19 أغسطس 2005

 

 

 

 

 

 

خالد مشعل في بيروت

مقاومة خارج السياق

بشير البكر*

 

 

 

من حق الاستاذ خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة" حماس" ان يعقد المؤتمرات الصحافية، في جميع العواصم العربية لاعلان ابتهاجه بالانسحاب الاسرائيلي من قطاع غزة. بل من واجب العرب ان يشدوا على يد الاشقاء الفلسطينيين الذين استطاعوا بتضحياتهم المتواصلة التي تثير الاعجاب، ان يطردوا الاحتلال الاسرائيلي عن جزء من ارضهم. ان الفلسطينيين جديرون في هذه اللحظة التاريخية بوقفة عربية ترتقي الى اهمية هذا الانجاز، الذي يعني في كل المقاييس بداية الطريق لتحرير بقية التراب الفلسطيني. من هنا يشعر المرء بغصة ومرارة، حين يرى ان حدثا بهذه المكانة وعلى هذا القدر من النبل، يتم التعاطي معه بنوع من الاستخفاف من خلال محاولة البعض توظيفه بعيدا عن سياقه العام. ومن ذلك المؤتمر الصحافي الذي عقده مشعل في بيروت يوم السابع عشر من الشهر الحالي، وكان هدفه المعلن تحية الشعب الفلسطيني بهذه المناسبة العزيزة، لكنه في واقع الامر سجل فيه موقفا سياسيا يتجاوز في دلالاته الحدث الفلسطيني.

 

ليس سرا انه يتعذر على مشعل عقد مؤتمره الصحافي في كثير من العواصم العربية تجنبا للاحراجات والضغوط الاميركية. لكن ذلك لا يمنعه من التنقل وحرية الحركة السياسية في عدة عواصم، ما بين طهران ودمشق والقاهرة والدوحة. ولا يوجد ما يدل على ان هذه العواصم الاربع كانت ستمنعه من التعبير عن فرحة حركته بهذا الحدث لو أراد ذلك. فهو سبق له ان حضر في الآونة الأخيرة اجتماعات سياسية علنية في هذه البلدان التي يتحالف مع بعضها، وادلى بتصريحات الى الاعلام من دون ان يجد عقبات. وحتى لو افترضنا انه لم يتمكن من اصدار موقفه انطلاقا من اي بلد كان، فقد كانت تكفيه الفعاليات والبيانات التي صدرت عن "حماس" في الداخل، دون تحمل مشقة الذهاب الى بيروت في هذا الظرف الدقيق. وهو يعرف سلفا ان ذلك ليس في صالح لبنان ولا فلسطين. فلبنان الذي قدم الكثير من اجل القضية الفلسطينية، ليس من الانصاف ان يطلب منه اليوم المزيد. انه من جهة منشغل بمعالجة وضعه الخاص، ومن جهة اخرى هو غير قادر، في ظل الانسحاب العربي من المواجهة مع اسرائيل، ان يتحمل العبء الفلسطيني لوحده.

 

لا اظن ان هاتين الحقيقتين تغيبان عن رجل سياسي مثل خالد مشعل، الا اذا كان لا يدخل في حسابه استقرار لبنان واستعادة عافيته. من المؤكد انه كان يعلم بأن ظهوره العلني في بيروت، في هذا الوقت سوف يستفز اطرافا محلية ودولية. ولن يحسبه احد من هذه الاطراف حالة عفوية عابرة فرضها حدث الانسحاب الاسرائيلي، بل سيجري النظر اليه على انه تصرف سياسي مدروس يصب في اتجاه ما تشهده المنطقة من تداعيات واستقطابات. ومهما حاول البعض ان يقلل من وقع الزيارة، فان توقيتها يتجاوز طابعها الفلسطيني الى تشابكات الملف اللبناني. لقد  اتضح منذ فترة ان القوى الفلسطينية الموجودة في لبنان وخارجه تلعب دور تهدئة ومساعدة لبنان للخروج من محنته، وليس العكس. الى حد انه ساد الاعتقاد بأنها لن تقبل ان يزج بها البعض في مواجهات يكون الخاسر فيها لبنان. وهنا تحضر حادثة هامة وهي ان اطرافا استخباراتية سورية عرضت عشية الانسحاب من لبنان توزيع اسلحة في مخيمات صيدا، لكن التنظيمات الفلسطينية رفضت العرض بدافع الوعي ان هذا السلاح لا يقدم من اجل التحرير بل بهدف التفجير في لبنان. لا أحد يتجنى على مشعل ويعتبر زيارته الى لبنان هي بقصد التأثير على استقرار هذا البلد. لكن لا يمكن في نفس الوقت فصلها عن ما يشهده هذا البلد من تطورات متلاحقة منذ سنة،وما سوف يعيشه هو والمنطقة لاحقا.

 

ليس سرا ان الولايات المتحدة طلبت من سوريا اغلاق مكاتب المنظمات الفلسطينية التي تمارس الكفاح المسلح وابعاد قادتها. وذلك امر يسري على حركة حماس وزعيمها مشعل. وظلت السلطات السورية تناور وتحاول ان تبعد عن نفسها المسؤولية. وصدر عنها اكثر من موقف يفيد انها التزمت الطلب الاميركي. لم تقل انها ابعدت مشعل، لكنها قالت انه قرر الاقامة نهائيا في طهران لضرورات امنية. وسواء غادر في صورة نهائية ام ما يزال يتنقل بين طهران ودمشق، فان وضعه ما يزال مطروحا في اطار التجاذب الاميركي السوري. ومن هنا فان السؤال الذي يطرح نفسه، هو: هل ظهور مشعل في بيروت تم في سياق هذا التجاذب، الذي ارتفعت حدة وتيرته بعد زيارة  بشار الاسد الاخيرة الى طهران، التي وصفها البعض بانها احيت "جبهة الرفض" السورية الايرانية، على اثر وصول الراديكالي محمود نجاد الى الرئاسة في ايران؟ اذا كان الجواب بنعم، وهو على الأرجح هكذا، فما هي ما علاقة لبنان بالأمر؟  اذ انه من المفروض قد شرع بالتخلص من الوصاية السورية، وصار سيد قراره، من دون ضغوط، بعد الانسحاب السوري واجراء الانتخابات وتشكيل حكومة فؤاد السنيورة، عدا عن انه ليس في وارد الدخول في "جبهة رفض". واللافت هنا هو انه لم يصدر عن هذه الحكومة اي رد فعل. فهي اما انها علمت بامر المؤتمر الصحافي من وسائل الاعلام، او انها كانت على معرفة مسبقة، لكنها لم تتمكن من اتخاذ موقف حازم من المسألة برمتها. وفي الحالين ان لذلك دلالة واحدة، وهي ان الارادة السورية ما تزال هي التي تقرر في لبنان اليوم. ذلك انه ليس بوسع مشعل الوصول الى بيروت من دون قرار وتسهيلات سورية مباشرة على اعلى المستويات.

 

والأخطر من ذلك هو ان العقلية السورية التي استخدمت لبنان من اجل تمرير كل مخططاتها ما تزال سارية المفعول. فالذي اتخذ قرار ارسال مشعل الى لبنان يهدف الى استفزاز الاميركيين اولا، والتلويح بالورقة الفلسطينية من بيروت بعد ان منع على السوريين استخدامها من دمشق، ثم مواصلة لعبة استعمال لبنان كرهينة والشعب اللبناني كدرع والارض اللبنانية كقاعدة للمساومة مع اسرائيل وامريكا، والعاصمة اللبنانية كمنبر لفرسان المقاومة والنضال، في حين تبقى دمشق وطهران بمنأى عن الحروب والدمار، عدا انهما تجنيان من وراء الاستثمار في الشأن اللبناني مردودات اقتصادية وسياسية هائلة.

 

 ان مشاركة "حماس" في اللعبة السورية يضعف من مصداقيتها، ويقلل رصيدها في كل من سوريا ولبنان. فالشعب في البلدين على وعي تام بأن تنسيق النظام مع بعض المنظمات الفلسطينية ذات الحضور، ليس من اجل قضية فلسطين بقدر ما هو لتحسين شروطه في المساومة ليس اكثر. وبالتالي هناك قناعة راسخة وهي ان اي تعامل مع هذا النظام يضر بقضية الديمقراطية والتغيير في سوريا، والاستقرار والسيادة في لبنان. لقد آن الآوان لمشعل وبقية الفصائل الفلسطينية التي ما تزال تشعل البخور للنظام السوري، ان يدركوا بانهم يخسرون مقابل ذلك العمق الشعبي والرأي العام في سوريا ولبنان.

* كاتب سوري

للتعليق على هذا الموضوع