![]()
16 يناير
2007
مؤتمر الإعلام العراقي في باريس
أسئلة الحرية في ظل الاحتلال
أسئلة كثيرة تتبادر إلى
الذهن بمجرد استلام نص دعوة منظمة اليونسكو، إلى مؤتمر دولي انعقد في باريس على
امتداد ثلاثة أيام (8 و9 و10 من الشهر الحالي) حول حرية التعبير والتنمية
الإعلامية في العراق. ويظل السؤال الأساسي يتعلق بالزمان
والمكان المناسبين بالنسبة للمؤتمر. فمن جهة، إن العنف الذي يضرب العراق يدفع
الحديث عن الإعلام إلى مكانة ثانوية في سلم الأولويات. ومن
جهة أخرى، تبقى باريس بعيدة عن بغداد، والعراقيون الذين جاؤوا إليها يبحثون عن صدى
آخر لما يعانونه، ظلوا في ما بينهم من دون أي حضور إعلامي أو سياسي فرنسي أو عربي،
وحتى اليونسكو التي شاركت “هيئة الإعلام العراقية” في التنظيم، حضرت الافتتاح من
خلال شخص مديرها العام كوشيرو ماتسورا،
ثم غابت عن بقية أعمال المؤتمر كليا.
*
ابتدأ المؤتمر بعد ظهيرة الثامن من الشهر الحالي بإلقاء كلمات رسمية، لكل
من مدير عام اليونسكو ماتسورا، ورئيس لجنة الثقافة
والإعلام والسياحة في البرلمان العراقي مفيد الجزائري، والمدير التنفيذي العام
لهيئة الإعلام والاتصالات العراقية الدكتور سيامند زيد
عثمان، وممثل عن برنامج الامم المتحدة للتنمية باولو ليمبو، ومساعد الامين العام لجامعة
الدول العربية لشؤون الإعلام والاتصال السفير محمد الخمليشي،
والمندوب الدائم لليابان لدى اليونسكو السفير سيجي كوندو. وقد لمس ماتسورا في كلمته
جوهر مشكلة الإعلام في العراق، حين دعا الى العمل على
تأسيس إعلام عراقي مهني واخلاقي يبعد العراقيين عن
العنف الطائفي، ويساهم في إيصال المعلومة الحقيقية إليهم من أجل تحقيق الامن والاستقرار والاعمار. وأشار إلى أن الهدف من المؤتمر هو التأكيد على التزام الحكومة
العراقية المصالحة، وتحقيق الوئام بين العراقيين، ومساهمة الإعلام في هذه الجهود. لم
يباشر المؤتمر جلساته إلا في صباح التاسع من الشهر الحالي، وكانت جلسته الأولى تحت
عنوان “الإعلام في العراق-الوضع الراهن وتعريف الاهداف
الممكن تحقيقها لتنمية الإعلام”. وكانت المداخلة التي تقدم بها انتوني بوردون المدير التنفيذي ل”معهد صحافة الحرب والسلم” قد أخذت
القسط الأكبر من نقاشات المؤتمر، وذلك انطلاقا من
المعلومة التي قدمها وجاء فيها إن الولايات المتحدة وبريطانيا قدمتا، إلى أجهزة
ومؤسسات الإعلام العراقي، منذ سنة 2003 مبلغ 221 مليون دولار، حصلت “شبكة الإعلام
العراقية” الرسمية على نسبة 80 في المائة منها. وأشار
إلى ان هذا يمثل الدعم الرسمي، في حين ان هناك دعما قدمته وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون)، لا يعرف مقداره، ولا الجهات الإعلامية التي
استلمته.
المال والسياسة: دار نقاش الجلسة الأولى تحت سقف هذا الكشف الذي فاجأ
الكثير من المشاركين، وحرك لديهم الكثير من الحسابات المؤجلة، وخصوصا السياسية
منها التي كانت تطل بوضوح وحرية لدى كل مداخلة. إن الملاحظ هو أن الكثير من
الإعلاميين يبدأون الحديث عن التمييز المالي، ولكنهم
يسوقون من خلال ذلك عدة رسائل سياسية، الأمر الذي يوحي بأن الاحتقان السياسي أصاب
جميع المجالات، ووصل إلى درجة متقدمة. وحتى مدير مكتب “قناة الحرة” الأمريكية في
بغداد عماد الخفاجي الذي كان من أول المتحدثين، خصص
مداخلته للتشهير بالوضع الراهن للإعلام العراقي الرسمي. وتساءل، هل هذا إعلام دولة
أم إعلام حكومة؟ وأجاب: على مستوى الممارسة هناك إعلام
حكومة، ومع تغير الحزب الحاكم تتغير السياسة الإعلامية، ولكن مصدر التمويل واحد
وهو النفط العراقي. وقارن الخفاجي ما بين موازنة قناة
الحرة (62 مليون دولار) وموازنة “الشبكة العراقية” (التلفزيون الرسمي)، التي تتلقى
87 في المائة من المساعدات (198 مليون دولار)، مع انها “لا تمثل جميع العراقيين”. هذا الرأي سرعان ما أيده
الكثيرون، وإن كان بعضهم يختلف كليا مع الحرة. يذهب
البعض ابعد من ذلك في تشريح الوضع، ومثال ذلك نقيب الصحافيين العراقيين شهاب التميمي، الذي قال في مداخلته إن النقابة أقصيت عن كافة
النشاطات الإعلامية، ونحن لا نعرف ما هيئة الإعلام العراقية، ولماذا شكلت، ولماذا
تم حلها، واعادة تشكيلها من جديد. ومن هم اعضاء مجلس الامناء. واضاف: طرقنا جميع الابواب، كنقابة
شرعية ممثلة للصحافيين العراقيين، ولكن من دون جدوى. وتساءل: متى تم الاعداد لهذا المؤتمر، واخراجه على
هذه الصورة؟ واكد ان النقابة
بعيدة كليا عما يصل العراق من مساعدات للإعلام. وطالب بتشكيل لجنة مشتركة من
النقابة ومجلس الوزراء وهيئة الإعلام، للتحقيق في الاموال
التي وصلت العراق وطرق صرفها. في ختام هذا التراشق الذي
طغى على الجلسة الأولى، قام مندوب عن هيئة الإعلام العراقي بتقديم توضيح فصل فيه
بين مرحلتين من تاريخ الإعلام العراقي، قبل نيسان/ابريل سنة ،2005 وبعده. وقال انه
قبل ذلك التاريخ كانت الادارة للأمريكيين، وبعده نقلت
إلى العراقيين، وربما يكون مبلغ ال 198 مليون دولار
الذي جرى الحديث عنه قد تم التصرف به من قبل الأمريكيين. وذهب المندوب أبعد من ذلك
حين قال، ان مئات الملايين غيبت في هذه الفترة من طرف الادارة الأمريكية، واكد انه جرى
تدقيق الحسابات منذ أن تم نقل “شبكة الإعلام” الى
العراقيين.
مهنة الموت
كان محور الجلسة الثانية
هو “سلامة الصحافيين وحمايتهم: كيف يمكن توفير حماية أفضل للإعلاميين في العراق؟” وقد
تم تقديم هذه القضية، وتسليط الضوء عليها من خلال فيلم قصير من اخراج عمار سعد. وهو عبارة عن محاولة لرصد معاناة الصحافي
العراقي. ويتلخص الفيلم في سؤال واحد يرد على لسان
الصحافي العراقي: لماذا يتحتم علي أن أذهب نحو الموت؟
توقفت هذه الجلسة امام الثمن الكبير الذي دفعته
الصحافة الاجنبية والعراقية، في ظل الاحتلال الأمريكي
لهذا البلد. وقد كانت كلمة مدير اليونسكو مؤثرة لجهة اشارته
إلى ان الضحايا حتى الآن، يفوقون ما فقدته الصحافة في
حرب فيتنام. وقال إن العام الماضي وحده شهد مقتل 68 صحافيا عراقيا ذهبوا ضحية اصرارهم على حرية التعبير، وتشجيع النقاش الحر. واكثر من عكس مرارة الوضع خلال الجلسة، هو الصحافي في صحيفة “الفيغارو” الفرنسية جورج مالبرونو
الذي كان مختطفا في العراق. وذلك بقوله: إن القول بـ”سلامة الصحافي في العراق” يحمل قدرا كبيرا من التناقض، حيث
لا يصح اليوم في وضع العراق الحديث عن السلامة. فكما تعلمون فإن الصحافة تستهدف
منذ عامين، وبات من غير الممكن للصحافي ان يتحرك في
العراق من دون التعرض للمخاطر. واضاف انا كصحافي اجنبي لن اعود للعراق، وصرت اكتفي بالتغطية من خلال الاتصالات الهاتفية،
أو بالسفر الى دول الجوار. واشار
إلى ان هذا الوضع ينسحب على بقية الصحافيين الاجانب، فباستثناء بعض الوكالات، لم يعد هذا البلد مقصد
الإعلام العالمي. وقال ان المشكلة تتلخص في أن جميع الاطراف المسلحة تنظر للصحافي الاجنبي
كمخابرات، ونحن لسنا عناصر مخابرات بل شهود على الاوضاع،
يجب ان يقتنع هؤلاء بأهمية هذه الشهادة على الاخطاء، التي ارتكبتها الادارة
الأمريكية. ركزت المداخلات اكثر حول وضع الصحافي
العراقي، الذي بات هو المستهدف خلال العامين الأخيرين، وتم عرض الاحصاءات التي سبق ونشرتها المنظمات المختصة ومنها “صحافيون
بلا حدود”، ولعل اكثرها إثارة للذعر هو انه منذ
الاحتلال سقط 130 صحافيا، 80 في المائة منهم من
الصحافيين العراقيين، و61 في المائة اغتيلوا بسبب
انتماءاتهم الطائفية وآرائهم وتعليقاتهم في اجهزة
الإعلام. وفي تعليق خاص ل”الخليج” قال جويل كمبانا منسق برنامج الشرق الاوسط
وشمال افريقيا في “هيئة حماية الصحافيين”: أولا، ان الارقام المعروفة اليوم تعكس
الاتجاه السائد، وهو ان اغلب الذين تعرضوا للخطر هم من
الصحافيين المحليين، وهذا يعني تنامي
الدور الذي يلعبه الصحافي
العراقي. وثانيا ان جميع القتلة أفلتوا من العقاب. وأخيرا
تآكل دور المراقب المحايد منذ بداية هذه الحرب.
وتحدث صحافيون عراقيون عن أحداث
مرعبة، ومنهم حسن كامل مدير “قناة الشعبية”، التي فقدت خلال دقائق 11 من
كادرها، حيث داهمت مقرها في السابعة صباحا مجموعة مسلحة قامت بتصفيتهم وانصرفت.
وقالت الكاتبة لطيفة الدليمي انها
اضطرت لايقاف مجلة “هلا” التي ترأس تحريرها، لتعذر
الوصول إلى المقر بسبب الظرف الامني الصعب. وتحدث مفيد
الجزائري عن جانب يتعلق بمساعدة عائلات الصحافيين
الضحايا. وقال ان الجمعية العراقية لدعم الثقافة قدمت
مشروعا الى اليونسكو لوضع قاعدة معلومات، لتقديم تقرير
وصدور نداء الى مجلس النواب العراقي لمساعدة عائلات
الضحايا من الصحافيين. واضاف أن الضرورة تقتضي تأمين
دعم دائم حياتي واجتماعي. واقترح ابراهيم نوار رئيس
مؤسسة رقابة حرية الصحافة، إصدار توصية لتفعيل قرار
مجلس الامن الأخير رقم ،1738 الذي صدر في الثالث
والعشرين من الشهر الماضي، ليتم تزويده بآلية لحماية الصحافيين من طرف الامم المتحدة. ورغم مأساوية الوضع فإن
العراقيين انقسموا معسكرين. فهناك من يرى ان من يستهدف
الصحافة هم “اعداء العهد الجديد”، بينما يعتبر الفريق
الآخر أن قتل الصحافيين هو نتيجة للصراع السياسي. ويقول
هؤلاء لماذا نتحدث عن الإعلام، ولا نتحدث عن بقية المشاكل؟ وكانت
صدمة المشاركين كبيرة حين اعتبر علي الأديب عضو مجلس النواب العراقي، من الائتلاف
الحاكم (حزب الدعوة)، أن الصحافيين الذين يتعرضون للقتل هم عملاء أجهزة مخابرات. وقد
أثار ذلك لغطا كبيرا، وقامت مجموعة من المشاركين بإصدار بيان يدين وجهة النظر هذه،
واعتبرتها دعوة تشرّع الاعتداءات على الصحافيين.
الدعم الدولي والاستقلالية
كشفت مناقشات الجلسة التي
خصصت لمناقشة موضوع الدعم الدولي للإعلام في العراق، عن وجود حوالي 400 وسيلة
إعلام عراقية اليوم، منها 33 قناة فضائية، ولذا حظيت مسألة الدعم المالي بنقاش
واسع، وطرحت الكثير من الآراء التي تنبه إلى خطورة هذا الدعم. وقال رئيس الجلسة
نخلة الحاج مدير قسم الاخبار والبرامج السياسية في قناة
العربية، إن الخطورة هنا لا تأتي من مصادر التمويل المعروفة، بل من تلك المجهولة
المصادر. وأشار جوسبار هوشمبرغ
رئيس “المركز الدولي لمساعدة وسائل الإعلام”، إلى ان
الدعم المقدم إلى وسائل الإعلام في العالم منه الجيد والسيىء،
وحتى تكون المساعدة مفيدة لا بد من وضع قاعدة سليمة، والمشاركة في المعلومات،
والأهم من ذلك هو التشاور مع المهنيين المحليين. وطالب وليم اورم
ممثل برنامج الامم المتحدة للتنمية، الإعلاميين
العراقيين بالصراحة حتى تعرف الجهات الدولية كيفية مساعدتهم. وقال هناك حدود لما
يمكن ان يقدمه المجتمع الدولي من مساعدات، والحقوق عادة
تنتزع ولا تعطى، فحتى في الولايات المتحدة هناك نضال مستمر للحفاظ على المكتسبات
التي حققتها الصحافة. أما مدير مكتب اليونسكو في العراق محمد جليد، فقد كان اكثر تحفظا. وقال، من خلال مطالعة الارقام
يتبين عدم وجود تنسيق لتقديم المساعدات، لذا حين نريد الحديث عن المساعدة الاجمالية، فإننا لا نعرف ماذا يحصل، ومن هو الذي يقدمها. وأوضح
ان مساعدة اليونسكو للعراق متواضعة وهي 6 ملايين دولار
للإعلام، لأن دعم وسائل الإعلام ليس في استراتيجية الامم
المتحدة، لذا يجب ادراج مسألة دعم وسائل الإعلام ضمن
استراتيجيات التنمية الوطنية. وطرح الصحافي العراقي زهير الجزائري مدير عام وكالة انباء “اصوات العراق” مسألتين
مهمتين في هذا الصدد: الأولى، هي ضرورة اجراء مسح حقيقي
لمعرفة واقع الإعلام العراقي وحاجاته، وان تكون هذه الدراسة من الداخل وليس من
الخارج. والثانية، هي الزام المؤسسات الصحافية العراقية
بالكشف عن مصادر تمويلها حتى يطلع الرأي العام الذي يقرؤها ويستمع إليها ويشاهدها
على جهات التمويل. أما السفيرة العراقية السابقة في واشنطن رند الرحيم، فاعتبرت ان المعلومات كانت متوافرة اكثر
بعد سقوط بغداد . وقالت نحن الآن في تراجع، وإن النافذة
التي فتحت سنة 2003 تغلق الآن. وشرحت عضوة مجلس النواب
العراقي رئيسة تحرير مجلة “نون” النسائية ميسون الدملوجي آليات التمويل الذي تقدمه الجهات المانحة. وقالت إن
الممولين يختلفون في مطالبهم، لكنهم يمولون على أساس مشاريع محددة. يمولون فكرة
ملف حول العنف في العراق، ويطلبون خمسة اعداد في هذا
الاتجاه. وتحدث الدكتور اسامة مهدي مدير تحرير صحيفة “إيلاف”
الالكترونية في ورقة عمل عن مسؤولية الالتزام بالحقيقة والحيادية، عند تحرير الاخبار في الإعلام الالكتروني. واشار
الى مخاطر التحريف وعدم الدقة في ايصال
المعلومات، نظرا لسرعة انتشار هذا الإعلام، ومتابعة الملايين له من دون كلفة أو
تأخير. ودعا الى ميثاق شرف يلتزم فيه الصحافيون
بالحقيقة والمهنية، عند تحرير اخبار الصحف والمواقع
الالكترونية لابعاد المجتمع المتلقي عن الارباك والفوضى، والذي قد يصل الى
تفجير صراع دائم كما يحصل في العراق، حيث يغذي العنف اجهزة
إعلام متحيزة، تبتعد عن نشر الحقائق والمعلومات الدقيقة عن الاحداث
بواقعية وصدق. كثرت العناوين، ولم يتمكن الجميع من الكلام، لكن الملاحظة الاساسية على هذا المؤتمر، هي ان
الإعلاميين العراقيين تحدثوا بحرية عن مشاكل بلدهم، رغم الانقسامات التي بدت حادة،
ويصعب تجسيرها في بعض الاحيان.
الكاتب جبار ياسين: النخبة العراقية بعيدة عن
الواقع
الكاتب العراقي المقيم في فرنسا جبار ياسين حضر المؤتمر من دون أن يشارك
فيه، وعلق على أعماله لـ”الخليج” بقوله: هنالك وهم كبير حول امكانات
النخبة العراقية، لكنها في حقيقة الأمر معزولة عن الواقع. ومن المؤسف انه ليس
هنالك من مفهوم واقعي للدولة التي نريد في العراق، ولا للديمقراطية ولا للارهاب رغم يومية الارهاب. واضاف “يكشف هذا المؤتمر عن ضعف التنظيم والموضوع والجهل بما
يحدث في العراق، واللاوعي بعلاقة العراق بدول الجوار،
وبمحيطه العربي الشرق اوسطي والعالمي”. وقال “لاحظنا ان هنالك انحيازات مسبقة، طائفية
وقومية واثنية. وهذه الانحيازات
لا تتغير سواء داخل القاعة أو على المنصة. أي ان هنالك اعذارا مسبقة هي التي تتحكم في النتائج، وبالتالي ليست هنالك
نتائج واقعية”. وقال ياسين “اعتقد انه على العراقيين، وخصوصا هذا الوسط الإعلامي ان يغير الكثير من مفاهيمه في ما يتعلق بالعراق والمنطقة
العربية. ويجب الاعتراف بالواقع وعدم المبالغة بامكانات
العراقيين، فهناك تخلف ثقافي واضح في العراق لدى النخبة بشكل اساسي.
إن الموافقة على تشخيص المرض هي بداية العلاج، وعلى النخبة العراقية ان تعترف بأنها لا تفهم الواقع، واخطأت
كثيرا وما زالت تخطئ، ولا بد أن تبدأ في سماع النصائح لمعالجة الواقع بصورة مختلفة”.
الصحافي توانا عثمان:أنا مرشح لدخول السجن
تعتبر صحيفة “أوينه” الكردية اكبر صحيفة تصدر في
شمال العراق، ولكنها تعيش معاناة مستمرة مع السلطات الكردية. “الخليج” التقت رئيس
تحريرها توانا عثمان، واستفسرت منه عن وضع الصحافة في
ظل الوضع الجديد. فقال عثمان “كانت الصحافة في منطقة كردستان
تعيش استقطابا حزبيا تاما في العهد السابق، ونحن صدرنا كأول صحيفة أهلية مستقلة في
تشرين الثاني /نوفمبر سنة ،2000 وبعد سقوط النظام حصل جو انفتاح وافسح في المجال امام حرية
التعبير، لكن هذا الهامش بقي شفويا وغير منصوص عليه في القوانين. أما التمويل فإنه
يذهب بأكمله لصحف الأحزاب، ذلك ان الوضع العراقي حتى
الآن هو وضع حزبي، ولا توجد مؤسسات حكومية ودولية، ومن يحكم هناك هو الميليشيات (البيشمركة). هم اكراد مثلنا،
ولكنهم يحكمون بمنطق لا يتطابق مع حكم المؤسسات”. وأضاف “أما وضع الصحافة في هذه
المنطقة فهو صعب جدا، لأن القوانين العراقية السابقة لاتزال
سارية المفعول، ومن المؤسف هو ان البرلمان الكردي لم
يقم بتغيير هذه القوانين، رغم انه اصدر قوانين خاصة
بالاستثمار”. وأفاد بأن صحيفته واجهت حتى الآن حوالي 25
دعوة قانونية من قبل الشخصيات الحزبية والحكومية. ومنها واحدة من قبل نائب رئيس
الوزراء الحالي عمر فتاح، و”حكمت علي المحكمة بالسجن
ستة أشهر مع وقف التنفيذ وغرامة مالية، وأخذوا مني تعهدا خطيا بألا أقع في أي خطأ
قانوني خلال السنوات الثلاث المقبلة. وأواجه الآن خمس دعاوى في محاكم السليمانية، ويكفي أن أخسر دعوى واحدة لأدخل السجن بشكل مباشر”.
والخلاصة “ان الوضع لم يتغير بشأن الصحافة، وحتى الآن
يتم التعامل مع الصحافيين كأعداء. وتنظر السلطة الحزبية إلى النقد كمؤامرة، وتتصور
النقد تهديدا للوضع، وحين نقوم بتغطية التظاهرات والاحتجاجات الاجتماعية تصادر ادواتنا وتمنعنا وتضرب الصحافيين. وهذه المشاكل تعاني منها الصحافية
الاهلية هذا عدا عن التمييز الحاصل بين الصحافة الحزبية
والاهلية”.
التمويل الخارجي تبعية
تعتبر جريدة “الدستور” العراقية اليومية المستقلة
من كبرى الصحف في العراق اليوم. “الخليج” التقت رئيس
تحريرها باسم الشيخ وسألته عن قضية التمويل الخارجي للصحافة العراقية. فقال “كانت
المساعدات الخارجية مشروطة، وقدمت لمؤسسات لغرض دعائي واجندة
خاصة بهذه المؤسسات، ولتمرير مصالح الدول المانحة التي اشترطت ان
يكون هناك شكل معين للإعلام في العراق. وكما تعرفون ان
تبعية التمويل تؤدي الى تبعية الولاء في نهاية الأمر. إضافة
إلى ان هذه المساعدات وزعت بالشكل الذي اضر بالإعلام
العراقي، باعتبار انها خلقت عدم تكافؤ في الفرص ما بين
وسيلة متخمة بالاموال ووسائل أخرى محرومة، وفي النتيجة
أدى ذلك الى خلق إعلام كسيح غير متكافئ، وأدى إلى كارثة
إعلامية في العراق لأن الوسائل الإعلامية والوسائل الحزبية، التي تلقت الدعم
انحازت للجهات السياسية. وبالتالي فإن وسائل الإعلام
المستقلة، التي تكون رسائلها في الغالب حيادية بدأت بالضمور والانهيار والتناقص في
العدد وبالتالي خسر الرأي العام العراقي مؤسسات التأثير المستقلة”. ويرى الشيخ “ان الاموال التي جرى الحديث عنها
خلال المؤتمر لم تقدم لدعم الإعلام العراقي، بل منحت لمؤسسات محددة ومخصصة،
والدليل على ذلك ان الكثير من المؤسسات لم يصلها شيء من
هذه الاموال، منها الدستور وغير الدستور. إن الإعلام
العراقي اليوم متهم بالتمويل الأمريكي والبريطاني، وحتى تبرأ ساحة مؤسساتنا نطالب
بكشف كل الحقائق أمام الرأي وهذا شفافية وانتصار للحقيقة”.
مفيد الجزائري: المؤتمر
ليس مفتعلاً
“الخليج” التقت وزير
الثقافة العراقي السابق، ورئيس لجنة الثقافة والإعلام في البرلمان العراقي مفيد
الجزائري، للوقوف على نظرة أخرى، وتقييم مختلف للمؤتمر.
هناك تقييم سلبي عام للمؤتمر، فما هو رأيك؟
- لا أعتقد أن الحصيلة
سيئة، وهذا المؤتمر ليس زائدا على الحاجة أو مفتعلا، أو انه لم يحقق شيئا. والتوصيات كما ترى تعكس الحاجات
الملحة للإعلام العراقي. نحن بحاجة إلى جملة قضايا لا تحتمل التأجيل، من بينها
مسألة ضمان سلامة الصحافيين، وحماية ارواحهم مما
يتعرضون له. وهناك اليوم جهود من اطراف متعددة، وفي
الخارج على الصعيد العالمي، تلقى هذه المسألة اهتماما كبيرا، وهناك مطالبة للحكومة
العراقية، بأن تتخذ اجراءات في هذا الاتجاه، وكما تعرف
يصعب ضمان حياة فئة محددة من الناس في الوقت الذي يعيش فيه كل الناس مهددين.
انصب النقد في صورة أساسية على تمويل الإعلام العراقي.
- هذه نقطة حساسة وكبيرة
جدا، وقد تم طرحها وجرى التداول حولها بكل حرية. تحدثنا عن الإعلام الحكومي
والمبالغ التي انفقت. لكن لا أحد يعرف على وجه الدقة
أين انفقت. ويقال إن الادارة
الأمريكية المؤقتة في ذلك الوقت هي التي تصرفت بها، والبقية صرفت في بعض
المستلزمات، لكنها لم تستطع ان تغير الكثير. فهناك حاجة
لتنمية إعلامية واسعة النطاق، وهناك حاجة لحماية حقيقية لحرية التعبير. كل هذا لا
بد ان يتم تشريعه، فكل شيء يجري الآن من دون مرجعية
قانونية. وفي وسع أي شخص اليوم أن يصدر صحيفة، حتى من
دون أن يسجلها لدى السلطات المختصة.
هل لا يزال هناك دور للمال الخارجي في الإعلام العراقي؟
- نعم لا يزال وهو دور
كبير، لأنه حدث تورم في عدد الفضائيات، ونحن نعرف على وجه التقريب كم تكلف
الفضائية. فعندما تكون هناك اكثر من عشرين فضائية، هذا
يطرح السؤال بقوة. هناك فضائيات واضحة من حيث مصادر التمويل مثل “العراقية” أو “الحرة”،
ولكن من يمول البقية؟ وهل من حقنا ان
نطالب اليوم بشفافية في ما يتعلق بتمويل “العراقية” ولا نطالب بمعرفة مصادر تمويل
الفضائيات الأخرى؟ إن الشفافية مهمة جدا لأنه قد تكون لهذه الاموال
اغراض لا علاقة لها بالإعلام.
إبراهيم نوار: هناك سياسة دولية لإفساد الإعلام العراقي
“الخليج” التقت ابراهيم
نوار رئيس مؤسسة رقابة حرية الصحافة (لندن)، الذي شارك كمراقب في المؤتمر وحاورته
حول اعماله.
كيف ترى تنظيم هذا المؤتمر؟
- يبدو لي ان هيئة
الاتصالات والإعلام العراقية التي نظمت المؤتمر، لم تعتبر ان
لها شركاء في العراق، يهتمون بأمور متعلقة بمستقبل الإعلام العراقي وامكانية تنميته، لذا تم تنظيم المؤتمر بالاتفاق مع جهات
دولية، لها مصالح واغراض مختلفة تماما عن مصالح واهداف المؤسسات الإعلامية العراقية، والصحافيين العراقيين،
وعليه فقد وجدنا أن اجندة المؤتمر وجدول أعماله، لا
يعكسان الاحتياجات الفعلية للصحافيين العراقيين والمؤسسات الإعلامية العراقية. وإذا
نظرنا الى المتحدثين في كل جلسة، فسنجد ان المتحدثين الرئيسيين هم المنظمات الاجنبية
سواء المانحة أو المنفذة، ولم تكن هناك شخصيات إعلامية عراقية لها وزن إعلامي، ومن
حضر من العراقيين طلب منه الحديث في اللحظات الأخيرة. ولأن الإعلاميين العراقيين
مغيبون عن هذا المؤتمر، فقد جاءت أجندة المؤتمر لا تستجيب لأولويات
ومصالح عراقية، وهي تعكس مصالح ما يسمى “المانحون الاجانب
وقوى الاحتلال والتيار الذي جاء به الاحتلال لحكم العراق”. وفي تقديري إن الإعلام العراقي اليوم هو ضحية لتضارب مصالح المانحين.
أثار علي الاديب عضو مجلس النواب العراقي مسألة
الاعتداءات التي يتعرض لها الصحافيون في العراق. وقال انهم
يقتلون بسبب ارتباطهم بأجهزة مخابرات. من موقعكم في الدفاع عن حرية الصحافة كيف تنظرون لهذا الرأي؟
- إن ما تحدث به عضو مجلس النواب العراقي علي الاديب، وهو احد اعضاء الائتلاف
الحاكم يعكس وجهة نظر معادية عداء صارخا لحرية التعبير والتعددية الإعلامية . إن ذلك يعني إعلاما واحدا، يعيد صياغة العقل العراقي وحياة
العراقيين على المقاس والنموذج اللذين يريدونهما، وكل من لا يتفق معهم على ذلك هم
يشرّعون قتله. هذا شيء خطير جدا، لأن ما نراه في العراق حاليا هو نتيجة لهذه
التوجهات السياسية الخاطئة.
ما تعليقك على تمويل الإعلام العراقي؟
- إن الحديث الذي أثير حول تمويل الإعلام العراقي أمر
مهين، ولو نظرنا إلى “شبكة الإعلام العراقية” التي تتلقى كل الدعم لوجدناها متخلفة
مهنيا وفاسدة ماليا، وليس فيها كادر إعلامي عراقي يستطيع ان
يمارس دوره بكفاءة، لأن هذه الهيئة مسيطر عليها من قبل الحكومة والمنظمات المانحة.
وإذا نظرنا إلى الاموال التي دفعت لتمويل هذه الشبكة
نجد انها دفعت كرشى، وكوسائل
لافساد الناس. وهنا نجد ان
هناك سياسة دولية لافساد الإعلام الجديد في العراق. وقد
كنا نعتقد ان العراق الجديد سوف يقدم لنا نموذجا
إعلاميا مختلفا فإذا ب98 في المائة من الدعم يذهب
للإعلام الحكومي. كيف تستقيم الدعوة اذن لانشاء إعلام مستقل مع تخصيص التمويل لإعلام غير مستقل؟
* كاتب سوري- باريس