12  يناير 2006

 

 

 

 

خدام والمعارضة

وابتزاز النظام

بشير البكر

 

يخطئ كل من يعتقد أن انشقاق النائب السابق للرئيس السوري عبد الحليم خدام سوف ينتهي،  عند حدود الصدمة الاعلامية والسياسية التي احدثها خلال أسبوع من الزمن. ومن الخفة بمكان، أن يصر البعض على التعاطي مع هذا الحدث،  بوصفه عابرا، ولن يمكث طويلا في أرض الحياة السياسية السورية. لا ينبع هذا الاصرار فقط من سوء تقدير أهمية هذه القضية، وإنما من منطلق العمل على تفريغ الحدث من حمولته السياسية. وبين هذا وذاك، يؤكد رد فعل النظام في دمشق على حقيقة لا يمكن القفز عليها، وهي إن الأثر السياسي لخطوة خدام لن يتأخر، وإلا لما كان هذا الاستنفار الشامل على المستويين الداخلي والخارجي، والذي وصل الى حد توسيط كل من السعودية ومصر من أجل اسكات الرجل عند هذا القدر، والحيلولة دون ذهابه في الفضيحة أكثر من ذلك. وسواء نجح النظام في امتصاص الموجة الأولى أم لا، فإنه بات يخامر السوريين شعور قوي بأن خلاصهم لم يعد بعيدا أو مستحيلا، مثلما كان يخطر للغالبية العظمى منهم حتى وقت قريب. لقد رأوا بما لا يدع أي مجال للشك، إن امكانية تفكك النظام صارت واقعا، ولم تعد حلما بعيد المنال. ذلك إن خدام في نهاية المطاف ليس تفصيلا في بنية النظام، إنما كان يتولى منصب نائب رئيس الدولة، وبالتالي هو على معرفة بأدق التفاصيل حتى عشية خروجه في حزيران/يونيو الماضي. ثم هو ليس المعارض الذي ذاق مرارة السجن والمنع من حقوقه، مثل عشرات الآلاف من ضحايا الاستبداد، بل هو صاحب دور في بناء النظام الذي خرج عنه. ولذا حين يتحدث بهذه اللهجة ويكشف كل هذا القدر من التفاصيل، فإن كلامه يجب أن يوزن بميزان مختلف.

 

إن الفضل في تقريب الواقع من السوريين اليوم، ودفعهم الى رؤيته عاريا يعود الى أحاديث خدام الصحافية، التي بلغت خلال اسبوع واحد اكثر من اربعين مقابلة، أدلى بها الى وسائل الاعلام العربية والأجنبية. قبل أن يخوض خدام في هذا الطريق كان الناس يرون الواقع السوري بعيون المعارضة، أما اليوم، فلديهم فرصة لمشاهدته بعيون الرجل الذي ظل على مدى نصف قرن جزءا من النظام. قبل أن يتحدث خدام عن الفساد المريع الذي ترفل فيه المافيات الحاكمة، كان الحديث عن هذه الحقائق يجري النظر اليه على محمل المبالغة، لأنه صادر عن المعارضة. ورغم أن المعارضة لم توفر فرصة لفضح النظام، وقدمت من اجل ذلك الكثير من التضحيات، إلا أنها لم تتمكن من الغوص الى داخل بنية السلطة الحاكمة، وما يعتمل في داخلها من فساد ونهب للمال العام ونزاعات طائفية ومناطقية.

 

لست هنا في معرض المقارنة بين خدام و المعارضة، وإنما الانطلاق من لحظة انشقاقه لتوجيه الأنظار الى تيار سوري أدمن الوقوف وسط الطريق. تيار يتصف بسلبية مفرطة في رؤيته للأحداث، وتقديره لامكانية التغيير في سوريا. ومن المؤسف فإن لهذا التيار امتداداته العميقة في داخل المعارضة. ويمكن القول من دون شعور بالذنب، أن جزءا كبيرا من عدم قدرة المعارضة على التقاط زمام المبادرة يعود، الى الطريقة التي يتعامل من خلالها هذا التيار مع التطورات الداخلية والخارجية. وقد لاحت عدة فرص في السنوات الأخيرة، لكن هذا التيار عمل بشتى الوسائل على تفويتها.ولا أريد هنا التطرق الى عدم قدرة هذا التيار على تمثل مبادرة المناضل رياض الترك الأخيرة، حين وضع لـ"اعلان دمشق" أجندة تنطلق من الأزمة الراهنة التي تعيشها بلادنا، وقدم بذلك مخرجا لحيرة المعارضة وارتباكها.

 

  تتمثل الفرصة الأولى التي تم التفريط فيها، في عدم الاستفادة من الدرس العراقي. فبدلا من أن تنتزع المعارضة تنازلات لصالح المجتمع، من خلال الضغط على النظام الخائف من مصير نظيره العراقي، رأينا بعض رموز هذا التيار يزايدون على النظام من منطلقات وطنية زائفة.وصاروا يصورون أي ضغط عليه في هذه المرحلة، وكأنه تعامل مع الولايات المتحدة وخدمة لها.وفي الوقت الذي كان فيه النظام يقدم التنازلات المتواصلة للأميركيين بلا حدود.كان هذا التيار يتحدث عن ضرورة تعزيزصمود سوريا بوجه الضغوط الاميركية.

 

لاحت الفرصة الثانية مع الانسحاب السوري المذل من لبنان.غير انها سرعان ما ذهبت ادراج الرياح بسبب لعب النظام على الوطنية الزائفة مرة ثانية. فهو نجح في تصوير اللبنانيين كشعب مغرق في العنصرية ضد السوريين، وأدخل في خطاب المعارضة قضية التجاوزات التي تعرض لها بعض العمال السوريين، بوصفها عدوانا من شعب لبنان على سوريا وشعبها، وأقنع البعض بأن التظاهرات اللبنانية لسحب جيش الوصاية من لبنان، هي لشتم سوريا وشعبها. كان بوسع المعارضة أن تميز نفسها عن النظام، وتذهب في اتجاه فتح الملف اللبناني برمته، فمن حق الشعب السوري أن يعرف لماذا وصلت العلاقة مع لبنان الى هذا المستوى من التردي. إن من المؤسف، هو عدم مطالبة المعارضة الى يومنا هذا بتشكيل لجنة تتولى التحقيق بملف الوجود السوري في لبنان من سنة 1976 وحتى الانسحاب في نيسان/ابريل الماضي.

 

لم تكلف المعارضة نفسها حتى عناء المطالبة بهذا الأمر، الذي كان سيحد من دون شك من اندفاع السلطة الذي لا يتوقف، في زج بلادنا في المغامرة اللبنانية من أجل خدمة مصالح مجموعة من المستفيدين من أهل النظام الأمني المشترك في البلدين. لقد أضاعت المعارضة فرصة مساءلة النظام عن اصراره على التمديد للرئيس اميل لحود، الذي قاد الى كل التدهور الذي نعيشه. إن المسألة اللبنانية ليست تفصيلية، بل هي في طليعة القضايا التي يتوقف عليها مصير سوريا اليوم.

 

أما الفرصة الثالثة فهي انشقاق خدام. لا يمكن الحكم بعد على انها ضاعت من يد المعارضة، لكن المواقف التي صدرت عن بعض رموز المعارضة لاتوحي بأنها في وارد استثمارها.وما عدا تصريح صدر عن الناطق الرسمي باسم"التجمع الوطني" حسن عبد العظيم يفتح باب "اعلان دمشق" أمام خدام، فإن رد الفعل الوحيد الذي يستحق الوقوف أمامه، هو الذي عبر عن حزب "الأخوان المسلمين". لقد أبدى هؤلاء وعيا بأهمية الحدث، وتعاطوا معه على نحو يضعه في سياقه السياسي. أما البقية فإما انهم لزموا الصمت كاعتراف بعجزهم، أو انهم انخرطوا في حملة سن السكاكين التي جردها النظام ضد خدام.

 

إنه من غير المفهوم سبب استياء بعض أوساط المعارضة والمعارضين من انشقاق خدام وتعريته للنظام، هل إن كونه جزءا من هذا النظام لمدة نصف قرن، يبرر لهم عدم رؤية ما يمثله انشقاقه في هذه اللحظة؟ هذا في الوقت الذي يعرف فيه جميع السوريين أن خدام ليس هو سبب شقائهم. إن المسؤولين عن ايصال بلادنا الى الحافة هم أولئك الذين وجهوا مدافع الدبابات نحو بيوت السوريين في حماة وحلب. وكلما حانت ساعة حسابهم يتلطون وراء الوطنية كملاذ أخير.

 

إن المعارضة مدعوة اكثر من أي وقت مضى، لأن تتصرف بمسؤولية سياسية تجاه اللحظة الراهنة، وان لا تكتفي بالفرجة السلبية، وحبس نفسها داخل دائرة ابتزاز النظام.

bacha@noos.fr

 

 

 

للتعليق على هذا الموضوع