويلات
لبلاده
والمنطقة على
السواء. فلو انه قبل
بحل عراقي
داخلي منذ
سنوات لما
وصلت الازمة
الى حد
الانفجار
والحرب. وفي ذات
الوقت لا يبدو ان
الحكم السوري
في وارد
الاتعاظ باخطائه
الفادحة التي
كلفته غاليا، وخصوصا
في لبنان. لذا يستمر في
منطق
الحسابات الخاطئة
المدمرة. وهنا يصبح من
المفيد بمكان
الحديث عن
ثلاث فرضيات او اوراق
يراهن عليها
النظام
السوري
لخروجه
منتصرا من
المأزق
الحالي.
الأولى
هي ضعف امكانية
شن هجوم عسكري
اميركي
كبير على
سوريا بسبب
انشغال
الولايات
المتحدة في
العراق. فعدم حسمها
الموقف
عسكريا
لصالحها حتى
الآن، يبعد اي
احتمال
للدخول في ترتيبات
حرب لاسقاط
النظام
السوري بوصفه
كان يشكل هدفا
ثانيا وسهلا
لواشنطن بعد
احتلال بغداد.وهذا
هو السبب الذي
يفسر سر الحبل
السري ما بين النظام
في دمشق والاطراف
التي تتبنى استرتيجية
العمل المسلح
في العراق.لقد
تبين تهافت
هذه الفرضية
لسببين،الأول
ان الاميركيين
بدل ان
يهاجموا
النظام
السوري
عسكريا من
العراق، هاجموه
سياسيا من
لبنان وجردوه
من الورقة اللبنانية
خلال وقت قصير، ومن
دون ان
يخسروا شيئا. والامر نفسه ينسحب
على الورقة
الفلسطينية. الثاني، ان الولايات
المتحدة ليست
في وارد
التراجع او
الانسحاب من
العراق. وتدل
المؤشرات
كافة انها
مصممة على دفع
الثمن مهما
بلغ من اجل
كسب المواجهة
المسلحة. ان الامر
يشبه هنا لعبة
القمار في الكازينو. فاللاعب
مهما بلغ من
الشطارة وقوة
الحظ، لن يكون
بوسعه ان
يكسب اللعبة
على المدى
الطويل. ان الذي
بمقدوره ان
يغطي خسارته
دون توقف هو الكازينو
وليس اللاعب. ومن دون شك
فان الذي يمثل
دور الكازينو
هو الولايات
المتحدة.
تتمثل
الورقة
الثانية في
نظرة النظام
السوري الى
واقع المعارضة
السورية. فهي اولا
ضعيفة وغير
قادرة على
تحريك الشارع او
الاتفاق على
برنامج عمل
لمواجهة مع النظام.
وفي
المقام
الثاني هي
معارضة وطنية
ترفض وضع يدها
بيد الولايات
المتحدة
لتغيير
النظام على
غرار نظيرتها
العراقية
التي وفرت
الغطاء للتدخل
الاميركي
في العراق. لا تصمد هذه
الفرضية
بدورها امام
التطورات المتسارعة، فضعف
المعارضة
السورية يجري
قياسه تبعا
لوزن الاحزاب
السياسية وانصارها
انطلاقا من الملفّات
التي تمتلكها اجهزة الامن.
لكن يفوت
النظام ان
يقدر حجم
المعارضة
خارج الاحزاب
المتداولة. فالجماهير
التي نزلت الى
الشارع في
بيروت يوم 24 اذار
تنتصر لنداء
المعارضة
اللبنانية لم
تقم بذلك بناء
على امر
من هذه
المعارضة،.كما هو مؤكد ان
غالبيتها
العظمى
غير مؤطرة
في احزاب
المعارضة. اما في ما يتعلق بامكانية ان تلجأ
المعارضة
السورية الى
طلب المساعدة الاميركية
فذلك امر
مرهون بالتطورات
اللاحقة.
فاذا استمر
النظام في اتباع
سياسة القبضة
الحديدية
فليس امام
قوى المعارضة
وهيئات
المجتمع
المدني الا
اللجوء الى
حشد تضامن المجمتع
الدولي، ولن يكون
ساعتها بوسع
احد
ان يتحكم
بمفاتيح هذه
اللعبة. فالنظام
الذي احتكر
التعامل مع الاطراف
الدولية طيلة
العقود الماضية
وحرمه على
بقية
السوريين من
باب المزايدة
بالوطنية، سوف يجد حكما
من يتجاوزه في
الاتجاهين،حين
تتغير قوانين
اللعبة، وتختلف معها
المواقع
والمفاهيم
وزوايا النظر.
الورقة
الثالثة هي الاخيرة
في رصيد
النظام
السوري، وهي ورقة الامن. تراهن
السلطة على نجاعة
آلتها الامنية
في منع اي
حراك جماهيري
قد يؤدي الى
هز النظام.هذه
الآلة يتم توظيفها
كوسيلة وحيدة
في المرحلة
الراهنة
للحيلولة دون
السوريين
وحقهم في
التعبير السياسي
الصريح، في ما يتعلق
بمستقبلهم. انها الواسطة
الوحيدة ما بين
الشارع
والنظام. وهي
درجت منذ عقود
ملء هذه
الفجوة بأصناف مختلفة من
العقوبات، وكان احد اهدافها
الاساسية
هو اقصاء
الكتلة الاساسية
من المجتمع
السوري عن
السياسة. وهي تحاول جاهدة اليوم
الاستمرار في اداء هذه
الوظيفة. لكن الحدث
اللبناني كسر
جدار الخوف، ولن يعود
السوريون الى
الوراء. ومثلما سبق
وان اشرنا اعلاه، فان الحدود واهية
جدا بين تحول
هذه الورقة من
حصن حماية للنظام
الى مأخذ لتجريده من
عناصر قوته.
bacha@noos.fr