6 أغسطس 2006

 

 

 

 

 

سوريا وحق الرد

في الزمان والمكان المناسبين !

بشير البكر

 

شاعت في الآونة الأخيرة في باريس نكتة  في صيغة سؤال : ماذا لو قامت اسرائيل بمهاجمة سوريا في هذا الوقت،كيف سيكون رد فعل دمشق؟.الجواب هو، انها سوف تحتفظ بحق الرد في المكان والزمان المناسبين. يستدعي هذا المزاح الاسود الضحك فقط ، وشر البلية ما يضحك!. فلا اسرائيل في وارد مهاجمة سوريا، ولا النظام السوري قلق من هكذا احتمال. لكن السؤال الذي يجب أن يطرح هنا هو، لماذا لم يحدد الحكم السوري موقفا واضحا من الحرب الاسرائيلية على لبنان.؟ إن المراقب لمجريات هذه الحرب منذ يومها الأول، يستطيع أن يحصي عشرات  المواقف الصريحة والواضحة لاطراف اقليمية ودولية، لكنه لايجد موقفا سوريا يرقى الى خصوصية العلاقات السورية اللبنانية. ليس هناك سوى نثار تصريحات انشائية ركيكة على المستوى الوطني لاتلزم النظام بشيء، ومزايدات لفظية بائسة تعود الى المدرسة البعثية سيئة الذكر.

 

لا يمكن اعتبار التصريحات التي صدرت عن بعض المسؤولين السوريين موقفا يحسب له التاريخ حسابه،لأن المطلوب من سوريا أكثر من مجرد التضامن اللفظي، واصدار بيانات الاستنكار والتنديد وتسيير التظاهرات بأمر من أجهزة المخابرات. لقد ساد الاعتقاد في بعض الاوساط، بأن النظام السوري سوف يهب لمساندة حزب الله حليفه الرئيسي في لبنان، وتأكيدا لذلك  صدرت عن الأمين العام حسن نصرالله عدة اشارات في هذا الاتجاه، طيلة الاسبوعين الأولين من الحرب، لكنه يأس وصمت. والسبب الثاني هو، ان لبنان البلد الشقيق له دين دائم على سوريا لتقف بجانبه في وجه اي عدوان، نظرا لاعتبارت كثيرة أقلها ،هو تطبيق بنود معاهدة التعاون المشترك، التي وقعها البلدان في أيار سنة 1991، وأتاحت للنظام السوري التحكم بمقدرات لبنان من الناحية القانونية،وهو بقي يطالب بتطبيق بنودها حتى بعد خروج قواته من لبنان، بوصفها صك اذعان، وليست اتفاقية أخوة، كما جرى التفاهم من حولها.

 

لماذا تحركت طهران على المستويين الاقليمي والدولي،وبقيت دمشق معزولة ولم يطرق بابها غير وزير خارجية اسبانيا، وذلك رغم سيل العروض التي قدمتها لاسرائيل والادارة الاميركية.هل سلم النظام السوري بأن ايران معنية بلبنان اكثر من سوريا،فانكفأ،ولم يقف حتى للدفاع عن مقولته التي صدع رأس العالم بها لعدة عقود،وهي إن أمن سوريا من امن لبنان.وهل انتهت اسطورة شعب واحد في دولتين؟ وطالما اننا شعب واحد، لماذا يستقتل النظام السوري للوصاية على لبنان في السراء،ويدير له ظهره في الضراء.؟

 

إن اللافت في الامر هو ان بشار الاسد الذي ملأ الدنيا ضجيجا خلال الفترة الأخيرة،وكانت له صولات وجولات خطابية بمناسبة ومن دون مناسبة اختفى من على المسرح، ولم يظهر إلا نادرا، ويحكي قادمون من دمشق بإن السوريين رصدوه في جولات عائلية، وهو يقضي اجازته الصيفية باستماع شديد، فيما يرزح لبنان الذي استثمره ضباط العائلة والطائفة الحاكمة لثلاثة عقود، تحت آلاف الاطنان من قنابل الدمار الاسرائيلية.

 

هل يمكن تبرير هذا التخاذل والصمت تجاه تدمير لبنان، بالتشفي فقط، مثلما سبق لوليد جنبلاط أن ردد اكثر من مرة ، مذكرا بالعهد الذي قطعه بشار الاسد على نفسه امام الحريري، بانه سوف يدمر لبنان،أم ان هناك اسبابا اخرى ابعد واعمق؟

 

لقد لفت الانتباه ان عدد التصريحات التي صدرت خلال هذه الحرب، عن مسؤولين اسرائيليين بعدم مهاجمة سورية بلغ رقما قياسيا. ولعله من المفيد الاشارة الى ان مرجعية هذه التصريحات التطمينية هو  الاجتماع المصغر الذي اتخذ قرار الحرب ضد لبنان، بعد خطف حزب الله  للجنديين الاسرائيليين في الثاني عشر من الشهر الماضي. لقد كان الهدف من الاجتماع المذكور هو اتخاذ القرار المناسب بالرد على تلك العملية. كان رأي مسؤول الموساد هو ضرورة ضرب  سوريا،لأن ذلك هو السبيل الوحيد لردع حزب الله ، لكن نائب رئيس الوزراء شمعون بيريس عارض هذا الاقتراح ،ورأى بضرورة شن الحرب ضد لبنان.

 

تكمن دلالة هذا الموقف في نقطتين : الأولى ان الجيل القديم من الساسة الاسرائيليين مايزال يعمل، وفق منطق التفاهم التقليدي القائم مع دمشق، الذي يقضي بعدم تهديد امن اسرائيل لا من  جبهة الجولان ولا عبر لبنان. وبالتالي، إن التفاهم السري بين دمشق وتل ابيب مايزال ساري المفعول،وجرى العمل به خلال الحرب الأخيرة. والنقطة الثانية، هي ان تل ابيب لايهمها من دمشق سوى استقرار النظام، وقد افهمت النظام ذلك منذ اليوم الأول للحرب.

 

حين رويت نكتة الاحتفاظ بحق الرد لأحد الاصدقاء العائدين من دمشق قلب العروبة النابض، وعاصمة التصدي والصمود، قال لي انه سمع في دمشق أحاديث واسئلة تدور في نفس الجو، ونقل لي موقف اوساط النظام منها. فهم مايزالون يرددون الاسطوانة المشروخة، ويعتبرون ان كل حديث في هذا المضمار هدفه توريط سوريا،وجرها الى مواجهة غير محسوبة النتائج مع اسرائيل.

 

لقد رفضت سوريا لعدة مرات الانجرار الى مواجهة لاتحدد زمانها ومكانها. في سنة 1978 تركت اسرائيل تحتل جنوب لبنان ولم تطلق رصاصة واحدة، وفي الوقت نفسه لم تتعرض اسرائيل للقوات السورية، التي كانت منتشرة  على القسط الباقي من الارض اللبنانية، وتبين اننا لسنا بحاجة الى اتفاقات مكتوبة بين دمشق وتل ابيب حتى تشهد على الاحتلال المشترك للبنان. وفي سنة 1982 اجتاحت اسرائيل لبنان ووصلت الى بيروت، فانسحبت امامها القوات السورية من مناطق الجبل، واخلت لها الطريق عوض ان تقف في وجهها. وهاهي اسرائيل اليوم تدمر لبنان.لكن النظام السوري لايتحرك، لأن ساعة المواجهة لم تدق بعد! قد يكون سليما من الناحية المنطقية ان يقوم هو بتحديد هذه الساعة، لكن أن تبقى هذه الساعة مفتوحة، فإن ذلك يتجاوز تهمة التهرب من تحمل المسؤولية.

 

إن النظام الذي كذب طويلا على السوريين تحت بدعة التوازن الاستراتيجي، ينفضح اليوم أمام سقوط ساعة المواجهة. وطالما انه لم يتحرك اليوم ، فإنه لن يتحرك في يوم آخر. لايريد منه أحد أن يقوم بالدفاع عن لبنان، بل فتح جبهة الجولان على الأقل، كي تكتسب عملية المطالبة باستعادة الأرض السورية المحتلة مشروعية.

 

لقد أكدت الحرب الاسرائيلية على لبنان،أن لاهم لهذا النظام على المستوى الوطني العام، فشغله الشاغل هو الحفاظ على حكم الطائفة،ومن بعد ذلك على الدنيا السلام! لكن من حسنات هذه الحرب انها كشفته حتى النهاية، واسقطت عنه آخر اوراق التوت. ولأنه يقف متفرجا على ما يحدث في فلسطين ولبنان ،فإنه لن يحظى بأي تقدير او تعاطف من طرف أحد في العالم العربي.

 

 لم ينل منه اللبنانيون حتى المساعدة البسيطة في استقبال الهاربين من آلة القتل والدمار الاسرائيلية.وقد خضع  مهجرون لبنانيون قصدوا سوريا،  لاساليب الابتزاز المالي وغير الأخلاقي لهم. الى حد فضل البعض منهم العودة الى لبنان للعيش في ظروف صعبة، على الخضوع لامتهان اجهزة المخابرات السورية ، التي كان همها السطو على المدخرات البسيطة، التي بقيت لهؤلاء المنكوبين.بل هناك معلومات دولية تؤكد سطو بعض المسؤولين على المساعدات المقدمة للضحايا في لبنان،ولطمس هذه الحقائق تعمد القوى المؤثرة في النظام  تسييس المساعدات،ومثال ذلك رفض استقبال سفراء الامم المتحدة للنوايا الحسنة.وتسيير تظاهرات باسم المهجرين تحت شعار: المهجرون يعرفون من يخدمهم ويقف معهم بشكل حقيقي، والمقصود من ذلك النظام السوري.

 

إن ما لم يلحظه النظام السوري هو، انه مهما كانت نتيجة الحرب على لبنان فإن هامش المناورة الاقليمية ضاق من امامه،وسقطت من يده الورقة اللبنانية في صورة نهائية.

 

bacha@noos.fr

 

 للتعليق على الموضوع