![]()
16 أبريل
2006
وداعا
يا صاحب الفرادة
رحل
محمد الماغوط . وهل
كان مقيما في
الأصل؟
كانت
حياته سفرا
دائما،
مثل محارب أغريقي
عتيق، بين اقاليم
الألم الشخصي
والفجائع
الوطنية،
التي لم تتوقف. وقد
نالت منه
المأساة حتى
آخر لحظة من
أيام عمره
الحافل
بالضجيج على
المستويين
الذاتي والابداعي.
ألقى المرساة
في دمشق التي
بقي صديقا
وفيا لدروبها
القديمة، ووري
الثرى في
السلمية التي
كان يهددنا
دائما بانه
سيعود اليها،
حين ينال منه
الغضب،
ويبلغ مالا طاقة
له على
احتماله.
لو لم يذهب الماغوط
بعيدا في حب
دمشق لما عاد
متأخرا الى
السلمية.
غاب الماغوط
عن المشهد
الشعري منذ
ثلاثة عقود
على الأقل. من كان
سيتذكره لو لم
تسند اليه
جائزة العويس
الثقافية، ويأتي
ليتسلمها
مؤخرا في الامارات؟
لقد توقف
عن الشعر، أو أن
الشعر توقف
عنه منذ منتصف
السبعينات. كانت
آخر "قصيدة ماغوطية"
كتبها الماغوط
سنة 1976،
بعنوان:"آخر
كلاب الأثر". ومنذ ذلك
اليوم لا أذكر
أننا قرأنا له
قصيدة حزينة
في ضوء القمر. نعم هو
رثى زوجته، ورفيقة
دربه الشاعرة
سنية صالح،
حين كانت
مريضة بين
الموت والموت
في باريس في
منتصف
الثمانينات، لكنه
لم يكن،
وهو الذي
يدين لهذه
الشاعرة ذات
النفس الخاص،
ذلك الكاتب
الذي عهدناه
في دواويينه
الثلاثة.
لفطري،البري،العميق،
المنشق،
المتدفق حكمة،
وشراسة بلا
حدود.
كان يمكن
لقصيدة "آخر
كلاب الأثر" ان تشكل
انعطافة في
تجربة هذا
الشاعر
المنفلت من كل
القيود،
وتنتقل بها
من طورها
العفوي
والفطري إلى
ما يتعدى،او يجاور
مصاف مجايليه
من الشعراء
الرواد.
كان الماغوط
نهرا متدفقا
من الشعر
الصافي
الرقراق، نمت
على طرفه
انهار وسواقي
ووديان
وبساتين وقرى وحيوات
شعرية كثيرة، لكنه
ظل كما هو، نافرا
من النبع الى
المصب. يقرأه
المرء فيخرج
مجروحا ومسكونا
بالشجن
والعذوبة.
نتعمد نسيانه
فنتذكره رغما
عنا. كان
الشاعر الذي
يجلس القصيدة
في كل يوم على
كرسي المقهى، ويخرجها
من دفتر
الغياب. شاعر
الريف في
المدينة
وشاعر
المدينة الخاطئة
أمام الريف. رجل
يسير ببطء
شديد، ومع ذلك
لم يتمكن أحد
من اللحاق به
(الجنة للعدائين
وراكبي
الدراجات
النارية) أو الامساك
به. كثيرون
حاولوا أن
يصبحوا الماغوط
لكنهم فشلوا.
لأن النسخة
الأصلية لم
تكن قابلة
للتقليد او
التزوير، لقد بقي
وحيد روحه
وحالاته
وجنونه
الغجري. لعب الماغوط
ضمن الحدود
الملغومة،
مابين العادي
الهارب من
القول، والممتنع
الذي لا تأويل
له.
ثمة ما يميز الماغوط
عن غيره من
الشعراء، هو انه
لم يكن على
ألفة مع
الكتابة
والكتاب. لم يعرف
عنه رأي معين
حيال الكتابة. اقترب
منه الجميع، لكنه
بقي على مسافة
حتى من اقرب الاصدقاء اليه. كنا
نحبه ولا نكف عن
تلاوة قصائده
وتداولها، نحن
الشعراء الشباب
في سوريا
السبعينات، لكننا
لم نستطع
الاقتراب منه. نحييه
ويحيينا بموده، وكل
يعبر في
اتجاه. لم يكن
يريدنا أن نختلط
معه، كان
يخشى الألفة.
وقد أسر
لبعضنا انه
يخاف من أن
تتكون من حوله
مجموعة، لأن
بداية هذا
الطريق تقود الى
تكريسه
وتحويله الى
ايقونة
ومدرسة، وربما
مزار. لقد
كان يتهيب من
احتمال أن
يضعه الآخرون
في اطار،
ولو على سبيل
التبجيل. رفض، عن وعي
وسابق اصرار، ان
يصبح ابا، وان
يصير له ابناء
بالتبني
الشعري. ليس
لأنه بلا
عاطفة، بل لأنه
ضد المدرسية والتصنيم
والنمط، وعلى
قناعة بأن
الكتابة
مسألة ذاتية
قبل كل شيء، ولا يمكن
لنا أن نخضعها
لأي قانون. إن الماغوط
أفاد بنظرته
هذه الأجيال
الشعرية
اللاحقة لأنه
ساعدها على أن
تكبر وتبلغ سن
الرشد بوعيها
الخاص، دون ان
تتعكز على
ظهور الآباء.
ولأنه لم يذهب
الى
الجامعات
ليدرس نظرية الابداع،
ولم يسافر الى
خارج سوريا
إلا بهدف العمل
والعلاج، فإنه
بقي وفيا لحسه
الصافي، ودفقته
الشعورية
الخاصة. لكنه لم
يتكرر على هذا
المستوى، ولم
يضارعه أحد، لا من مجايليه، ولا من
الشعراء
اللاحقين، وحتى
حين انضم الى
مجموعة "مجلة
شعر" في بيروت
الستينات، فإنه
كان يشكل سربا
لوحده. صحيح
انه عايشهم
سياسيا وحياتيا، لكنه لم
يتأثر بهم ولا
بنظريات
بعضهم على مستوى
الابداع، ودور
الكتابة. عاش في
بيروت ودمشق، لكنه ظل
أقرب الى
منطقته
الخاصة
السلمية التي
تفتحت فيها
وعيه على معنى
التمرد
والانشقاق.
أعتقد ان الماغوط
توقف عن
الكتابة في
اللحظة التي
شعر فيها، انه
سوف يعيد انتاج
نفسه، في حالة
وظرف مختلفين.
لقد كان بوسعه
أن يواصل
الكتابة
بالشكل
والمضمون
ذاته،
لكنه من
الصنف الذي
تحدث عنه رونيه
شار، الذي
لايقبل
الكتابة إلا اذا أتته
من تلقاء
نفسها كحالة
حب جارف.
*
كاتب سوري- باريس