![]()
14 مايو 2005
لبنان: إنسحاب
سوري جدير
بالصمت
هل
بالغ
اللبنانيون
عندما
احتفلوا على
نحو استعراضي
برحيل الجيش
السوري عن
بلادهم،
ورفعوا هذا
اليوم إلى
مصاف يوم
الاستقلال؟ ألم
يخامرهم الشك
بأن هذا
السلوك يمكنه
أن يجرح مشاعر
السوريين،
الذين رأوا
الجيش الذي
ضحوا كثيرا في
سبيل بنائه يُطرَد
على هذا
النحو، وبالتالي
يمكن لذلك أن
يعكس نفسه على
العلاقات
المستقبلية
بين الشعبين، بعيدا
عن الجانب
الراهن
للحدث؟. بوسع
المتأمل
الحيادي أن
يقف على ماهو
أكثر من
المبالغة من
جانب
اللبنانيين. انه
استفزاز وصل
في بعض
الأحيان إلى
إلحاق الاهانة
بالسوريين
عموما، من دون
تفريق بين
عناصر
مخابرات
النظام التي سامت
اللبنانيين
شتى أصناف
القهر
والإذلال، والعمال
الذين استفاد
الاقتصاد
اللبناني من
قوة عملهم
الرخيصة. كان
منطق الأمور
يقضي بان تطرد
الفئة
الأولى، ويتم
التعاطي مع
الثانية على
قدر من التفهم. لكن
الغالبية
اللبنانية
كانت تصرخ في
الشارع بصوت
عال محمول على
نبرة واضحة من
التحدي والثأر: "سوريا
اطلعي برا". لقد
شهدت
العلاقات
الثنائية
أزمات كثيرة
في السابق،
لكن أيا منها
لم تلق بظلال
بالغة الأثر كالتي
خلفتها الأزمة
الراهنة. وقد يقول
قائل هنا، انه
لم يسبق
لواحدة من أزمات
الماضي أن
دامت نحو
ثلاثة عقود
وأخذت شكل الاحتلال
المباشر، وهذا
أمر صحيح
يستدعي طرح
سؤال من نوع: هل كان
الدور السوري
في لبنان شرا
مطلقا من البداية
وحتى
النهاية،
وليس فيه بعض
الجوانب الايجابية
التي تغفر له
قسطا من
الأخطاء
الكبيرة؟ لا
تبدو الإجابة
على هذا
السؤال سهلة
إلى الحد الذي
يعتبرها
البعض
بديهية، وهذه
مسألة يمكن تلمسها
من خلال
مظهرين
بارزين. الأول، هو
انكفاء
وارتباك
"أصدقاء"
سوريا في
الأسابيع
الأخيرة
وفشلهم في عكس
أي جانب
ايجابي للعلاقة. فبالإضافة
إلى سلسلة
الأخطاء التي
وقعوا فيها،
وهي لا تقل فداحة
عن أخطاء
حليفهم
وصديقهم
السوري، وفي
الوقت الذي
كان يتوجب
عليهم أن
يوفروا للشقيقة
سوريا
التغطية
الملائمة في
ظرف من هذا النوع،
فهم إما
اختفوا من
المشهد فجأة و
لم يعد يعثر
لهم على أثر،
أو أن أداءهم
كان باهتا ومضعضعا. وتكفي
مراقبة ردود
فعل الأمين
العام لـ "حزب
الله" حسن نصرالله
وحدها معيارا
للحكم في هذه
القضية بوصفه
من أكثر حلفاء
سوريا إخلاصا. فالحزب
الذي قدم
نموذجا
للمقاومة
وحقق مأثرة
كبيرة، عبر طرد الاسرائيلين
من جنوب
لبنان، كاد أن
يخسر ذلك
ويتحول على يد
أمينه
العام من رمز
للمقاومة إلى
قوة تهديد
للشعب اللبناني
حين بدأ في
الأيام
الأولى من
"انتفاضة
الاستقلال"
عرض قوة هدفه
مصادرة
الشارع عدديا،
قبل أن تحسم
المعارضة
الأمر بتظاهرة
المليون ونصف
المليون. من جانب
آخر،
غامر السيد نصرالله
بالرصيد
العالي
للحزب، حين
حاكى خطباء
المناسبات في
سوريا و نزل
خطابه إلى مستوى
ضعيف من
المباشرة
الجارحة، باستعارته
للشعار
البائس، الذي
يختصر القسم
الأكبر من
معاناة الشعب
السوري:
"سوريا
الأسد". كان
بوسعه أن
يدافع من دون
حرج عن الحلف
الذي ربط حزبه
مع سوريا طيلة
هذه السنوات،
وذلك أمر يخصه
رغم انه ليس
بوسعه أن ينفي
عن هذا الحلف
صفات كثيرة
ليست في
صالحه، وكذلك
امتداد خيوطه
إلى تشابك
العلاقات السورية
الإيرانية. لكنه
جرح شهادته
حين عمد إلى
استعارة خطاب
النظام في
دمشق، الذي
يريد أن يثبت
في الذاكرة
الجماعية أن
سوريا وآل
الأسد
متلازمان.
ولعل الهدية
التي قدمها
السيد نصرالله
إلى رستم
غزالة، وهي
بندقية
إسرائيلية
غنمتها
مقاومة"حزب الله"
في غير محلها. لأنه،
أولا، يرمز
إلى المقاومة
بمعناها
النبيل، في
حين ارتبط اسم
غزالة
بممارسات
إذلال اللبنانيين. ثانيا،
انه على الأقل
أهدى نصرا
جادت به
التضحيات اللبنانية
إلى ضابط
مخابرات يخلو
سجله من غير
الانتصارات
التي حققها
على الشعبين
اللبناني
والسوري. إن هذه
الهدية لو
عرفت طريقها
إلى قائد القوات
السورية في
لبنان لما
لقيت من
الاحتجاج
والاستنكار
القدر الذي
عرفته. ومن
المؤكد أن هذه
الالتفاتة
ما كانت
لتغيب عن شخص
حصيف وعالم بـ"الاتيكيت"
مثل السيد نصرالله الذي
أقدم على خطوة
رمزية فهم
منها الكثير
من المراقبين
بأنه يهدي نصر
المقاومة إلى
المخابرات
السورية. قد لا يكون
الأمين العام لـ"حزب
الله" قصد
ذلك، إلا انه
من خلال
المحاولة
التي كان يروم
منها رد
الاعتبار إلى
حليفه
السوري، فإنما
سار في اتجاه
معاكس لسياق
الشارعين
اللبناني
والسوري، مما
أثار أمارات
عدم رضا
وتململ داخل
محيطه الشيعي
الذي شرع يدفع
عن نفسه بإشكال
مختلفة، شبهة
"الموالاة"
لسوريا من دون
شروط، في
الوقت الذي
يضيق من حولها
طوق العزلة
العربية
والدولية، ويتعاظم
حجم الشائعات
عن مسؤوليتها (رستم
غزالة) في
اغتيال
الرئيس رفيق
الحريري. إن
اختيار مثال
السيد نصر
الله هنا ليس
من قبيل توجيه
النقد والعتب
إليه لوحده، بل
لكي لا نذهب في
اتجاه الحديث
عن المستوى
المتهافت لبقية
أصدقاء
وحلفاء سوريا
في لبنان، الذين
تحولوا إلى
أدوات أمنية
في مشروع الوصاية
السوري على
لبنان.
يتمثل
المظهر
الثاني من
مظاهر الخلل
التي رافقت الانسحاب
السوري من
لبنان
بالأداء
السوري نفسه. لقد
بدت سوريا
مكشوفة على
نحو لا يمكن
تخيله، وعلى
جميع
المستويات. وفاقدة
لأية إمكانية
للمبادرة أو
المناورة أو
حتى الدفاع عن
النفس. إنها، ومنذ
أن حصلت جريمة
اغتيال
الحريري، أخذت
موقف الذي
يتلقى الاملاءات
وينفذ من دون
أي اعتراض أو
مناقشة، وتحت
بند
الاستجابة
للشرعية الدولية
وتفويت
الفرصة على
المتربصين. ومن
خلال خطاب
إعلامي عاجز
عن التعاطي مع
مجريات الإحداث،
تكشفت العيوب
السورية التي
تسترت طيلة
هذا الوقت
وراء الترهيب
والفظاظة والقمع. لقد بدت الاستجابة
السورية
لجانب
الانسحاب في
قرار مجلس
الأمن 1559، بمثابة
الاعتراف
بمفعول القوة. فلولا
الضغط الدولي
والتصميم
الذي لاحدود
له ما كان
يمكن للجيش والاستخبارت
السورية ان
يغادرا
التراب
اللبناني وفي
مهلة زمنية قل
نظيرها. لقد كان
وزير
الخارجية
السوري فاروق الشرع
يطالب في مطلع
السنة بعامين (حديث إلى
محطة سي ان
ان)
لتحقيق
الانسحاب "لأسباب لوجستية". ثم
نزل السقف في
خطاب الرئيس
السوري بشار
الأسد أمام
مجلس الشعب في
آذار (مارس) الماضي
إلى ستة أشهر، وعلل
الأمر بأسباب
تقنية. لكن حين
تبين لسلطات
دمشق مدى جدية
الموقف الدولي
فان انسحاب قواتها
وأجهزتها لم
يستغرق حتى
أسبوعين. وسقطت
بذلك الأسباب اللوجستية
والتقنية،
ومعها التهويلات
التي كانت
تراهن على
إمكانية
انقسام الجيش
اللبناني،
وعدم قدرته في
سد الفراغ
الأمني الذي
سيتركه
الانسحاب
السوري. يستدعي
الأمر في
نهاية المطاف الإشارة
إلى نقطتين
هامتين، هما
الشروط
المجحفة للانسحاب،
والطريقة
المهينة التي
تم بها. في ما
يخص الجانب
الأول كان
يمكن لسوريا
التي دخلت قواتها
إلى لبنان
بقرار عربي
ودولي، أن
تنسحب وفق هذا
الفهم وعلى
أساس آلية تراعي
اللياقات
والأصول
وتحفظ مكانة
سوريا وشعبها
الذي تبين انه
هو من تلقى الاهانة، لا ان تخرج
مطرودة في جنح
الظلام من دون
أن يعترف لها
بأي موقف ينصف
على الاقل 12 ألفا من قواتها
سقطوا في
لبنان. إن
هذه التضحية
تستحق الوقوف
أمامها،
وبدلا من مئات
التماثيل
التي كان يراد
لها تخليد
حافظ الأسد
وأنجاله، فان
هؤلاء الجنود
هم من كان
أولى
بالتكريم. تتعلق
النقطة
الثانية
بالشكل، وهو مهم
جدا في هذه
الحالة. وتكفي
هنا الإشارة
إلى صورة على
جانبي الحدود
السورية
اللبنانية
لإظهار
مفارقة لا يمكن أن
تنطبق على حكم
قدر انطباقها
على الحكم
السوري. فمن
الطرف
اللبناني كان
هناك من يحتفل
لأنه استعاد
حريته، وهذا
أمر لا يمكن
وضع ضوابط له
حتى لو وصل
إلى حدود
المبالغة. لقد
انتظر
اللبنانيون
طويلا هذه
اللحظة، لذا لا غرابة
في شطط البعض. لكن
الذي ظل من
غير المفهوم
هو المظاهر
على الجانب
الآخر من
الحدود. التي
عبرت عن نفسها
من خلال
الاستقبال
الذي جرى لهذه القوات
المطرودة من
لبنان بعد
فشلها الذريع
في أداء
مهمتها، والمحافظة
على صلة
احترام مع
الشعب الذي
أحسن
استضافتها
طيلة هذا
الوقت،
والغريب في
الأمر هو الفرح
الذي أراد أن
يعكسه الاستقبال. ألم
يكن الصمت أجدر
بهذه اللحظة
من أي تعبير
آخر؟. إن الاستخفاف
بالسوريين من
طرف النظام
الحاكم هو
الذي قاد إلى
هذه الهاوية
العميقة التي
تبدو من دون
قرار.
خاص/الرأي