![]()
12 أغسطس 2006
لبنان بين الاجندتين العربية والايرانية
تعالت الاصوات من القاهرة حتى
واشنطن ، مرورا بالرياض وعمان تندد ب"مغامرة"، حزب الله التي تمثلت في خطف الجنديين الاسرائيليين في الثاني عشر من تموز/يوليو الماضي . لقد
انتابهم احساس واحد بأن المعركة خاسرة سلفا، وأن الشيخ
حسن نصر الله كتب نهاية حزبه بنفسه، لذلك أرادوا التعجيل في وفاته. لكن سرعان ما
تبددت هذه الضجة التي أخذت طابعا دراماتيكيا من خلال الحملة الاعلامية
السعودية،وغابت المراسم الرسمية لتخلي المكان لمظاهر الابتهاج العفوي على كافة الاراضي العربية. لقد جرت المواجهة بشكل مختلف،و تغير الشعور
العام حين بدت "الانجازات العسكرية" الاسرائيلية محدودة ، وحرمت مجموعة مكونة من مئات
المقاتلين الجيش الذي هزم العرب عدة مرات،
من تحقيق نصر سريع وخاطف. وقلب حزب الله معادلة الحدود الآمنة بارسال
كمية من الصواريخ الى مدن العمق الاسرائيلي،
وهدد فعليا، لأول مرة في تاريخ الصراع العربي الاسرائيلي،
بضرب تل أبيب.
لم يكن من السهولة بمكان أن يستوعب الرأي العام ان الحظ لم يبتسم بسرعة للجيش ، الذي كان يستعد لتدمير منشآت ايران النووية. لم يفشل الجيش الاسرائيلي
فقط في تقليص اطلاق الكاتيوشا
الى ادنى حد، بل انه لم ينجح
حتى في تعطيل بث تلفزيون" المنار" التابع لحزب الله. إن ذلك يعبر عن
مسألة تتجاوز حزب الله واهدافه وشعاراته ،إلى الحالة
العامة لابناء الجنوب الذين واجهوا الحرب الاسرائيلية. وسيكون من التجني تلخيص شجاعة هؤلاء المقاتلين
في تحقيق اهداف حزب الله ، بقدر ما يتوجب رؤيتها في الاطار العام للصراع مع اسرائيل.
ليست المعركة الحالية سوى أحد مظاهر المشهد العام ، بينما
تختفي المشاهد الأخرى خلف ستار كثيف من الهواجس والمخاوف، التي أثارها مسؤولون عرب اكثر من مرة مثل
الرئيس المصري حسني مبارك، وملك الاردن عبدالله الثاني. لقد قطع الأول صراحة بأن ولاء الشيعة العرب
هو لايران ، بينما حذر الثاني من الهلال الشيعي، الذي
يمتد من قم الى النجف ، مرورا بالقرداحة
، لينتهي عند المربع الأمني في بيروت.
على الجانب الآخر، يشكل حزب الله في نظر ارباب القرار في طهران امتدادا طبيعيا للثورة الاسلامية. قد يكون الامر كذلك، ومالذي يمنع ان يكون على هذه
الحال،طالما ان اللحمة الطائفية تقدمت على الحس القومي،
وباتت تتجاوز الاوطان في صيغتها الجاهزة القسرية المفروضة بالقوة ، والقائمة على اغتصاب الحكم من طرف العوائل والطوائف والمافيات
العسكرية.؟
حتى لوصح ذلك، فإن اقل ما يمكن
قوله ازاء وضع من هذا النوع، وفي هذه اللحظة بالذات، هو
ان حزب الله بات يعني قطاعا واسعا من العرب
واللبنانيين، بعد أن تجاوزت الحرب الاسرائيلية على
لبنان حدود طمأنينة الأمن الاسرائيلي وإنهاء التهديد
الذي تشكله الكاتيوشا، الى
التدمير والترويع الشاملين . ويجدر هنا مراقبة الكثير من الآراء التي كانت ترى إن
المشكلة كامنة في سلاح حزب الله، لكنها تحولت الى
النقيض. كانت فظاظة اسرائيل والولايات المتحدة كافية
لنقلها الى الضفة الأخرى.ومثلما حولت الأخطاء الاميركية نشوة اسقاط الديكتاتورية
في العراق الى كابوس، نجح حسن نصرالله
في كسب قاعدة شعبية بفضل الجنون الاسرائيلي. وفي الوقت
ذاته خسر خصومه الذين كانوا ينتظرون من الجيش الاسرائيلي
ان يجهز عليه في غضون اسبوع.
إن أشد ما أساء الى خصوم نصرالله
في الداخل هو التصريحات الاسرائيلية والاميركية،فمن رئيس الاركان الاسرائيلي "حالوتس"،
الذي عبر عن نية اعادة لبنان عشرين سنة الى الوراء، الى نشوة وزيرة
الخارجية الاميركية كونداليسا
رايس ، التي كانت ترى في مئات اطنان
القنابل التي تسقط على لبنان،القابلة الديموقراطية لولادة الشرق الاوسط الجديد. كان يجدر بأحد مستشاري الوزيرة العرب، أن
يذكرها بأن لبنان هو نقطة الضوء الوحيدة في الشرق، والديموقراطية التي لاتحتاج الى القنابل الاسرائيلية لكي تنتشر وتصل الى
عموم الشعب اللبناني، وقد اكدت المحن التي مر بها هذا
البلد الصغير، ان خياره الديموقراطي صار جزءا من شخصيته
وتركيبه العام،وصمام أمانه.
ان المعركة
التي خاضها حزب الله بجدارة عسكرية ضد اسرائيل،تستدعي
توجيه الاهتمام في اتجاه مسألتين هامتين على المستوى اللبناني الداخلي : الأولى، هي استقالة العرب من دورهم تجاه لبنان.
فهم باتوا لايتذكرونه الا
كواجب ثقيل حين تنعقد القمة العربية مرة في كل سنة. ويمكن القول انه منذ اقرار "اتفاق الطائف" لم تلحظ مبادرة عربية جادة لايجاد حل جذري للمشكلة اللبنانية. يمكن القول ايضا أن احدا من اللبنانيين لم
يبادر،لكن ذلك لايعفي العرب من المسؤولية الاساسية. لقد اكتفوا بما هو فوق
السطح طيلة العقد الماضي، ولم ينتبهوا حتى بعد اغتيال رفيق الحريري، الذي كان
محسوبا على الدور العربي، مع انه كان في العمق عبارة عن ثمرة تسوية سورية سعودية
من حول لبنان.وكان بالحري من جانب السعوديين ان تنتهي هذه التسوية بمقتل رجلهم في لبنان،لكنهم فضلوا الابقاء على شعرة معاوية مع النظام السوري. وهنا يكمن أحد
اكبر الاخطاء، لأن عدم رفع السعودية الغطاء عن النظام
السوري، منحه الاحساس بأنه طليق اليد، وصار بوسعه لاحقا
أن يمارس التخريب بحرية أكبر، عندما اصبحت قواته خارج لبنان.
ولابد هنا من تسجيل ملاحظة هامة،وهي
التسليم عبر ثلاثة عقود بأن الدور السوري في لبنان هو الدور العربي.وقد ترتب على
التفويض العربي لدمشق
مخاطر كبيرة، حيث دفع لبنان الثمن من سيادته ووحدته واستقراره
الداخلي.
أما الاهتمام الثاني، فيتلخص في الحضور الايراني
المباشرقبل وبعد الانسحاب السوري.كان الايرانيون في السابق يصّرفون الكثير من اهتمامتهم
في لبنان من خلال القنوات السورية،وكان التفاهم يتجاوز توزيع الادوار
بين الحليفين ، الى احترام أولوية وحدود الدور السوري
في لبنان.ويمكن ملاحظة طبيعة هذه المعادلة من خلال تعامل حزب الله مع كل من دمشق
وطهران.ان التعبير الصريح على ذلك هو المحافظة على نوع
من المقايضة والتوازن، بحيث تحقق طهران اهدافها ، وتقبض دمشق الثمن ، ولاتشعر
بأي تجاوز لها. وقد ردت سوريا بحزم في عهد الاسد الأب
على محاولات ايران العمل لحسابها في لبنان، في صورة
مباشرة ومن دون التنسيق مع سوريا، وقد باءت بالفشل جميع محاولات حزب الله الذهاب نحو طهران مباشرة من دون
المرور بدمشق.
لم تعد هذه المعادلة قائمة بعد الانسحاب السوري من لبنان،
وصارت العلاقة ما بين ايران وحزب الله مفتوحة ومباشرة،
ولم تعد تخضع بالضرورة لاعتبارات المرور عبر طريق دمشق، وسهل منها ضعف مركز القرار
اللبناني في هذه الفترة. لذا بقي المسؤولون الايرانيون يحضرون الى بيروت،
ويجدون الترحيب الواسع من قبل أطراف أخرى غير حزب الله، رسمية وغير رسمية،ولعل
المثال الصارخ على ذلك هو الرئيس ايميل لحود ،الذي بقي
وفيا لتقاليد وقواعد الوصاية السورية وإرثها الثقيل.
لكن في المقابل لم يتجرأ احد من اللبنانيين،وتحديدا قوى 14
آذار على الوقوف صراحة بوجه هذا الحضور، الذي أخذ يتدخل في الشؤون الداخلية.ولم
يخرج حتى الذي يمتلك اوراق الاكثرية
النيابية سعد الحريري، لبلورة موقف سياسي يحد من الدور الايراني
الذي أخذ يتنامى بسرعة ملحوظة خلال العام الماضي من
جهة،ومن جهة ثانية ظهور بوادر على ان ايران تعمل على استخدام الموقع اللبناني في المواجهة من حول
الملف النووي، دون مراعاة حساسيات هذا البلد، الذي تكمن اسباب
مآسيه ونكباته في تحوله الى ساحة تصفية حسابات للاعبين الاجانب .
يمكن الاستنتاج هنا بأن المواجهة القائمة بين اسرائيل وحزب الله، سوف تحسم مسألة مكانة ايران
في لبنان. وستلقي الضوء مرة أخرى، على الاستراتيجية الايرانية
تجاه العالم العربي ، التي كان احد فصولها الدامية الحرب العراقية الايرانية.وسيكون من الخطورة بمكان اليوم على التوازن الداخلي
اللبناني ،النظر الى ايران
من نفس الزاوية القديمة. وعلى حزب الله وحده تقع مسؤولية استثمار الرصيد الذي حققه
في هذه المواجهة من أجل لبنان وحده، ومنع ايران من تجييره لصالحها.
لقد علمنا التاريخ درسا لاينسى،
وهو ان مآسي وتداعيات الحرب تظهر بعد صمت المدافع، ولعل
اكثرها خطرا هو ذلك الذي يهدد الوحدة الداخلية، من جراء النزاع الذي قد ينشب بين ابناء
النصر وابناء الهزيمة.