27 فبراير 2006

 

 

 

تعقيبا على ابراهيم حميدي

القراءة المقلوبة للخلاف السوري الفرنسي

بشير البكر

 

 ترددت كثيرا في الرد على تعليق الزميل ابراهيم حميدي على المقالة، التي ناقشت فيها جانبا صغيرا من تحقيقه الصحافي الذي نشره على حلقتين في صحيفة "الحياة" يومي 22و23 شباط/فبراير الحالي. إن الدافع الأول لترددي هو عدم احراج الزميل حميدي، الذي أقدر له استمراره في الكتابة من داخل "جمهورية الصمت"، على حد تعبير استاذنا الكبير رياض الترك. أما الدافع الثاني، هو ان تعليق الزميل حميدي لم يتجه الى مناقشة الافكار التي طرحتها، حول اسباب تدهور العلاقات السورية الفرنسية، بقدر ما أنه قدم توضيحات تخص رحلته الى فرنسا، معيدا تلخيص النقاط الاساسية التي أثارها والاستنتاجات التي توصل اليها، ولكن في صورة رفعها الى مستوى "اليقينيات". وقد كنت افضل لو أنه احتفظ بها في سياقها، الذي وردت فيه على صفحات "الحياة"، لكن على مايبدو "إن للضرورة احكام".

 

إن عدم الخوض من طرفي مجددا، في الموضوع لا يغير من رأيي السابق في ان جانبا من قراءته لاسباب التدهور في العلاقات الفرنسية السورية جاء مقلوبا، كما لا يمنع من لفت انتباه الزميل حميدي الى بعض النقاط الرئيسية التي تستوجب التصحيح:

 

 *إن تحول موقف الرئيس الفرنسي جاك شيراك تجاه نظام الرئيس السوري بشار الأسد، ليس سببه "التحول الاستراتيجي" الذي حصل في التفكير الفرنسي، والذي يلخصه الزميل حميدي بـ"انتقال فرنسا من التناقض مع اميركا الى مجاراتها". بل إن السبب، كما أوضحت في ردي، يعود الى "الاحباط" الذي اصاب شيراك من الاسد على مستوى سياسات الداخل والخارج. ولعل الزميل حميدي يوافقني الرأي على ان شيراك صديق لسوريا في الشرق الأوسط، أقوى من شيراك بدون هذه الصداقة. وقد كان بوسع شيراك أن "يتحول" ويأخذ معه بشار الاسد الى واشنطن، أم ان الزميل حميدي يريد اقناعنا بأن بشار يتعفف على ذلك؟ وهو بلا شك يدرك أنه بفضل ما يصفه بـ"التحول"، تمكن شيراك من اقناع ادارة الرئيس الاميركي جورج بوش حتى الآن، بالتعاطي في صورة مختلفة مع الوضعين السوري واللبناني، عن تلك التي جرى اللجوء اليها في العراق.

 

*إن موقف شيراك من الوجود السوري في لبنان، والتمديد للرئيس اميل لحود مبني على موقف أطراف لبنانية ذات ثقل أساسي، وصاحبة مشروع استقلالي عن الوصاية وحكم المخابرات. هذه الاطراف عارضت التمديد، وطالبت بتطبيق "اتفاق الطائف"، ولم تعلن الحرب على سوريا، وحتى القرار 1559 الذي صدر عشية التمديد للحود، ليس فيه ما يستوجب أخذه على أنه مؤامرة ضد سوريا. وبالتالي لم يكن هناك أي مبرر للنظام السوري لكي يرد الفعل في صورة عصبية، خالية من أي تقدير دقيق للعواقب وحسابات للمصالح. كان بوسعه أن يمتص الصدمة، ولا يذهب بالموقف نحو التهور الذي نشهده اليوم. هل يبرر انزعاج سوريا من شيراك والحريري وجنبلاط، دفع الأمور نحو الحافة، والتصعيد على نحو ينذر بتدمير سوريا ولبنان؟

 

 *يبسط الزميل حميدي الموقف عندما يجزم بحصول تحول في السياسة الفرنسية تجاه الولايات المتحدة. اتمنى عليه هنا، أن يعمل التدقيق في نظرته هذه، على الأقل في ما يخص الملفات التي يرى أن التحول ينسحب عليها. ومن ذلك موضوع الشرق الأوسط الكبير. ولا أدري إن كانت الفرصة قد اتيحت له، ليستمع الى وجهة نظر احد من الرسميين الفرنسيين القريبين من شيراك تجاه هذه النقطة. انها للأسف الشديد، أقرب الى وجهة نظر النظام العربي الرسمي، وأبعد ما تكون عن المواقف الاميركية، التي دعت الى دعم مشاريع اشاعة الديموقراطية. ويتطرق الزميل حميدي ايضا الى مسألة اعادة النظر في "مسيرة برشلونة" للشراكة بين ضفتي المتوسط، ويعزو ذلك الى التحول في الموقف الفرنسي الاوروبي نحو الاطلسية! وهنا يقع الزميل حميدي في الالتباس الشائع الذي يروج له اعداء الاطلسية عن عمد. والحقيقة إن قسطا أساسيا من اخفاق"عملية برشلونة" يعود الى التقصير العربي في التعاطي معها، وتحديدا سوريا التي تخبطت كثيرا قبل ان تكون آخر الموقعين على اتفاقية الشراكة بالأحرف الأولى في اكتوبر 2004. وهي وقعت الاتفاق في هذا الوقت، ظنا منها ان الاتحاد الاوروبي سوف يحميها من ضغوط فرنسية اميركية محتملة. ولا أظن أن الزميل حميدي الجالس في دمشق لا يعرف هذه الحيثيات. واذا اراد ان يتعمق أكثر فإني احيله الى المختصين في هذا الشأن من الخبراء السوريين قبل غيرهم.

 

إن أحد الأسباب التي اخرت "عملية برشلونة"، هو توسيع الاتحاد الاوروبي الى 25 دولة، وليس التحول في الموقف الفرنسي تجاه الولايات المتحدة، عدا عن أن الاتجاه الأطلسي داخل أوروبا لم يتدخل في هذا الاتجاه، وهو ضعف الى حد كبير مع خسارة اليمين الاسباني الحكم سنة 2004.

*اريد في الختام الاعتذار من الزميل حميدي ان كنت قد خدشت، دون قصد مني، جدارته المهنية كما اشار الى ذلك في مكانين من رده الذي نشره "الشفاف". وقد بحثت جيدا في مقالي عن أثر للانتقاص من مهنيته فلم أجد. وإن كان يقصد اشارتي الى استشهاده بمقال "ديفيد اغناطيوس" الذي نشره في صحيفة "واشنطن بوست"، فإني عند موقفي من هذه النقطة. إن "السحبة" التي جاء بها "اغناطيوس" لا تنطلي على أحد. ولا أظن أن صحافيا من عيار الاستاذ حميدي، يدير مكتب "الحياة" منذ 16 في دمشق، يحتاج الى مقال في "واشنطن بوست"، لكي يفهم السر الكامن وراء تدهور العلاقات السورية الفرنسية.

bacha@noos.fr

 

مواضيع ذات صلة:

ابراهيم حميدي:  تعليقا على بشير البكر

سورية في المشهد الفرنسي: تحول استراتيجي.. وبُعد شخصي

 

سورية في المشهد الفرنسي (1 / 2) ...

التقاء مصالح بين الديغوليين و«المحافظين الجدد» والتحول الفرنسي استراتيجي وليس عاطفياً

 

سورية في المشهد الفرنسي (2 / 2)...

ادارة شيراك تتمسك بالتحقيق وتختار«الغموض البناء» ازاء مستقبل النظام في دمشق

 

 بشير البكر ليس دفاعا عن شيراك

 

للتعليق على هذا الموضوع