19 فبراير 2006

 

 

 

جنبلاط- سوريا:

النظام والمعارضة

بشير البكر*

 

 

صعد الزعيم اللبناني وليد جنبلاط في الآونة الأخيرة لهجته ضد النظام السوري، إلى حد أنه طالب بالتدخل الخارجي لاسقاطه،ودعا في مقابلة مع صحيفة "واشنطن بوستالادارة الاميركية الى الاطاحة به. وأوضح لاحقا في حديث الى صحيفة "ديلي تلغراف"،في معرض رده على الاتهامات التي وجهت له بأنه دعا الادارة الى احتلال سوريا، بقوله :"انا لا أدعو الى تدخل عسكري في سوريا، ولكني أطلب من المعارضة السورية أن تدرك، أنه بدون مساعدة الغرب لن يحدث التغيير،وبدونه سيظل المعارضون في السجون أو المنافي وعرضة للابتزاز أو القتل". ورأى في مرحلة لاحقة أن الشعب السوري والمعارضة السورية سيغيران سوريا،وابدى استعداده للتعاون مع المعارضة إذا لزم الأمر.واستخدم جنبلاط عبارات من العيار الثقيل في حق الرئيس السوري،ووصفه بأنه"شخص مريض لم يتعلم من دروس التاريخ".ونعته في الذكرى السنوية الأولى لاغتيال رئيس وزراء لبنان السابق رفيق الحريري ب"الارهابي" و"العبد المأمور".وقال ان "نظامهم قلة عابرة وطاغية مجرمة على أكثرية مظلومة". وهتف،وهتف من خلفه مليون متظاهر في يوم الحريري من قلب بيروت:"يابيروت بدنا الثار،من لحود وبشار".

 

شكل اغتيال جبران تويني في نهاية العام الماضي منعطفا، في التصعيد من طرف جنبلاط ضد رأس النظام السوري، حيث طالب برحيله ومحاكمته،و قال في حديث صحافي"يجب أن يتغير هذا النظام، وان يحاكم هذا الرجل المريض.في دمشق رجل مريض اذا بقي لن نعرف الاستقرار في الشرق الأوسط".

 

كانت المفارقة هنا، ان بعض اطراف المعارضة السورية رد على التصريحات التي نسبتها"واشنطن بوست" الى جنبلاط،وقد أخذت الحمية هذا البعض من منطلق انه ارتكب "أم المحرمات"، بدعوته الادارة الاميركية الى احتلال سوريا. لكن من اللافت في نفس الوقت،أن المراقب العام لحركة الأخوان المسلمين علي صدرالدين البيانوني اتصل بجنبلاط ليشكره على موقفه من اثارة هذه القضية.وقد رد جنبلاط على هذه التحية بعد أقل من شهرين حين قال مخاطبا دروز سوريا:"الاخوان ليسوا مخيفين .كفانا مزايدة من النظام،هناك حفنة صغيرة عائلية، تتحكم في مصير سوريا على حساب طموحات سوريا".

 

إن السؤال الذي يطرح اليوم، هو هل ان دعوة جنبلاط المعارضة السورية للاستعانة بالخارج من أجل إطاحة النظام، تعبير عن فورة غضب عابر،ام هي قناعة تولدت لديه من خلال دراسة متأنية للموقف العام الذي يحيط بسوريا ولبنان.؟ في الحقيقة إن هذا السؤال لايمكن له أن يمر، من دون أن يعطف نفسه على سلسلة المواقف التي كان جنبلاط قد اتخذها بعد الانسحاب السوري من لبنان. فهو كان واضحا في رفضه أي دخول اميركي على خط العلاقة السورية اللبنانية،وأبدى في حينه معارضته أي توظيف اميركي لاغتيال الحريري، او أي استغلال  لنقمة الشارع اللبناني ضد النظام السوري. وندد علانية ببعض التصريحات التي صدرت عن بعض رموز"المحافظين الجدد" في الادارة الاميركية، الذين كانوا يحرضون الرئيس جورج بوش باسم "تعميم الديمقراطية"، على اجتياح دمشق واسقاط نظام بشار الاسد.وضمن هذا الفهم وقف جنبلاط مدافعا عن سلاح "حزب الله"،واعتبره سلاح مقاومة،وعمل على تأجيل تنفيذ الشق الخاص بهذه النقطة في القرار1559.

 

لكي تكون الاجابة على السؤال السابق في السياق العام للاحداث التي توالت خلال السنة الماضية،لابد من القاء نظرة على الرد الذي قابل به بشار الأسد اليد الممدودة من طرف جنبلاط.إن الاستنتاج الأساسي الذي نقف عليه من سلوك جنبلاط،هو أنه أراد فتح صفحة جديدة مع سوريا بعد انسحابها من لبنان.وكان مستعدا في ذلك الوقت لتسوية تقف عند ذلك الحد،وتوقف التدهور والتداعيات اللاحقة.لكن الرد جاء من دمشق عكس ماكان يتصوره جنبلاط.هو كان يعتقد ان بشار الاسد المهزوم في لبنان لابد أن يراجع نفسه،ويتعظ من الدرس القاسي الذي تلقاه،ويقتنع في نهاية المطاف ان مصلحة حكمه تقتضي وقف التدهور في العلاقات مع لبنان. ورغم معرفة جنبلاط المديدة بالنظام السوري فانه لم يكن يقدر، انه سوف يرد على خسارته المدوية في لبنان من خلال اعمال ارهابية وتخريبية.وقد كانت الفاتحة مع اغتيال الكاتب سمير قصير في حزيران،ومن ثم كرت عملية الاغتيالات لتصل الى جبران تويني،وليصبح رأس جنبلاط نفسه مطلوبا.ومن هنا يمكن فهم سر تحوله،فهو على الأقل جرب أن يعطي النظام فرصة لتجاوز الماضي، قبل أن يعلن عداوته له ،وماكان سيصل إلى هذا الحد من التصعيد، لو لم يضعه الطرف الآخر في مصاف العدو،لذا أبدى مؤخرا "استعداده للتواصل مع المعارضة السورية اذا لزم الأمر"، وقال مخاطبا المعارضة:"اذا كنت في مرحلة معينة،نتيجة الظروف اللبنانية،تعاملت مع هذا النظام،فأتمنى أن تقبلوا اعتذاري".

 

لقد اصبح جنبلاط اليوم وسط المعمعة السورية، فهو من جهة ينصح  المعارضة بطلب مساعدة الخارج لاسقاط النظام،ويتواصل علانية مع طرفي التحالف السوري المعارض الجديد، النائب السابق للرئيس السوري عبد الحليم خدام والبيانوني،ويعمل من بيروت لقيادة "قوى 14 آذار"  لاسقاط "الوديعة" السورية اميل لحود،ومن ناحية ثانية وضعه النظام السوري في مرمى النيران، حين قرررفع دعوه ضده بتهمة "تحريض جيوش اجنبية على احتلال سوريا".إن مغزى رفع الدعوى أمام المحكمة العسكرية واضح،ولايحتمل اكثر من تفسير،وهو ان حكم الاعدام الذي صدر ضد جنبلاط سرا منذ عدة اشهر، سوف يصبح علنيا.

 

يقع تحرك جنبلاط الجريء اليوم، وسط شراسة النظام  وصمت المعارضة،واذا كان ضعف المعارضة وترددها يبرر صمت بعض اطرافها،فإنه من غير المفهوم هجوم بعض اطرافها الأخرى على جنبلاط. إن الذي قام بذلك تحت ذريعة الغيرة على سيادة الوطن،مدعو لمراجعة النفس،وحري به أن يوجه غضبه ضد النظام ،الذي يوظف طاقات سوريا في معركة لمنع لبنان من ممارسة سيادته واستعادة استقراره،بدلا من أن يوجهها نحو العدو الذي يحتل جزءا عزيزا من بلادنا.هذا إذا اعتبرنا ان دعوة جنبلاط لن تقدم ولن تؤخر،فالادارة الاميركية ليست رهن اشارته لارسال جيوشها لاسقاط النظام،وهي تعرف أين تكمن مصلحتها.لذا لاداعي أن تصب بعض أطراف المعارضة السورية الماء في طاحونة النظام،وعليها أن تقف الى جانب جنبلاط بوصفه شريكا في مشروع التغيير والديمقراطية والخلاص من الاستبداد في المنطقة.

 

لقد آن الأوان لكي يتداعى السوريون الشرفاء من أجل رفع الصوت عاليا، بوجه الارهاب الذي يمارسه النظام السوري ضد لبنان،وأن يتوقف هذا النظام عن زج شعبنا السوري في معركة مع شقيقه اللبناني.إن المواجهة بين النظام السوري والمجتمع الدولي لاتخص الشعب السوري لا من قريب،ولا من بعيد.

 

bacha@noos.fr

*كاتب سوري

      

للتعليق على هذا الموضوع