18 مايو 2006 

 

 

 

 

 

ميشيل كيلو: كلمة حق

بشير البكر

 

 لماذا ميشيل كيلو في هذا الوقت بالذات؟

 

وردت أكثر من اجابة على هذا السؤال، في ثنايا بيانات التضامن التي صدرت بعد اعتقاله،لكنها لاتذهب جميعها نحو بيت القصيد. تتمثل النقطة التي جعلت الكأس يطفح بالمقال الذي نشره كيلو مؤخرا في صحيفة"القدس العربي"، تحت عنوان:"نعوات سورية". لم يسبق لميشيل أن كتب مقالا يفيض بهذا القدر من المرارة والسخرية والتهكم والوجدانية.

 

يشّرح المقال الواقع القائم في مدينة اللاذقية، التي تعكس الوضع الاجتماعي والسياسي الراهن في منطقة الساحل السوري،بتداخلاته المدينية والريفية،وهو إذ يتفحص "أوراق النعوة" في شوارع المدينة،يقف على التحولات والفوارق، التي عرفتها هذه المنطقة منذ وصول حزب البعث الى السلطة في الثامن من آذار/مارس سنة 1963،حيث انخرط ابناء الريف بكثافة في الجيش والمخابرات"يعيش معظمهم على ريع السلطة، وخاصة العسكري منه".

 

يقرأ كيلو من خلال "الأوراق" حقائق التوزيع الطبقي والسياسي الراهن،ليصل الى استنتاج مفاده"ان الطوائف ضرب من بنية تحتية للوعي العام في سوريا"،وان المنطقة حيال "وضع اجتماعي سياسي ثقافي وطني،بالأحرى لاوطني".وبالتالي فإن "الاوراق" تشي بمصير بائس، وتفضح الحقائق المؤسفة والخطيرة،"التي تكونت خلال السنوات التي قالت السلطة فيها انها تبني عالما من المساواة والاخاء والحرية والمواطنة،وتمحو الفوارق بين الريف والمدينة".

 

لولا بعض الاشارات السياسية الحادة،لكان يمكن اعتبار المقال مجرد نظرة انتروبولوجية الى الواقع القائم بين الريف والمدينة في غالبية بلدان العالم الثالث،وهذا أمر نعثر عليه في كل الكتب والدراسات التي تتناول قضايا التطور السكاني.ومن يتمعن جيدا،يجد أن المقال لايقول شيئا كبيرا على صعيد التمييز السلبي بين مدينة اللاذقية وريفها،وحتى في الأماكن التي يحاول فيها الكاتب التنويع الفولكلوري على الخلافات بين طباع ابناء الريف والمدينة،فإنه يسوق ذلك كإطار عام للفكرة،وليس من باب نقد أو تشريح عادات وتقاليد الجبل السوري بقصد الحط منها،كما حاول بعض المعلقين أن ينسبوا للكاتب.إن من يعرف ميشيل كيلو يشهد له بعده عن هذه النظرة الضيقة والسطحية.ليس هدف المقال "ازدراء" أو"الحط" من شأن ابناء الطائفة العلوية،وقد سبق للسينمائي السوري اسامة محمد في احد افلامه، ان رسم قبل سنوات لوحة معبرة عن ريف الساحل السوري،على طريقة رواد الواقعية في السينما الايطالية،ولم يتهمه أحد في حينه بإثارة الفتنة.

 

على العموم لم يذهب كيلو بعيدا في الظروف التي ادت الى "ترييف" المدن،والاسباب التي دفعت الريف  للزحف  نحو المدينة، بعد تولي الحكم من قبل مجموعة من الضباط ذات أصل ريفي،وهذا ينطبق على دمشق وحلب كحاضريتين تاريخيتين قديمتين.وقد أخذ هذا العامل في عين الاعتبار كل الكتاب الاجانب، الذين اهتموا بدراسة تطورالوضع السياسي في سوريا منذ الاستقلال،وخصوصا "نيكولاس فان دام"  و"باتريك سيل"،الذي تحدث مطولا عن الطابع الخشن للضباط البعثيين، الذين استولوا على السلطة عن طريق الانقلابات العسكرية والدم في سوريا والعراق.

 

إن النقطة الحساسة في المقال هي اشارة كيلو الى الطائفية كبنية تحتية للوعي في سوريا،وهذه المسألة ليست جديدة لا على مستوى الحكم، ولا على صعيد وعي الشارع،لكنها تثار للمرة الأولى بهذه الصراحة،ومن طرف شخص لايمكن تصنيفه في خانة الطائفية السياسية. يأتي من هنا سر العصبية التي اتسم بها سلوك ضباط النظام في المخابرات والصحافة.إن اعتبار الكتابة عن هذه النقطة من المحرمات هو هروب الى الأمام، لأن القاصي والداني يعرف إن هناك مشكلة طائفية في سوريا،وهناك اطراف تهيمن على السلطة وتحتكرها،وتنتهك الحقوق والحريات،وغالبية هذه الاطراف تنتمي الى الطائفة العلوية.لماذا يصبح محرما الحديث عن هذه الظاهرة اذا كانت موجودة وتضر بمستقبل البلد،وماذا يفيد السكوت غير المستفيدين منها في صورة مباشرة؟ . إننا كسوريين مدعوون اليوم لتجاوز ذواتنا على هذا المستوى،ومواجهة أسوأ النزعات الكامنة فينا، من اللامبالاة والجبن والخوف والانقياد والخلاص الفردي.لابد من الوقوف بوجه المظاهر الخداعة.إن كامل المسؤولية لايقع في حال من الأحوال على عاتق النظام وحده،بل إن قدرا هاما من المسؤولية نتحمله نحن.

 

 يعرف السوريون جميعا بأن المسألة المطروحة اليوم، ليست نزاعا بين الطوائف بل هي الاستبداد.ومن المؤسف اليوم ان الاستبداد يوشك بأن يصير مرادفا للطائفية،فالبلد ليس محكوما من قبل ناجي عطري او فاروق الشرع،بل من آصف شوكت وماهر الاسد ومحمد ناصيف وبهجت سليمان، وبقية ضباط الأمن الذي ينتمي اغلبهم الى الطائفة العلوية.

 

إن جوهر الاستبداد هو في منع المجتمع السوري من ممارسة حرياته المصادرة، بفعل قوانين الطوارئ وغياب دولة الحق والقانون،ولايمكن أن يزول الاستبداد إلا بقيام مرجعية جديدة،تشريعية ودستورية،وأن يتم الاعتراف بالحقوق،وان تصبح المواطنة ،هي المرجع وليس العصبية الطائفية.

 

قد تطلق السلطة سراح ميشيل كيلو قريبا،وقد يلتحق بصديقه الدكتورعارف دليلة إلى "بيت الموتى" السوري،مكان العار الوحيد الباقي في العالم.لقد هدمت السجون السياسية في كل مكان،من شنغهاي الى شنقيط،ومن كوبا الى صنعاء وطرابلس الغرب وافريقيا الوسطى،إلا في بلدنا الحبيب!.لم يعد احد يخول نفسه حق سجن احد باسم"اضعاف الشعور القومي"، غير الأشاوس في دمشق.وحدهم يتفانون بالدفاع عن هذه القيمة النبيلة، بوصفها محصلة للتوازن الاستراتيجي الذي خلفه لهم حافظ الاسد،بعد أن استعاد الجولان.

 

إن الخوف لا يأتي من مقال صحفي،بل من العواقب الوخيمة ومرارة الاذلال والكبت وتزييف ارادة الاكثرية. يخيفنا الثمن الباهظ الذي سوف يضطرنا الى دفعه تعطيل سير التاريخ، واحصاء انفاس الحياة احصاءا وحشيا.يخيفنا هذا الاقصاء القسري،وتدهور آفاق العيش بين ابناء الوطن الواحد، على نحو سوي نسبيا.إن مايخيف ليس المحن العصبية التي نتكبدها الآن، من جراء القمع الذي لاحدود ولا ضوابط له، والحط من حقوق الانسان،ولا حتى الثمن الباهظ الذي لابد لنا من دفعه على المدى البعيد، من جراء الانحطاط الشامل لمجتمعنا.

 

إن ما يعنيني هنا هو الكلفة، التي يصعب تخمينها لتلك اللحظة المستقبلية، التي سوف يطلب فيها التاريخ حقه.

bacha@noos.fr

 

* كاتب سوري

 

للتعليق على هذا الموضوع