![]()
18 يوليو 2005
سوريا ومحنة
التوريث
ليس من
المبالغة
القول ان
سوريا تحولت الى ملكية
عائلية. ولم
تكن فضيحة
التوريث سنة 2000
حين تم تعديل
الدستور، وتغيير
القوانين من
اجل تنصيب
بشار الاسد خلفا لابيه،
الا حلقة
من حلقاتها. لقد
برهنت الاحداث
ان الاب
كان يتصرف على
اساس ان
هذه البلاد
عبارة عن
مزرعة تعود ملكيتها
له وحده، لا ينازعه
فيها احد، لذا من
حقه ان
يورثها لابنائه
من بعده، من
دون مراعاة
حتى ابسط اللياقات
التي تستدعي استشارة
سكانها، على
غرار ما كان
يقوم به اقطاعيو
القرون الوسطى، الذين درجوا
على التشاور
مع الفلاحين
والعبيد حين
كانت تحصل
عمليات نقل
للملكية من الاباء الى الابناء،
ويطلبون
رأيهم في ما اذا كانوا
يرغبون
الاستمرار في
العمل مع
السيد الجديد.
لم يرد الاسد
ان يراعي
خاطر
السوريين
ويستفتيهم في
توريث احد انجاله،
لطالما انه
على قناعة بأن
جبل
الاستكانة
الذي شيده
بالخوف راسخ
ولن يتحرك اذا
لم تحصل هزة ارضية. وليس من قبيل
المصادفة انه
اتخذ قراره،
دون ان
يعود
للجماهير
التي بحت
حناجرها وهي
تهتف "للقائد بطل
المسيرة". بل انه فعل
ذلك ضمن حدود
واعية جدا
للقصد، وضمن سياق
لعبة الترويض
التي وطدها
بالرعب، وسط
فقدان الناس اي أمل
بالمستقبل.
كانت عملية
توريث الابناء
محسومة بالنسبة
للاسد
منذ زمن طويل،
ويعود بها
الوقت الى
مطلع عقد
الثمانينات. فغضبه
من شقيقه رفعت
وقراره طرده
من سوريا ومعاملته
بقسوة حينذاك، لا يمكن
تفسيره الا في
هذا السياق. لقد
كان يعرف ان
شقيقه الشره الى
السلطة
والمال
والمفرط في استخدام
النفوذ هو
الشخص الوحيد
الذي يمكن
له عرقلة
العملية. لذلك
حكم عليه
بالنفي، وفكك
الاجهزة
التي كان قد
كونها لدعم
النظام لكي لا
تخامره فكرة
استخدامها في
انقلاب. كان
في بداية الامر
يعد نجله الاكبر
لخلافته في
الحكم، لكن
القدر غير
اتجاه الرياح
حيث سقط باسل
صريع حادث سير
سنة 1994. فآلت
الخلافة الى
شقيقه بشار
الذي تقول
الروايات ان
والده تقصد ابعاده عن
لعبة الحكم
ووجهه نحو
العلوم. لقد
اضطر الاسد
الى اقحام
بشارفي
الميدان
السياسي
محترما تراتبية
السن، ولو
لم يبد
استعدادا
كافيا لحمل الامانة، ويتمكن من
استيعاب
الدرس بسرعة
لكان
الاختيار وقع
على شقيقه
ماهر الذي
يليه في سلم
العمر.
ان اصرار الاب على
تولية احد انجاله
في مكانه، لا ينفي فقط الاطروحة
التي راجت بعد
وفاته مباشرة
ومفادها ان
تولية بشار هي
ضرورة
انتقالية
للمحافظة على البناء
العام من
التصدع بعد
رحيل مهندسه، بل
هو في العمق
تعبير عن
قناعة في ان
سوريا اصبحت
مطوبة
على اسمه. وبالتالي
ان
الشعار
المرفوع في كل
مكان، ويقول "سوريا
الاسد" هو
ليس من قبيل الاراجيز
التي جادت بها
قريحة مداحي الاجهزة
لتمجيد
القائد الذي اسبغت
عليه موسوعة
كاملة من
النعوت
والصفات، التي تماهي
بين شخصه
والبلاد واهلها. ان ما يراد به هو
معناه الحرفي
بالضبط. والا لما تصرف افراد
العائلة
مجتمعين على
النحو
المعهود، اي
التسابق على الغرف من
المال العام
دون اي
شعور بالحرج. فهم
ينطلقون
جميعا من واعز
واحد هو الحصة
في المزرعة. وتحت هذا
البند اثروا
جميعا، الاشقاء
الكبار رفعت
وجميل، والابناء.
بل امتد سيل
النهب الى
النسابة من آل
مخلوف
الذين بزوا
الجميع على ما يبدو. ان اعلان
رفعت عن قرار
العودة في الاونة
الاخيرة
يصب في هذا
الاتجاه، فمنطقه
يقول طالما ان بشار
فشل في ادارة
المزرعة، فلماذا
لا يوكل الامر
لي بوصفي العم
المجرب
المشهود له، وصاحب
الصولات
والجولات. فلو ان
دافعه الفعلي انقاذ
البلاد من
حالة التردي
التي وصلت اليها،
ولو كان موقفه
يصدر عن شعور منزه فوق
الغايات
والحسابات
الذاتية، لكان
اعترف بالسبب
الحقيقي
لانسداد
الآفاق امام
سوريا اليوم. انه
يدرك اكثر
من غيره على
من تقع
المسؤولية، لان
قسطه منها لا يقل عن حصص
بقية الذين
نهبوا الثروة
الوطنية، وارتكبوا
المجازر بحق الابرياء
من السوريين، وخصوصا
مجزرة سجن
تدمر التي مرت
ذكراه الـ25 في الشهر
الماضي.
لم يكن توريث
الحكم من دون اضرار
كبيرة لحقت
بالسوريين
الذين باتوا
مثارا للتندر
ومضربا للمثل
في الاستهتار بالاعراف
والدساتير. فهذه
هي الجمهورية الاولى في
العالم
العربي التي
يتم فيها
تداول الحكم
وفق النسق
الملكي، وذلك على
رغم ان
احد اركان
ايديولوجية
الحزب الذي
يحكمها تقول
بحتمية تقويض"الانظمة
الملكية" في
المنطقة
وتعتبرها
رجعية
ومتخلفة بسبب
تقليد توريث
الحكم. ان
هذه السابقة
لم تكن وبالا
على السوريين
فقط، بل
فتحت شهية
معظم
الجمهوريات
العربية التي ولدت
من رحم
الانقلابات
العسكرية، كمصر
وليبيا
واليمن، للاحتذاء
بالنموذج
السوري
والسير في
الطريق الذي
اختطه حافظ الاسد، وهو
يقوم على
قاعدتين حكم
مدى الحياة، وخلافة
الابن. ولهذا
السبب يجري
الحديث عن
خلاف صامت بين
الرئيس
المصري حسني
مبارك ونجله
جمال، الذي
يحاول
بمساعدة من
والدته اقناع
الاب
بعدم الترشح
لولاية
رئاسية جديدة،
وترك الفرصة
له. لكن الاب مصر
على عدم
الانسحاب من
الحكم طالما
انه ما يزال على قيد
الحياة. فالرجل الذي
رفض حتى الان
تعيين نائب له
لن يقبل
التنازل عن
الحكم حتى الى
نجله. والامر
ذاته ينطبق
على القذافي
الذي يحضر
نجله سيف الاسلام
الذي بات يمسك
بمفاتيح جميع الاجهزة
التي يستمد الحكم
منها مصادر
قوته، وليس بعيداً عن هذا أن اصبح العقيد احمد
علي عبدالله
صالح نجل
الرئيس
اليمني الرجل
الثاني، بعد
والده. لقد
قبل السوريون
المسألة على مضض، وتحت
بند ان
بشار الاسد
هو "الضمانة" لعدم
انفجار نزاع
على التركة
بين الاجهزة
التي كانت
وسيلة والده
في الحكم. وسرت تكهنات
انه الوحيد
القادر على
تفكيك هذه الاجهزة
من دون ان
تدفع البلاد
غاليا ثمن
الانتقال الى
الديمقراطية،
وتتعرض الى هزات. ومما
جعل غالبية
السوريين
يصدقون هذه
الحيلة
ويبلعون
الطعم، بدل ان ينزلوا الى
الشارع
يطالبون
باستعادة
حقوقهم
المسلوبة، هو ان الرئيس
الجديد بدأ
عهده بالحديث
عن الاصلاح
ومحاربة
الفساد واشاعة
الحرية. لذا
انتشرت"المنتديات"
تحت يافطة ما اطلق عليه "ربيع دمشق" الذي
لم يعمر طويلا،
حيث انقلب
الوضع بسرعة
قياسية الى
اسوأ مما
كان عليه في
عهد الاب. صحيح
ان عهد
بشار شهد الافراج
عن بعض
السجناء
السياسيين، لكن
اخلاء
السبيل شمل
بعض من قاربت
مدة حكمهم على
الانتهاء
بغرض الدعاية، ولم يكن في اطار توجه
جاد لاغلاق
ملف الاعتقال
السياسي. والدليل
على ذلك انه
وضع ابرز رموز
"ربيع دمشق" النائب
رياض سيف في
السجن، واتبعه
بكل من تعرض
له بالنقد مثل
النائب مأمون الحمصي والاستاذ
الجامعي عارف
دليلة، والناطق
باسم "منتدى الاتاسي" حبيب
عيسى.
ان محنة سوريا
الفعلية تكمن
في هذا المطب
الذي دخلته
بعد رحيل الاسد. فبدلا من القيام
بتعديل
دستوري يحدد
عدد ولايات
الرئيس، ويسقط عن
حزب البعث حق
مصادرة هذا
الموقع، تم
تعديل
الدستور من
اجل تسهيل
تعيين بشار في
مكان والده عن
طريق
الاستفتاء
وليس بالانتخاب
الحر المباشر.
لقد ساد
الاعتقاد بان المؤتمر
القطري
العاشر لحزب
البعث الذي
انعقد الشهر الماضي
سينهي احتكار
السلطة، ويفتح
المجال امام
تعددية تشمل
حتى منصب
الرئيس. الا انه لم
يقترب حتى من
مجرد اثارة
هذه النقطة. واذا اخذنا
بعين
الاعتبار انه ثبّت احتكار
منصبي رئاسة
الوزراء والبرلمان لقيادات
البعث، فان
الطريق تبدو
طويلة لاثارة
قضية التوريث.
الا ان
ذلك لا يعني، في كل
حال، استمرار
صمت السوريين
من حولها
وكأنها قدر لا راد له. انها
قضية يجب ان
توضع في مقدمة
قضايا
التغيير
المطروحة على
جدول اعمال
المعارضة
وهيئات
المجتمع
المدني، لا سيما وان السنوات
الخمس
المنصرمة من
حكم بشار الاسد
لم تكن في
مستوى الوعود
والطموحات.