24 فبراير 2006

 

 

 

 

   

مسؤولية التدهور الفرنسي السوري

ليس دفاعا عن شيراك

بشير البكر

 

 اصبحت قضية التدهور في العلاقات السورية- الفرنسية منذ بدايات سنة2004، حكاية مكرورة لكثرة ما تداولها السياسيون والكتاب، منذ قرار دمشق فرض التمديد للرئيس اللبناني اميل لحود.لقد قيل الكثير من الكلام  حول الأسباب التي حدت بالرئيس الفرنسي جاك شيراك، لأن يغير رأيه بالرئيس الشاب بشار الأسد،ويوقف دفق"الحرارة الأبوية" تجاهه،وينتقل الى النقيض. وخلاصة الكلام حتى الآن، هو ان الأسد خيب ظن شيراك في ما يتعلق تعهداته ووعوده بالانفتاح السياسي والاصلاح الاقتصادي، وموقفه من لبنان. بالاضافة الى عقد الغاز السوري، الذي يعتبر النقطة التي أفاضت الكأس الملآن. وقصة هذا العقد ان شركة "توتال" النفطية الفرنسية قدمت عرضا للاستثمار، في ميدان الغاز السوري الى جانب شركات اجنبية اخرى، منها بريطانية واميركية -كندية ذات رأسمال اميركي. وقد تبين ان العرض الذي تقدمت به الشركة الفرنسية كان الأفضل، لجهة المواصفات المطلوبة لكن السلطات السورية قامت بعملية تحايل مكشوف، ومنحت العقد للشركة الاميركية- الكندية، التي يتولى وكالتها أخوال الرئيس السوري (آل مخلوف).

 

أغضب هذا الأمر الرئيس شيراك لعدة أسباب: الأول، هو استبعاد الشركة الفرنسية رغم فوزها بالعقد على نحو قانوني، ومن موقعه كان من الطبيعي أن يعتبر العملية ضربا من التحايل الذي لا يليق بالدول أن تمارسه.فقد كان بوسع سوريا ان تمنح العقد للشركة الاميركية - الكندية مباشرة، ولن تجد من يعترض على ذلك، لكن أن تعلن عن مناقصة، ومن ثم تتلاعب في نهاية المطاف، فإن ذلك غير مقبول، لا سيما وان السبب المباشر واضح، وهو مصلحة "آل مخلوف". السبب الثاني لانزعاج شيراك، هو ان قرار سوريا منح العقد للشركة الاميركية - الكندية لا يخلو من بعد سياسي.وهو في جانب منه يوجه رسالة الى الادارة الاميركية، فحواها ان بشار ينظر بعين الرعاية الى المصالح الاميركية في سوريا.لكن الرسالة جاءت فاقعة على ضوء القرار الذي كان قد اتخذه الكونغرس الاميركي قبل وقت قصير،و بأغلبية ساحقة، ضد سوريا، ومر تحت عنوان:"قانون معاقبة سوريا وتحرير لبنان". ومن جملة ما حمل فرض عقوبات اقتصادية على سوريا!وهنا يكمن جانب الصدمة بالنسبة للمسؤولين الفرنسيين الذين أبدوا تضامنا كبيرا مع سوريا، وصل الى حد أن الرئيس شيراك اعلن من على منبر البرلمان اللبناني، خلال مشاركته في قمة الفرانكوفونية سنة2002، ان سوريا سوف تسحب قواتها في صورة نهائية من لبنان في إطار حل شامل للصراع العربي الاسرائيلي. ولو انه لم يكن يريد منح بشار الاسد فرصة ليثبت نفسه، لكان قد انضم للدعوة الاميركية الاسرائيلية، التي كانت تطالب سوريا بسحب قواتها من لبنان، إسوة باسرائيل التي قامت بذلك سنة 2000. والسبب الثالث علم الرئاسة الفرنسية، ان بشار اتخذ قرار حجب العقد عن الشركة الفرنسية، رغم ان السفيرة السورية في باريس صبى ناصر، نبهت في تقرير موجه للرئيس الأسد ،لأهمية عقد الغاز في العلاقات السورية الفرنسية.

 

كان لهذه القضية أثرها السلبي المباشر على موقف شيراك، الذي اقتصر رد فعله على سحب الجانب الشخصي من التعاطي مع النظام السوري، ولم تلجأ فرنسا في هذا الوقت الى وقف المعاملة الاستثنائية، التي كانت تخص بها سوريا، في ميادين اصلاح الاقتصاد والادارة والقضاء والتعليم...الخ. وقد استمر الخبراء الفرنسيون في تأدية عملهم ضمن اطار المساعدة التي قدمتها فرنسا الى سوريا، بعد زيارة بشار الاسد الى باريس على اثر توليه الحكم.ولو أن فرنسا تصرفت من موقع رد العل، لما بقي الحبراء الفرنسيون هناك.

 

إن مناسبة العودة الى إثارة هذا الموضوع اليوم، هي سلسلة المقالات التي نشرتها مؤخرا كل من صحيفتي "الحياة" و"السفير" عن العلاقات السورية - الفرنسية، وذلك بعد زيارة لفرنسا قام بها مراسلا الصحيفتين في دمشق ابراهيم حميدي، وزياد حيدر.ليس هدفي بالطبع مناقشة ماجاء في جولات الأفق، التي اجراها الصحافيان من باريس، ولا ما حفلت به من آراء مختلفة، بقدر ما أريد التوقف عند نقطتين اساسيتين وردتا في تغطية "الحياة": النقطة الأولى تتعلق بالموقف الفرنسي من الصراع العربي الاسرائيلي.ففي تمريرة واضحة، المقصود منها رمي المسؤولية على ظهر فرنسا في تدهور العلاقة، ذهب حميدي للاستشهاد بمقال لصحيفة "واشنطن بوست" الاميركية، يقول ان مستشار الرئيس الفرنسي "موريس غوردو دو مونتانييه" زار دمشق في تشرين الثاني/نوفمبر سنة2003، حاملا رسالة من شيراك وشرودر وبوتين للأسد تحضه على ضرورة مجاراة التغيرات الدولية الجديدة :"حرب العراق غيرت الأمور في الشرق الاوسط،وعلى سوريا أن تظهر انها تغيرت ايضا،من خلال قيام الأسد بزيارة القدس، أو اتخاذ خطوات اكثر جرأة لاقامة سلام مع اسرائيل.وكان الجواب للمبعوث الفرنسي:هل انت ناطق باسم الاميركيين؟".

 

ليس بوسع الذين يعرفون السياسة الخارجية الفرنسية، أو مواقف شيراك تحديدا، ان يصدقوا هذه الرواية. فهل حقا ان البلد الذي شكل نقطة التوازن في السياسة الدولية تجاه النزاع العربي الاسرائيلي منذ سنة 1967، يتحول فجأة في اتجاه يدعو بشار للذهاب الى القدس؟ وما يثير الريبة والشك هنا هو، أن هذه المعلومة التي هي على قدر كبير من الأهمية، ظلت مكتومة حتى اكتشفها الصحافي "ديفيد اغناطيوس"، ونشرها في "واشنطن بوست"، ثم نقلها عنه مراسل "الحياة" في دمشق. اننا ازاء سلسلة من الأحاجي والمصادفات التي تحتاج الى عبقرية خاصة، من نمط تلك التي يتمتع بها اللواء الدكتور بهجت سليمان مسؤول المخابرات السورية السابق، وصديق الصحافيين ورجال الفكر، وبعض زعماء المعارضة القومية.والسؤال الذي يطرح نفسه هو، اذا صحت هذه الحادثة لماذا تكتم عليها الاعلام السوري طيلة هذا الوقت،وهو الذي شغل نفسه بتفاصيل اقل اهمية حول مواضيع الخلاف بين الطرفين.لماذا لم يقل الطرف السوري علانية انه اختلف مع فرنسا حول الصراع العربي الاسرائيلي؟ إن تسريبات الظل تبقى في الظل. ولايكفي الافتراء على الآخر لتبييض السجلات السوداء.

 

تتعلق النقطة الثانية، تتعلق باستناج الحميدي بأن "انغلاق قناة دمشق" قابله انفتاح باريس على"قناة واشنطن" في آب/اغسطس سنة 2004. وهو يتحدث ايضا عن "انقلاب ابيض" في السياسة الخارجية الفرنسية لصالح واشنطن، ويربط ذلك يتغير حصل في الموقف الفرنسي تجاه احتلال العراق.صحيح ان تفاهما اميركيا فرنسيا حصل منذ هذا لوقت،لكن الملاحظ هو ان الموقف الفرنسي حول العراق لم يتغير بدليل ان فرنسا ما تزال عند قرارات مجلس الأمن من استعادة السيادة العراقية، كما انها لم ترسل قوات الى العراق، وهذا مؤشر هام. والأمر ذاته ينطبق على المسافة القائمة بين موقفي باريس وواشنطن من القضايا الدولية الأخرى. من فلسطين حتى اصلاح الامم المتحدة والملف النووي الايراني، ورفع حظر السلاح عن الصين.

 

ما كنت سوف أكلف نفسي عناء التعليق، لو ان الزميل الحميدي نشر آكتشافاته القيمة في جريدة"تشرين"، لكن لكونها صدرت في "الحياة"، فإن الأمر اقتضى التوضيح.

 

      

bacha@noos.fr

 

للتعليق على هذا الموضوع