![]()
23 أكتوبر 2006
ميشيل كيلو الأول والثاني
بعد خروجه من السجن الأول في مطلع
الثمانينات، و الذي امضى فيه قرابة عامين، روى ميشيل
كيلو الكثير من الغرائب التي يحفل بها
السجن السوري، الذي لا يجد تشبيها يناسبه غير وصف السجن الذي اطلقه ديستوفيسكي في روايته الشهيرة "بيت الموتى". من
أطرف تلك الحكايات واحدة تتعلق بسجين يمني تعرف عليه بوصفه عميدا
للسجناء في العنبر. لقد كرمه السجناء بهذه الصفة لسببين : الاول، لكونه الاقدم. والثاني لأنه سجين بدون تهمة وبدون حكم محدد. هو موجود في
السجن السوري منذ سنة 1967، أي مضى عليه أكثر من عقد من الزمن، من دون أن يعرف السبب
الفعلي لحبسه، لكن أحدهم تكرّم عليه وأخبره بأن سجنه جاء بناء على طلب من الرئيس
القاضي عبد الرحمن الارياني، الذي حكم اليمن ما بين 1967
و1974.
لم يحاكمه أحد ولم يصدر ضده حكم ولم يسأل عليه أحد. ظل مرميا هناك لا أحد يرد
عليه، رغم أن القاضي الارياني نفسه اطيح
به في انقلاب عسكري ابيض قاده العقيد ابراهيم الحمدي والشيخ سنان ابولحوم، واصبح لاجئا سياسيا في دمشق.
نتذكر هذه القصة لأنها قريبة في درجة غرابتها، لما وقع
مؤخرا لميشيل كيلو.
فهو اليوم طليق وسجين في نفس الوقت.هو طليق
رسميا منذ يوم الخميس الماضي في التاسع عشر من الشهر، بقرار صدر عن قاضية التحقيق
حليمة حيدر،وضمنيا بعد وساطة قام بها سليم الحص رئيس
وزراء لبنان السابق لدى بشار الاسد. لكنه سجين لأنه لم
يغادر جدران الزنزانة بعد، بل وجهت له تهم جديدة
اكثر قسوة من تلك التي وجهت في المرة الاولى، حين جرى اعتقاله في ايار/ الماضي
بتهمة التوقيع على بيان "اعلان دمشق بيروت".
إن الطريف في الأمر هنا هو الخبرالذي نشره موقع "شام برس"
الاليكتروني القريب من جهاز المخابرات السورية.وقد نقل الموقع في اليوم الثاني
لصدور قرار القاضية، عن مصادر قضائية تكذيبا لخبر اخلاء
ميشيل كيلو، في الوقت الذي أكدت فيه زوجة كيلو لوكالة "قدس برس" نبأ
اخلاء سبيل زوجها على أن يحاكم طليقا. وقالت ان النبأ بلغها منذ يوم السابع عشر من الشهر، لكنه لم يتأكد
سوى في التاسع عشر.
شاع خبر الافراج
عن ميشيل يوم التاسع عشر بسرعة، وصدّق الناس في الداخل والخارج، ان الرجل عاد الى عائلته،وهناك من
قال انه شاهده وهو يغادر السجن في خبرمصور بثته قناة
الجزيرة الفضائية.لكن الذين يمسكون بمقاليد الأمور في دمشق خيبوا ظن الجميع،ولم
يشتم ميشيل هواء الحرية في ذلك اليوم.وفي الغد بدأت الاعذار
تتالى حول سبب التأخير،ومنها تعذر دفع الكفالة المالية التي لا تصل الى عشرين دولارا،ولكن تبين ان
الرجل الكريم المحامي حسن عبد العظيم تكفل بها، وإلا
لكان التاريخ لعن سوريا وشعبها على هذا الهوان،فهل يعقل اننا
لانستطيع ان نفدي حرية كاتب
ومثقف معارض بعشرين دولارا؟! .وقيل ايضا ان مذكرة الاخلاء التي وقعتها
القاضية حليمة لم ترسل من قصر العدل الى السجن ، لذا جرى الاحتفاظ به حتى تنقضي عطلة نهاية الاسبوع، وسيفرج عنه يوم السبت.ومر السبت وجاء الاحد وبدأت تتسرب اخبار جديدة
مفادها، أن ضابطا نافذا من الصف الأول رفض الافراج عن كيلو، وابطل بذلك مفعول الأمر
القضائي باخلاء السبيل، ولكي يبرر هذا الضابط قراره، تم
تلفيق تهم جديدة لميشيل كيلو،غير تلك التي اوقف بسببها في مايو
الماضي.
تستطيع السلطات السورية ان تدعي انها افرجت
عن ميشيل كيلو للسبب السابق،وعادت الى
اعتقاله للاسباب اللاحقة الجديدة. وبوسعها ان تقول انها اسقطت
عنه التهم السابقة، لكنها اكتشفت له تهما جديدة. فالقضاء السوري أراد أن يتسامح جزئيا مع الرجل، وقرر ان يخفف بعض حمله باطلاق السراح
الشرطي، لكنه تراجع عن ذلك بسبب فداحة التهم الجديدة، وهي" تعريض سوريا لخطر اعمال عدائية- اضعاف
الشعور القومي- اثارة النعرات
الطائفية والمذهبية...الخ".
ليس هناك لعبة مسرحية في الامر، فقد صدر قرار الافراج عنه
من قبل قاضية التحقيق، لكن قرارا مضادا صدر من طرف قاضي تحقيق آخر.إن المسألة
متروكة للقضاء اذن، ولاعلاقة
لأحد بها.أليست هذه هي الشفافية وحياد القضاء؟ ومن لا يريد أن يصدق بأن القضاء في سوريا مستقل عليه أن يشرب
البحر.
كان ينقص السلطة ان توضح شيئا واحدا
فقط، حتى نصدق التهم المنسوبة الى ميشيل كيلو.فالقول بانه يعرض سوريا لاعمال عدائية،وانه يضعف الشعور
القومي لم يعد يحرك احدا، لأن الناس تعرف جيدا ان الاعمال العدائية
لن تصيب سوريا من وراء توقيع بيان،فهذا اقل من نقطة في بحر امام
نهب وتدمير مستقبل وطن بكامله. اما
الشعور القومي فهو كذبة كبيرة باعنا إياها ضباط البعث لاكثر
من اربعة عقود،ولم تأت بغير الهزائم والتفريط بالجولان .
إن النقطة الاساسية
في الامر هي اثارة النعرات الطائفية والمذهبية. لقد ظلوا خمسة اشهر يرفضون
الحديث عن هذه القضية صراحة. بقي ضباط المافيا الطائفية الحاكمة يدورون من حول اعلان دمشق بيروت، لكن حين ثبت ضعف هذه التهمة،عادوا الى ملامسة جانب من الحقيقة.
لقد اعترفوا اليوم ان ميشيل كيلو ضرب على وتر حساس حين تحدث عن
الطائفية، وشرح بشجاعة آلية تبادل الاستخدام المزدوج بين النظام والطائفة،
كيف يستفيد النظام من الطائفة، وكيف تستفيد الطائفة من النظام. أزعجهم أن يبدأ
ميشيل مقاله بالقول : اللاذقية مدينة آبائي واجدادي.أخافهم
أنه ما يزال يمتلك ذاكرة وتاريخا، وهم الذين يريدون ان يجعلوا تاريخ سوريا تاريخهم، ويصنعوا لها ذاكرة مزيفة
وعابرة بقوة السلاح.