![]()
10 نوفمبر 2006
من يتذكر ياسر عرفات؟
تمر هذه الأيام الذكرى الثانية
لرحيل الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات في باريس .غفا ابو
عمار في ذلك الخريف إغفاءة طائر العنقاء الأخيرة ،وكنا نعرف انه لن يقوم هذه المرة
من رماده ،فهو في مرات كثيرة سابقة غلب الموت ، وعاد حيا الى
معجزته ليقهر النسيان والصمت ،لكنه في المرة الأخيرة كان قد وصل الى حافة الاسطورة مثل بطل اغريقي استكمل الرحلة .
حين ذهبنا لوداع جثمانه في مطار "فيللا غوبليه" العسكري قرب باريس ،شاهدت العديد من الاشخاص الذين لم يسبق لي أن عرفت تعاطفهم مع هذا الرجل ،بل
إن بعضهم كان يرميه بشتى التهم وينزع عنه صفة الوطنية كلما فتح فمه .هل كانوا
ينتظرون موته ،هل ادركوا في حينه أنهم يودعون جزءا حيا
من ماضيهم،جزءا لن يعود إليهم أبدا؟. لا أدري قد يكون الأمر على هذا النحو، أو هوعلى نحو آخر .ربما أراد البعض ان
يتأكد بأن الاسطورة انطوت، وعليه أن يفتش عن مكان في
حلم آخر.
إن ميّزة ياسر عرفات الأساسية هي
انه استطاع أن يعيد تشكيل الحلم الفلسطيني ويحوله إلى قضية،وأن يحميه بصدره العاري
وكوفيته اربعين عاما،ويجعل
كل أطفال المخيمات الفلسطينية يلهجون بالعودة.
كل الذين اقتربوا من ياسرعرفات ظلوا مسحورين بإيقاعه ، الذي لايعرف
الكلل .رجل يمتلك طاقة لامثيل لها على البقاء،هزم كل
محاولات شطبه من المعادلة ، وبقي يتجدد حتى اللحظة الأخيرة .حتى وهو يعيش ساعات
النزع الأخير كان يثير الكون السياسي من حوله ،ليس فقط لأنه يمسك بمفاتيح القضية
الفلسطينية ، التي تعد اهم مسألة دولية في النصف الثاني من القرن
العشرين،وسوف تستمر كذلك حتى لو وجدت حلا سياسيا، بل لأنه ايضا
من صنف الرجال الذين يعرفون كيف يحاورون التاريخ من مكان مرتفع، وبلغة عالية
النبرة. فضيلته الأساسية انه لم يأت إلى القيادة بالوراثة
، أو على ظهر دبابة أوعبر تصفية رفاقه،بل خرج من
معسكرات الفدائيين،وهو يحمل حلما وحيدا رؤية مآذن القدس.وعاش ككل أصحاب الرسالات زاهدا متقشفا،ولم يفسده الجاه أوالمال.ظل
صافيا كالنبع ولم تكدره سيول الكلام العكر ،التي كانت
تنصب عليه من جميع الجهات.لم تكن غرفة نومه من بيروت الى
تونس ورام الله أفضل من غرفة نوم أحد من مرافقيه، ولم يكن طعامه يختلف عن زاد
الرهبان والرعاة والقديسين.
كان ابو
عمار يرى أبعد من محيطه ،لذا ذهب نحو ماوتسي تونغ وانديرا غاندي وتيتو وعبد الناصر وبومدين وكمال جنبلاط
.ورحلت فلسطين معه إلى آفاق العالمية بفضل تضحيات شعبها ،الذي أعطى بسخاء شديد
ونبل،ودون أن يتعب أو يتقاعس أويتكل على أحد.
حين رحل ابوعمار
لم يبق من الرجال الكبار الذين عاصرهم أحد ،كان هو آخر الراحلين في سلالة العمالقة
التي هزت القرن،ومن بعده هبط السقف مباشرة .من بعده لم يكن هناك أحد . حاول
الكثيرون تزعم المسيرة الفلسطينية،ولكن الفارق واضح بين
الجبل الشامخ الذي لم تهزه الريح، والتلال المنخفضة. لم تتدن نوعية الافراد فقط ،بل انخفض منسوب الخطاب السياسي،ونزل سقف الحلم،
وانحدرت مرجعية الوطنية الفلسطينية ، الى حد لم يكن أحد
يتوقع الوصول اليه.
لم يتغير الشعب الفلسطيني،فهو لم
يكف عن العطاء والتضحية ، ولكن نوعية الذين ارتقوا الى
سدة المسؤولية والزعامة هي التي تشكو من العيوب .وأخطر هذه العيوب هو ان هناك من لايدرك بأن ياسر عرفات
ذهب الى اقاصي الوطن العربي،
وعاش اياما صعبه في المنافي لكي لايسلم
الورقة الفلسطينية لحاكم عربي او اجنبي.لقد
صارع حافظ اسد مدة ثلاثين سنة من اجل هذه النقطة،واختلف
بسببها مع العراق ومصر وليبيا والاردن . اختار الموت
على ان ينطوي تحت جناح حاكم عربي ،حتى لو كان هذا
الحاكم عبد الناصر الذي كانت تهتف له الجماهير من المحيط الى
الخليج . لقد نجح ابو عمار في وضع معادلة فذة لن تسقط
مهما حصلت انقلابات في المنطقة والعالم.وهي إن مقياس
الوطنية في المنطقة يبدأ من فلسطين وينتهي عندها، لذا غسل يديه من زعماء كثيرين
أردوا جعل فلسطين مطية لمشاريعهم من الخميني وحتى حافظ أسد.
من المؤسف جدا ان
الانجاز الذي حققه على هذا الصعيد ابو
عمار، والحركة الوطنية الفلسطينية خلال العقود الثلاثة الأخيرة ، يأتي من يسمح لنفسه اليوم بأن يرميه في بورصة
المزايدة السياسية والتكتيات القصيرة الأمد، وأقصد بذلك
حركة "حماس"، التي لاتفرق بين تحالفها مع
النظام السوري، وبين توظيف القضية الفلسطينية في الحسابات السياسية لهذا النظام ، وتحالفاته التي تصل حتى طهران. لقد سلمت "حماس" على
طبق من تضحيات الشعب الفلسطيني للنظام السوري الورقة التي عجز حافظ أسد عن الحصول
عليها ، خلال ثلاثة عقود من الصراع مع أبو عمار . إن المرء يتفهم جيدا ان الفلسطينيين اضطروا في كثير من الاحيان
الى مجاملة بعض الحكومات العربية ، من اجل قضايا سياسية او حياتية تتعلق
بأوضاع الشعب الفلسطيني في هذا البلد أو ذاك.اجبر ابو
عمار على مصافحة الملك حسين بعد أحداث ايلول 1970 من
اجل التضامن العربي ، الذي دعا اليه عبد الناصر، لكنه
لم يجلس في عمان أو يرهن الورقة الفلسطينية للملك حسين،وخاض معه بعد ذلك معركة
"منظمة التحرير هي الممثل الشرعي الوحيد".لا أحد يفهم اليوم لماذا يعطي
قادة حركة "حماس" أنفسهم حق وضع الورقة الفلسطينية بتصرف النظام
السوري،ويدفعون ثمن ذلك من دم الشعب الفلسطيني.لقد كلفت عملية خطف الجندي شاليط حتى الآن اكثر من 500 ضحية
فلسطينية بريئة ، وليس هناك سوى نتيجة واحدة لهذه العملية العبثية ، وهي إن النظام
السوري يمتلك المفتاح الفلسطيني.!
رحل ابو
عمار وهو يحذر من الزمن الرديء. نعم لقد أصبح الزمن رديئا وغثا وثقيلا ولايمكن احتماله.هاهي الأوراق تختلط يا "أبو عمار"
وتضيع الطاسة،ويصبح معيار الوطنية ايرانيا، بعد
أن كان فلسطينيا.لقد جاء من يسمح لنفسه بأن يطمس تاريخ الناس،ويريد كتابة تاريخ
جديد يبدأ من اليوم الذي بدأ فيه زعماء الغفلة يقررون مصير المنطقة.
كنت تحذر يا سيد الشعلة ، منذ سنة
1981 من بلقنة المنطقة. نعم هاهي المنطقة في طور التمزق
ودخول عصر الحروب الأهلية ، بعد ما صارت رهن مشاريع الطوائف والمذهبيات .