2 سبتمبر 2005

 

 

حالات الإعتزال القسري للكتّاب في عالمنا العربي

ثقافة القتل خيارها واحد أحد: القتل المادّي أو المعنوي

بشير البكر

 

مرّ الموقف الذي اعلنه أخيراً المفكر والكاتب المصري سيد القمني حول اعتزال الكتابة والتبرؤ مما سبق له نشره، من دون ان يحظى بالاهتمام الذي يستحق من جانب المثقفين العرب. باستثناء بعض السجالات الصحافية السريعة، لم تحرّك المسألة، على خطورتها، بركة الصمت الراكدة. ان عدم صدور رد فعل من جانب معظم المثقفين العرب ليس جديدا على العموم.

فباستثناء قلة قليلة، لم يسبق لهؤلاء ان تحركوا، كما يقتضي الموقف خلال العقود الماضية، من أجل الدفاع عن القضايا التي تتعلق بحرية التعبير والفكر والخلق، او حتى في سبيل مساندة زملاء لهم واجه بعضهم مصيرا مأسويا، من القتل (حسين مروة، مهدي عامل، فرج فودة، سمير قصير) والسجن (عارف دليلة، علي الدميني) الى التكفير ثم النفي (نصر حامد ابو زيد). كان ذلك حرياً بأن يثير لدى المثقفين النخوة من اجل الدفاع عن النفس، فكل مثقف حر اصبح عرضة لأن يلقى المصير نفسه.

 

تحيلنا مسألة الاعتزال "القسري" لدى القمني على مظهر جديد من مظاهر التهديد، فالكاتب وُضِع امام خيارين: إما اعتزال الكتابة والاعتذار عن كل ما سبق ان نشره، وإما القتل. ويتلخص الامر، كما تناولته رسائل التهديد التي تلقاها من "جماعة الجهاد" المصرية، ونشرتها مواقع عدة على الانترنت، في شعار "إما التوبة او القتل"، اي إما العودة الى الطريق "السليم" وإما الموت. انه خيار ثقافة القتل، التي ينتمي اليها محمد بويري، قاتل المخرج السينمائي الهولندي ثيو فان غوغ.

قد يكون هذا التهديد جاداً، وقد يكون محض نسج لخيال مريض، اراد فاعله ان يركب بواسطته موجة القتل الرائجة والعارمة التي تحصد الابرياء في العديد من البلدان. أما اذا لم يكن هذا التهديد مزحة ثقيلة هدفها ترويع مفكر حر لكي يتوقف عن الانتاج - والترويع إرهاب بحسب فتوى الشيخ القرضاوي،  - ولكي يترك الميدان للبضاعة الغثة والركيكة التي يغرقنا بها فقهاء الظلام، فمعنى ذلك ان القمني لن يكون المعتزل القسري الاول والاخير. وبحسب ما يشير اليه بيان التهديد الذي تلقاه الكاتب، تعلّمت "الجماعة" من حادثة رضا هلال، مساعد رئيس تحرير صحيفة "الاهرام" الذي تعرض للخطف من وسط القاهرة قبل عامين، ولم يُعرف مصيره حتى الان، والذي تصفه بالعميل الاميركي. أي ان القمني مرشح، من دون شك، ليصير سابقة ومثالاً، وما علينا الا ان ننتظر لنعرف من يكون الهدف التالي بعده. انها طريقة جديدة ومبتكرة في الارهاب، فبدل الاغتيال المادي المباشر كما هو الامر في حادث اغتيال الكاتب سمير قصير الذي سقط شهيدا لاستقلال لبنان وديموقراطية سوريا، ها هو المثقف هنا يتعرض لاغتيال لا يقل أذى عن الأول، هو القتل المعنوي غير المباشر، عبر منعه من حقه في التفكير الحرّ تحت وطأة التهديد بزهق روحه.

يمكننا، انطلاقا من حالة القمني واجواء العنف التي صارت شغل العالم الشاغل بعد تفجيرات لندن، ان نخص المثقف العربي بطائفتين من الاسئلة: تدور الاولى حول موقفه في صورة عامة من الارهاب، الذي صارت تنسبه غالبية وسائل الاعلام العالمية الى المسلمين والعرب، وتسمّيه من دون ادنى حرج "الارهاب الاسلامي"، وتالياً العربي. أما مجموعة الأسئلة الثانية، فتتعلق بإرهاب الثقافة والمثقفين سواء من طرف الانظمة الشمولية والديكتاتورية المعادية للحرية والخلق، او من جانب تيارات الفكر الظلامي الاصولي التي تريد تحويل الحياة العربية صحراء جرداء. ان الحالين على ترابط وثيق الواحدة منهما بالأخرى، ومهما حاول البعض ان يجد مبررات للفصل بينهما، فإن مجريات الاحداث تنقض حججهم يوما بعد يوم. ذلك ان الذين اخذوا على عاتقهم ترويع القمني و"ارهابه" بسبب كتاباته التنويرية، تعمدوا ان يرسلوا له طي رسالة التهديد تفاصيل عملية قتل السفير المصري في العراق ايهاب الشريف. هذا علاوة على انه لم تفت خطابهم السياسي الاشارة الى العداء للاميركيين.

يمكن القول إن 11 ايلول كان المحرك الاساسي لطرح القائمة الاولى من الاسئلة. فمنذ ذلك الحين، مرورا بأحداث كثيرة مشابهة ومتشابهة، من تفجيرات مدريد عام 2004 الى تفجيرات لندن الأخيرة، يطرح السؤال الملحّ نفسه لكنه لا يجد الاجابة الشافية، بل غالبا ما نقع على جملة من الاجابات العمومية، التي تميّع الموضوع اكثر مما تضعه على طاولة التشريح. ويعود السبب الأول للدوران في الحلقة المفرغة الى العماء "الطوعي" وغياب النقاش الفعلي في حياتنا الثقافية والسياسية العربية حول القضايا الكبرى التي تخص مجتمعاتنا وشعوبنا.

اما السبب الثاني فيكمن في تهميش المثقف المستقل المستنير، ومصادرة دوره، بعدما اصبحت الثقافة من الكماليات، واسندت اليها وظيفة تمجيد الشمولية والانظمة الديكتاتورية الحاكمة. ويمكن ان نردّ السبب الثالث الى المثقف نفسه، فهو موزع بين الصمت واللامبالاة، متجاذَب بين الخوف والتواطؤ، علما أن صمت المثقف العربي وخوفه ولامبالاته حيال هذه المسألة، هي كلها بمثابة استمرار لعزوفه عن خوض الشأنين السياسي والثقافي، الذي يتواصل منذ عقود عدة. انه عزوف وانقباض تولدهما استكانة النفس، التي تجد الراحة الوحيدة في امنها الشخصي وسلامتها. ومن سخريات القدر هنا ان المثقف الذي تعوّد قمع السلطة الشمولية باسم الوطن والوطنية، يجد اليوم نفسه امام سلطة أخرى تعطي نفسها حق مصادرة حريته الفكرية  باسم الدين، وهي لا تقل سطوة وعنفا عن الدولة الديكتاتورية التي جردته من حقوقه المدنية ودوره، فضلا عن انها اصبحت حليف تلك الدولة الرئيسي.

الملاحظ اننا لا نعثر، منذ فترة عقد على الأقل، على مواقف واضحة من جانب قطاعات واسعة من المثقفين العرب الذين، وإن كانوا في الجوهر ينزعون الى الرفض والاحتجاج، بات الصمت هو المسكّن الوحيد لضمائرهم المعذبة. ومن المؤكد ان السواد الاعظم من المثقفين لا يستهويه العيش على هذا النحو، لكن اليأس يقود الى الاستكانة، والاستكانة الى الامتثال.

ثمة في المقابل فئة من المثقفين المتواطئين مع الشمولية والارهاب، فئة شريكة في دفع الموقف العام نحو مزيد من التأزم بسبب تنظيرها وتبريرها المستمرين للعنف والارهاب. ان هذه الفئة هي الموجودة في الواجهة اليوم، لذا تتوافر لها الامكانات والوسائل كافة للتغطية على مواقفها وتسويقها في قالب من المبادئ الوطنية الكبرى والشعارات، التي تخاطب مشاعر عامة الناس المغلوبين على امورهم، وهم اناس تعرضوا الى عمليات غسل دماغ منهجية طوال عقود. لذا فان مسؤولية انفلات العنف وانتعاش بورصة ثقافة القتل، لا تقع على النظام الشمولي وفقهاء الظلام فقط، وانما ايضا وخصوصا على الفئة المثقفة التي تحيط بهم.

ان الاكثر الحاحا في هذه المرحلة التي تختلط فيها الاوراق، ويعم فيها الظلام، اعادة احياء دور المثقف المستقل والمستنير، لأنه في تخليه عن الصمت والخوف، وفضحه التواطؤ، يكمن الاحتمال الفعلي لمناقشة القضايا المحرمة، وفي مقدمها الارهاب الذي يوشك ان يدمر حاضرنا، ويقطع علينا طريق المستقبل.

bacha@noos.fr

 

للتعليق على هذا الموضوع

 

Fri, 02 Sep 2005 11:32:20 -0700

From: "Salah Mohssein" <salah.mohssein@videotron.ca> 

     

هناك مفكرون وكتاب هددوا واضطهدوا وسجنوا، ويعيشون تحت الحراسة منذ سنو ات آخرون في مصر مثل المستشار محمد سعيد العشماوي الذي رغم ما يواجهه من الارهاب الاأنه لا يتنازل عن قناعاته وفكره مهما  حدث له  ، وقد سجن  من قبل كل من الأديب المصري علاء حامد ،  ، والكاتب صلاح الدين محسن.. والدكتور أحمد صبحي منصور .. .. هؤلاء سجن منهم من سجن ، ولا يزالوا يتلقون التهديدات  ولا توجد لدي منهم أية نوايا للمساومة أو التراجع عن أفكارهم فالتنوير معركة كأي معركة  وهروب الجندي أو القائد من المعركة خوفا علي حياته وحياة أولاده أيا كانت الأسباب...

وأيا كانت النتائج

تحياتي

 ص . م