3 فبراير 2006

 

 

السوريون: شعب الله المحتار
بشير البكر

 لاتحتاج الحيرة التي يعيشها السوريون اليوم الى تعريف. فهي عارية ومكشوفة تعرض نفسها على طرقات الانهيار الوطني العام الذي أصاب بلادنا.تنادي بصوت عال من الحسكة حتى حوران والسويداء،ومن باريس حتى واشنطن وآلاسكا .هي الاكثر شفافية في ظل العتمة وغموض المخلوقات والمراءاة والتشرذم،والجانب الذي لم يعد بوسع أحد أن يستره بعد أن صارت أحوالنا عصية الكتمان، من جراء  الامتهان الذي لم يوفر إلا أقلية قليلة من هذا الشعب المنكوب،حباها الله هبة انها ولدت، وفي فمها يلمع الرعد.!

 

لست أدري ما هو السبب الذي جعلنا نغفو عن هذا الأمر،ولا نتنبه له حتى الآن.كان حري بنا أن نأخذ من الحيرة مذهبا خاصا نعتد به،فهل كان سيحاسبنا أحد فيما لو اذا ادعينا اننا شعب الله المحتار،لاسيما وأن مقاصد الدعوة لن تتجاوز حدود الفضائل التي تحسب على المهاتما غاندي ونيلسون مانديلا.؟لانريد أن نسرق مجد أحد،ولامنافسة شعب آخر أو احتلال مكانه في سلم القيم،قدر مايشدنا نزوع لتجذر خصلة الحيرة في اعماقنا.إن الحيرة هي المادة الأساسية للبنية السورية اليوم،وقد بتنا نرى السوريين يرتعدون حيرة بالمعنى الخلقي، والمشاركة الشعورية والانفغال المحسوس.

 

في زمن مضى،كان لدينا وزير اعلام ينادى ب"أبو عقلين". قيادته هي التي كانت تنعته بهذه الصفة،رغم ان مهمته كانت تتطلب عقلا واحدا في أوج مرحلة مقارعة الامبريالية والصهيونية.لاندري ماهو السبب الذي جعل رفاق الوزير يدلعونه هكذا،لكن على مايبدو فقد كان من الفئة التي تنام على رأي وتصحو على رأي آخر.يسافر من البلاد على موقف، ويعود اليها وقد اعتنق موقفا مختلفا.نحن أحد أكثر الشعوب التي تتجاور في وعيها التناقضات، لقد دخل الكثير من شبابنا السجون باسم اليسار، وخرجوا منها وهم ينادون بفكر اليمين.لم يعد يثير الصدمة لدينا اكتشاف عمل بعض المعارضين  لدى المخابرات،ومزايدة بعض المخابرات علينا بالمعارضة السياسية والوطنية. حتى قادة الأجهزة الأمنية الذين يقتلون ويذبحون من دون أي رادع ،ولايتحرجون من تصفية وسجن الوطنيين،لاتأخذهم في الوطن لومة لائم حين يفتح مزاد الوطنية أبوابه.

 

يأتون بمستشار رئاسي من أجل اصلاح اوضاع الاقتصاد، ثم يطردونه بعد وقت قصير بتهمة مد اليد إلى خزينة الدولة .ينتدبون وزيرا من عتاة المدافعين عن القطاع العام، من أجل الشروع في السير نحو اقتصاد السوق،ثم يحجزون على أمواله المنقولة وغير المنقولة.عبد الحليم خدام يرسم سياسات النظام الخارجية لأكثر من عقدين من الزمن،وحين ينشق ويقرر فضح التركيبة بالكامل ،لايجد "مجلس الشعب" تهمة يوجهها له سوى انه "عميل مزروع"،ولاتعثر المعارضة على سبيل يميزها عن النظام،سوى طلبه الاعتذار عن الماضي،في الوقت الذي مازالت تأخذها فيه الحيرة،  ولم تضع نفسها بعد على درب المستقبل.  كان رئيسنا الراحل حافظ الاسد يستقبل العالم بوجه،ويكشف عن وجوه أخرى حين يختلي بنا.لم يتورع  لحظة عن إراقة دماء السوريين، مثلما فعل في حلب وحماة،لكنه كان يجد من يهتف له:بالروح بالدم نفديك ياحافظ!

 

إن الذي يراقب سلوكنا العام واعلامنا وتصريحات سياسيينا، لايمنع نفسه من ان يخرج بانطباعات رهيبة عنا،لابد انه سوف يشاركنا الحيرة ازاء هذه الشخصية السورية الجديدة، التي يختلط فيها هذا القدر الكبير من التفاوت، والتشرب المتفاقم لمختلف صور التكيف.نعارض النظام،ولانريد تغييره،نؤيد المعارضة ولانسير الى جانبها حتى في تظاهرة الأول من أيار.نعلن من رياض الترك مانديلا سوريا،لكن حين نراه قادما نهرب الى الرصيف المقابل.نعقد المؤتمرات المعارضة لكي نكرر الكلام الذي يقوله النظام عن التدخل الخارجي،وكأننا نريد أن نثبت له وطنيتنا كل يوم،في حين انه لايوفر فرصة لمقايضة الوطن بالعائلة .نتمنى من أعماقنا أن تأتي الولايات المتحدة لتسقطه وتذهب به الى الجحيم، لكننا نريدها أن تتسلل خلسة وألاتطلب منا ان نفتح لها الباب . وفوق ذلك،نريدها أن تخرج مباشرة، وألا تتصل بأحد من قادة المعارضة لكي لاترميه بشبهة العمالة،فيزعل منه القوميون العرب في تونس والمغرب وجنوب لبنان،ويشتمه أصدقاء اللواء الدكتور بهجت سليمان في صحيفة "السفير".نقر الحوار مع الاسلاميين، لكننا لانحب "الاخوان المسلمين".طائفيون في صفوف اليسار،ويساريون في صفوف الطائفة.نحن شعب بارع الأداء،وأكثر ما نجيد هو الاحتماء من أنفسنا وقناعاتنا الصادقة،بتنا نمتلك خبرة تقادمت عليها عهود.إن سلوكنا وهو يحاول مواجهة واقع الحال لايفلح إلا في تزييفه،وليس من قبيل المصادفة اننا غالبا ما نؤول الى استلهام قيم السلطة ومنطلقاتها في الوطنية وحتى في المعارضة.

 

ان حيرتنا، باختصار، هي العاقبة المحتومة لفقدان البوصلة في شتى الاتجاهات.ليس الحاكم وحده لايريد أن يسير في الطريق السليم،بل المعارضة كذلك،انها تعاني من نفس اعراض النظام.ولا تختلف عنه كثيرا،لا في الضعف ولا في الفردية،ولا المراوحة في المكان.ولا يحتاج المرء الى خيال واسع ليتبين أن لا مآل لهذه الحال إلا التمادي في توطيد النظام، في حين يتخبط المجتمع في أزمة رهيبة اساسها الاستبداد النفعي.

 

لفرط ما نكل النظام بهم، صار السوريون يرون الطريق ويخشون السير فيه، يريدون رحيل النظام ويرون في ذلك كابوسا يصعب تصديقه. يضحون من أجل الديموقراطية، ويتعاملون معها كحلم لا يحتمل الصحوة منه. يعرفون أن أوضاعهم سيئة للغاية، لكنهم لكثرة ما أهينوا وابتذلوا ظلوا يخافون الأسوأ.حتى المحكوم بالاعدام يخشى الأسوأ.انهم مرضى الشمولية بامتياز.

 

مهما كان الواقع الحالي ممضا، فليس يمكن القول أن المعارضة قد تلاشت تماما، فالسجون تعج بأصحاب الرأي الآخر، والمنفيون في تزايد دائم، والصحف تحفل بالكتابات التي تحرض،إلا إن مجموع هذه المعارضة يتسم بسمة اساسية:الثبات في المكان.والعجز التام عن القيام بدورها في تحريك الموقف. ومنذ مبادرة الاستاذ رياض الترك التي طالبت باستقالة بشار الاسد،وانشقاق خدام الذي قدم فرصة جدية لتفكيك النظام،فإن المعارضة تعيش حالة بيات شتوي لن يقض مضجعه غير ربيع يخرج هذا الشعب من الحيرة واللامبالاة. إننا مدعوون جميعا للإجابة على هذا السؤال،وإلا فإن ماينتظر بلادنا هو الانحطاط، والعودة الى ما قبل التاريخ.

      

للتعليق على هذا الموضوع

"tayson" <tnasreddin@aliceposta.it> 

Date: Sat, 4 Feb 2006 14:09:09 +0100

   

شكرا لك  سيد  بشير البكر على هذا  المقال  الذي يعبر عن رايك وليس بالضرورة  عن راي جميع  السوريين..

وكان اعتقادنا ان  هذه الهجمة  الشرسة تستهدف  النظام  والفاساد  فحسب , اتضح انها  تستهدف سوريا الأرض والشعب والمكونات ,مشكلة النظام كما  يقول  البعض  قد  تنتهي  بصفقة لكن  مشكلة الوطن والمواطن لها  حساباتها  الدقيقة ,أدركت  بعض  قوى المعارضة التي  تماشت مع  بعض  الاصوات الجميلة من الخارج  والجوار  أن هذا  الغناء ليس  للطرب ,

واتضح  ان أعداء النظام  السوري عبروا  عن عدائهم لكل ماهو  سوري  وتجاوز  البعض  حدود الكياسة الكلامية والمجالمات  المعتادة لينعت  سوريا  والسوريين  بشتى البذاءات,أمّا  من  يصور الواقع  السوري  على  شكل ما قدمته أعتقد  انه  لا  يعرف  الواقع  عن  قرب  أمّا  أنه ياخذ  الجانب  التحريضي ويبالغ  لدرجة  التزوير , والأمر  الأهم  اصبح  الاخرون  يصورون  الفاسد  كانه  حاصة  سورية  ويتغاضون عن  فساد  بلادانهم  وانظمتهم رءساء احزابهم  وقادتهم  وغلا ما  هنالك  من  مواقع ومراتب ,السوريون هم  شعب الله المختار مذا  تقصد  في ذلك ؟؟,

السوريون كتب  عليهم منذ  الأزل سوء الجوار وهذه  المشكلة الكبرى لسوريا  خنجر   في كل  خاصرة ,ومن  العيب  على اي  سوري أن يقوم  بعمل يجعل الا‘داء المربصن على الابواب  يدخلون  منها دخلة سلسة ,السوريون لن  يفتحوا  ابوابهم لأميركا ولا  لغيرها من  المتاجرين باسم الحرية وغيرها , ان  جميع  التجار واصحاب الشعارات  الكبيرة و  سيتصالحون هع هذا  النظام عندما  تلتقي  معه  مصالحهم , هذا  الخصام مع النظام  السوري  هو  خصام  على الكعكة ونحن  ندرك  ذلك ,

لكن  حذار  من المساس  بالشعب السوري ومصيره وحدود وطنه ,من قرا التاريخ  يعرف  جيداََ تضحيات  الشعب السوري ويعرف  جيداََ أن سوريا  اول  بلد  عربي