27 مارس 2005

 

 

 

لسنا مرفأ لدمشق فقط بل... رئتها وهي رئتنا

بشير البكر*

 

 لا يقع المتابع لخطاب المعارضة اللبنانية منذ اندلاع الازمة الحالية على ما يفيد بشأن الوضع السوري الداخلي، لاسيما الشعارات المرفوعة في سوريا من طرف قوى المعارضة والمجتمع المدني، في ما يخص وقف العمل بقانون الطوارىء واغلاق ملف الاعتقال السياسي واطلاق حرية التعبير.

 

ورغم ان المحنة الراهنة تشير الى ان قضية المعارضة واحدة في البلدين. الا ان المعارضة اللبنانية عمدت عن سابق تصميم الى عدم ازعاج النظام السوري ان بالتصريح او بالتلميح. واللافت في الامر ايضا هو صمت الولايات المتحدة وفرنسا تجاه الوضع الداخلي السوري اذ لا نكاد نعثر لهما على موقف واضح من ان المنطق الذي تم وفقه تحريك الموقف اللبناني يصلح اساسا لتحريك نظيره السوري.

 

وباستثناء بعض التلميحات من طرف الرئيس الاميركي جورج بوش الى ان سوريا عقبة في وجه الديموقراطية في الشرق الاوسط فان الانتقادات الاميركية تركزت على مشاكل الحكم السوري مع الآخرين. وقد اختصرت الامر وزيرة الخارجية الاميركية كوندوليزا رايس في لقاء صحافي في لندن في مطلع شباط الماضي حين قالت ان لسوريا مشاكل مع العراق ولبنان والفلسطينيين ومع العالم. وفات الوزيرة ان تخص الشعب السوري الذي احسب انه يتحمل القسط الاكبر من هذه المشاكل.

 

ومن حق اي مراقب ان يتساءل هل هذا التوارد في الموقف من النظام السوري امر مدروس ويخضع لرؤية سياسية تنقسم فيها الاولويات بحيث يأتي تحريك الوضع في لبنان في البداية؟

 

لا يخفي بعض رموز المعارضة اللبنانية اقتناعهم بأن التلازم الوحيد الممكن هو تلازم المصيرين للشعب في لبنان وسوريا، ومع ذلك لم نلمس اي توجه سياسي واضح يذهب الى ترجمة هذا الاقتناع. قد يكون المانع حتى الآن متعلقا بقرار المعارضة اللبنانية تركيز جهدها على انجاز موضوع الانسحاب السوري. وربما هناك تخوف من ان فتح الملف السوري الداخلي يمكنه ان ينعكس سلبا على المهمة الراهنة والمستعجلة للقوى السياسية اللبنانية.

 

وقد يكون هناك من بين اطراف المعارضة من هو غير معني بالمسألة لا من قريب ولا من بعيد، وهو ليس في وارد احداث تغيير في سوريا خصوصا ان هناك من كان ينتظر حصول العكس. اي ان يتغير الوضع السوري بما ينعكس ايجابا على نظيره في لبنان. وعليه صار بوسع القوى السورية ان تكسر حاجز الخوف بعد ان انكسر في لبنان وتبادر على ضعفها لاقتناص الفرصة الدولية التي تلوح لإضعاف النظام، وهي ان لم تلتقط المبادرة اليوم فلن تأتيها فرصة افضل.

 

في هذا السياق كان لا بد من تصعيد الاعتصام الذي قام به ناشطون من الاحزاب وقوى المجتمع المدني امام البرلمان. وطالما ان النظام لم يرد بغير سلاح القمع فان المعارضة كان الحري بها ان تحشره في الزاوية مستفيدة من الجو الدولي المفتوح على الحالة اللبنانية. وباعتبار ان هذا الاحتمال بقي بعيدا وغير وارد في المدى القريب فان المسألة التي تظل مطروحة هي امكان خلق صلة ما بين الانتفاضة اللبنانية والوضع السوري الداخلي.

 

من غير الانصاف تحميل المعارضة اللبنانية فوق طاقتها في هذا الظرف الدقيق والحرج، فهي لديها مهمة اساسية تتمثل في تأطير الانتفاضة العفوية ووضعها في سياق سياسي يوفر برنامج عمل للمستقبل. وبالتالي ليس من حق احد ان يعتب عليها كي تزج نفسها في الشأن الداخلي السوري. لكن سؤالا من شقين يطرح نفسه، هو هل ينهي انسحاب القوات والاجهزة السورية من لبنان مشكلة التدخل السوري في شؤون هذا البلد ام ان الامر مرهون بإحداث التغيير الديموقراطي في سوريا؟ وهل يمكن التجربة الديموقراطية اللبنانية ان تشق طريقها بأمان وتتقدم الى الامام وحال الديموقراطية في سوريا يسير من سيىء الى اسوأ؟

 

ان قانون الضرورة في هذه اللحظة يستدعي اعادة الاعتبار الى الجوانب الايجابية من التاريخ المشترك، لكي نتمكن معا من النظر الى المستقبل بأفق واحد. فاذا كان السوريون قد تأخروا حتى الآن في معانقة شوق التغيير والانطلاق نحو العمل الجاد للخلاص من نظام الطوارىء والحزب الواحد وحكم الاجهزة، فلأن ما تعرضوا له على مدى العقود الاربعة الاخيرة يكاد لا يذكر امام ما لاقاه الاشقاء في لبنان من اجهزة الشقيقة.

 

لكن السوريين، الذين صبروا طويلا على الاضطهاد والطغيان الذي الحق افدح الاضرار ببلدهم على المستويات كافة، السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وحتى الرياضية، لن يتأخروا عن الركب هذه المرة.

 

يقتضي حماية مشروع المعارضة اللبنانية مد افقه في اتجاه الوضع الداخلي السوري والديموقراطي العربي على العموم. فبيروت ليست مرفأ دمشق فقط التي شكلت ممرها الى المحيط العربي بل ان الواحدة رئة الاخرى، ولا يمكن احدهما التنفس بدون الاخرى. قد ينسى بعض المعارضين اللبنانيين في ظل الفورة العامة هذه الحقيقة، او يضطروا الى نسيانها لأسباب تكتيكية. لكن الامر الواقع سيطرحها على جدول الاعمال في وقت ليس ببعيد. فهل فكر الطرفان قبل ان تدهمهما المفاجأت الآتية؟ فاللبنانيون والسوريون ان لم يكونوا شركاء الضرورة فهم اخوة الشقاء في الأقل.

* كاتب سوري

 

"النهار" - الاحد 27 آذار 2005

 

للتعليق على هذا الموضوع