30 مايو 2005

 

 

سورية: الطريق الثاني

بشير البكر

 

يأخذ رافضو التغيير الشامل في سوريا من حال التدهور الأمني في العراق حجة وفزاعة لإبقاء الأوضاع على ما هي عليه، ويبذلون قصارى جهدهم لإقناع الشارع العام بأن الإصلاحات الشكلية لتحسين صورة النظام الأمني، وتحقيق بعض الانفراجات السياسية المحدودة تكفي في الوقت الراهن، ويتعللون بان الذهاب ابعد من ذلك نحو إحداث تغيير عميق في بنية النظام سوف يقود إلى الفلتان ويؤدي إلى الفوضى. ولا يخفون قناعتهم بان ما ينعم به السوريون من امن حاليا هو بفضل سياسة القبضة الحديدية. وباتوا يفاخرون من دون حرج بـ"الانجاز" الأمني الكبير الذي حققته سوريا، وسط محيط يعاني من اضطرابات ذات أسباب مختلفة كليا. وفي رأي فئة واسعة من هؤلاء فان "الاستثمار" في الميدان الأمني طيلة العقود الماضية بدأ يعطي ثماره الآن، وثبت بالدليل انه لم يكن موجها ضد المجتمع، كما تروج بعض قوى المعارضة ومنظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية، بل على العكس إن هدفه الاستراتيجي البعيد هو تحصين المجتمع ضد الهزات. إننا إزاء خطاب ديماغوجي يحاول أن يبرر ماضي ومستقبل القمع والديكتاتورية، واختزال الدولة إلى جهاز امن، والمواطنين إلى حفنة من الأوغاد يتربصون ببعض. وبالتالي فان أصحاب هذه النظريات لا تأخذهم لومة لائم في تخيير السوريين بين الأمن والحرية، أو بمعني آخر: إما نحن أو الفوضى والسيارات المفخخة"المقاومة" على الطريقة العراقية. ولا عجب إن هم قدموا في الآونة الأخيرة نصائح للأميركيين للاعتماد على البعثيين في العراق من اجل بسط الأمن، "لأنهم الطرف الوحيد القادر" على ذلك حسب رأي مسؤول جهاز امني سوري مشهود له بالخبرة والبراعة في التعذيب، التي صارت مضرب الأمثال في الشرق والغرب، على حد سواء.

 

في الحقيقة ليس الشارع السوري وقواه السياسية هو المطلوب منه أن يتعظ ويأخذ العبر من الدرس العراقي، وإنما نظام الحكم قبل كل شيء، لأن ما يحصل في العراق هو نتيجة لحكم حزب البعث وصدام حسين، وليس بسبب سقوطه على يد الولايات المتحدة الأميركية التي ليست، على ما يبدو، في وارد تكرار التجربة بحذافيرها في سوريا. انه تعبير مباشر عن الكبت الذي عانى منه العراقيون في ظل الاستبداد. فلو أن الحياة السياسية تطورت في جو سليم وسلمي، ولم يقم البعث بسحل خصومه السياسيين، لكنا الآن أمام واقع سياسي آخر، محكوم بضوابط وتقاليد تمنع الانحدار إلى الأشكال التي نراها كل يوم في الشارع العراقي كتعبير عن تصفية حسابات طائفية وسياسية وعشائرية. وغير هذا وذاك. إن سوريا، في كل الأحوال، ليست معصومة عن التغيير، ولن ينتظر الأمر طلب الأذن من الحكم لكي يأخذ مجراه.

 

فالموجة التي تضرب بقايا الأنظمة الشمولية في العالم لن توفر القلعة الأمنية السورية. وبالتالي فان النقاش يجب أن يدور حول الكيفية التي سيستقبل بها هذا البلد رياح التغيير القادمة في وقت ليس ببعيد. فليس من مصلحة احد لا في الحكم ولا في جانب المحكومين ترك البلاد مكتوفة الأيدي تنتظر المصير المجهول، لان هذا السلوك العبثي لن يجر سوى ردود فعل مستقبلية غير مدروسة. وتقع المسؤولية الكبرى في هذا المجال على الحكم بوصفة يمتلك إلى حد الآن القدر الأكبر من أوراق اللعبة. فإذا لم يعيد توزيع هذه الأوراق على نحو مختلف عما جرت عليه عادة اللعب في السابق، فان الطاولة سوف تنقلب عليه أولا، بسبب الأثقال التي يحملها على ظهره، بعد 42 سنة من حكم الحزب الواحد، وسطوة أجهزة المخابرات. بالاضافة الى ملف المواجهات التي شهدتها نهاية عقد السبعينات وبداية الثمانينات، وعلى نحو خاص في مدينتي حماة وحلب.

 

إن امتلاك الحكم لأوراق اللعبة لا يعفي القوى الأخرى من المسؤولية، وكلما تقدم الوقت وبانت هشاشة النظام وعدم قدرته على إدارة الموقف على نحو يجنب سوريا الهزات، تزداد مسؤولية الأطراف التي تضع نفسها في الضفة الأخرى. لقد آن الأوان لمغادرة المواقع السلبية، والقطع مع ثقافة التردد والخوف، وبدء تسمية الأشياء بأسمائها بدلا من اللف والدوران الذي بات يفهم منه العجز عن تقديم رؤية بديلة لسياسة النظام للسير في طريق المجهول. إن المعارضة على ضعفها وتشرذمها، بكافة اتجاهاتها الإسلامية والشيوعية والقومية، هي المسؤولة عن تقديم التصور البديل للخروج من حال الجمود والتردي وتحريك الموقف، وهذا يحتم عليها التوقف عن المراهنة على تطوير النظام، فليس مهمتها هي البحث عن حلول لإخراجه من مأزقه الراهن. وهنا ترتكب المعارضة خطأ كبيرا إذا بادرت وعقدت ما يعرف بـ"المؤتمر الوطني" الذي تدعو له كافة أطرافها قبل أيام من انعقاد المؤتمر القطري العاشر لحزب البعث الذي تقرر في السادس من حزيران (يونيو) القادم. وقد راجت في الأيام الأخيرة أخبار تتحدث عن نية المعارضة تقديم تصور عبر هذا المؤتمر(الوطني) لحث البعث "ليقف أمام مسؤولياته كاملة... لان الاستحقاقات الداخلية لم تعد عرضة لأي تأجيل"، على حد تعبير الناطق باسم "التجمع الوطني الديمقراطي" المعارض حسن عبد العظيم. وهناك تحفظ آخر يتمثل في أن المؤتمر يحتاج إلى إنضاج بعيد عن الخفة والتسرع، لكي لا يأتي بمفعول سلبي على المعارضة، ويوظفه النظام لصالحه.

 

إن عدم تجاوز المعارضة للنظام نحو خط طريق ثان، يعرضها ليس فقط لتجاوز الشارع لها، وإنما استمرارها في المراوحة على الهامش.

 

للتعليق على هذا الموضوع