5 أبريل 2005

 

 

 

المتهم البديهي والوقت الضائع

بشير البكر*

 

الى ياسين الحاج صالح

 

ما هو الدافع من وقوف رئيس فريق التحقيق الدولي بيتر فيتزجيرالد في تقريره امام عبارة، ان سوريا هي المشتبه فيه البديهي في جريمة اغتيال رئيس وزراء لبنان السابق رفيق الحريري؟ ولماذا تعمد ايرادها في سياقين مختلفين، يدل الاول على ما يعتمل في داخل الغالبية اللبنانية، في حين ان الثاني الذي يعكس مزاج الموالاة، يذهب الى ان المشتبه فيه البديهي هو الخاسر البديهي؟

 

ليس في الامر صدفة لان المحقق الذي أجاد الاصغاء الى ما يعتمل في الشارع اللبناني اليوم، لا بد انه خرج باقتناع بأن الحكم الاول نتاج ثقافة تحتية تكونت خارج المسرح، تعبّرعن خطاب مستتر لم يكن في وسعه ان يبوح بمكنوناته في صورة علنية. انها فرصة لم تتح من قبل لجمهور عريض لكي يكشف خطابه المستتر داخل حيز آمن. انه نوع من تفتّح الذات الذي يتعين الوقوف امامه بتمعن شديد. فبقدر ما قدمت السيطرة السورية نفسها في لبنان بأنها لصالح الغالبية اللبنانية، كان الرد عليها من خلال وضعها في مكانة المتهم البديهي، التي تتبدى في سياق الحكم على تاريخ السيطرة ايا تكن نتائج التحقيق. وما الرفض اليومي للوجود السوري من خلال التظاهر المتواصل في الشارع، الا المعنى الفعلي لأن يكون المرء قد اصبح ممسكا قيادة اموره بيديه. وهذا ما ولّد الجسر وشكّله في لحظة معينة تبدت فيها هيبة الاذلال العلني، وقد انكسرت، وحان وقت صوغ الرد المضاد. ان المجاز هنا يمكن النظر اليه على انه افضل الطرق الممكنة للتعبير عن معنى الضغط الكامن وراء الخطاب المستتر. لم يعد لاقنعة الحذر والخوف اي مكان. لذا عثر الغضب على ممر للخروج. والحال هنا ان الشارع العام بنى موقفه على الحصاد المر لممارسة السيطرة السورية، لكنه موقف جاء وفق الصورة التي عبّر بها عن نفسه بفعل الكبت. وبالتالي هو شعور بنصر مظفر. لقد انتهى عهد تمويج الكلام، بعدما اندفع الناس الى الشارع، ليقولوا ما في خاطرهم، حين رسموا بأجسادهم كلمة الحقيقة. ان الغاية من ذلك هي البحث عن القاتل لمعاقبته. الا ان المعنى البعيد لهذا السلوك يتلخص في القول ايضا إن ماضي السيطرة باطل، وان الاحترام او الولاء الذي ساد طوال فترة السيطرة لم يكن اكثر من طقس كان ينعدم فيه إمكان فعل اي شيء خارج السياق المرسوم.

 

 اذا لم نشأ ان ننظر الى عبارة المتهم البديهي الواردة في التقرير على انها التعبير عن الرد المضاد وفق سياق معين، حتى لو كان محصورا، سنجد انها تعبّر عن حقيقة شديدة الاهمية تتعلق بالمسار العام للقضية ككل، الذي وضع التقرير الدولي اطاره العام، وستقوم هيئة المحكمة المقبلة بإعداد التفاصيل التي ستأتي حكما متقاربة مع الاسقاطات والاحكام المسبقة التي ساقتها غالبية الشارع.

 

  ان الصف الآخر من الجمهور الذي بات مدركا ان المتهم البديهي سوف ينتهي الى الخاسر البديهي في نهاية المطاف، يعرف كذلك ان من غير الممكن الاستمرار في المسرحية، بعدما شارف المشهد الرئيسي النهاية، وليس في وسع الممثل الاساسي الخروج عن النص في اللحظة الحرجة، والا فإنه لا يجازف باكثر من سخرية الاخرين. فالبراءة، وهي المطلوبة هنا، تستدعي تعبيرا واداء مقنعين. ان تصرفات الاجهزة المسؤولة عن حراسة مكان الجريمة، واللؤم الكامن وراء اخفاء بعض الادلة، تعتبر خرقا فاضحا يثير النقمة والثورة في النفوس. كان على اجهزة المخابرات السورية واللبنانية ان تتصرف كمسؤولة عن ضمان نجاح التحقيق، وكان على القضاء ان يبدي احترام القوانين. ان سلوك هؤلاء المعيب والبعيد عن جوهر المهمة المنوطة بهم، هو الذي مهد لاصدار الادانة على اساس البداهة. وحتى لو كنا لا نسلّم بهذا الحكم لانه لا يأخذ في الحسبان الادلة والمعطيات والوقائع، واعتمدنا مضمون التصريح الذي ادلى به الرئيس المصري حسني مبارك بقوله ان ايادي خارجية ربما دبرت اغتيال الحريري ونصبت فخا لسوريا، فإن الاجهزة السورية، ومن خلفها الدولة اللبنانية، لم تقم بجهد يذكر من اجل معرفة هوية الجهة التي نصبت هذا الفخ الخطير. ان الاجهزة السورية المشهود لها بمعرفة الشاردة والواردة، والتي تتابع أدق التفاصيل في حياة السوريين واللبنانيين، كيف فاتها ان تلتقط خيطا، حتى لو كان واهيا، يقود الى من دبّر هذه المكيدة للايقاع بسوريا؟

 

على رغم ان العالم لا حديث له منذ وقوع الجريمة سوى التنبيه من الأخطار والانعكاسات السلبية للتحقيق على سوريا، وفي اعتبار ان الشبهات تحوم حولها ووجهت اليها مسؤولية الجريمة بطريقة مباشرة وغير مباشرة، فان ما كان منتظرا منها هو ان لا توفر اي فرصة او امكان لرد التهم، وعدم الاكتفاء بحجة انها مستهدفة بدورها من جراء اغتيال الحريري. لقد ابدت الاجهزة السورية، الديبلوماسية والامنية والاعلامية، عدم فاعلية وعجزا عن ادراك البعد الذي يمكن ان تتخذه القضية، وكان لافتا في نص التحقيق الاشارة الى ان القيادة السورية لا تمانع في ان تكون المشتبه البديهي، وانها استعملت تكتيكات مماثلة في الماضي بدون ان تأبه كثيرا  لترك آثار وراءها. ومن المرجح هنا، كما يشخص التقرير ذلك، انها وقعت في سوء تقدير استراتيجي. فالمسؤولون في دمشق لم يتوقعوا ردود الفعل القوية من الشعب اللبناني والمجتمع الدولي.

لن تكون سوريا في جميع الاحوال في منأى من عواقب التحقيق في الجريمة. ففي نهاية المطاف سوف يتم تحديد المسؤولية، سواء بالفعل او بالاهمال، ولن تفيد المرونة الشكلية التي شرعت تبديها بعد صدور التقرير. فالمسألة اكبر وابعد من الاستعداد لتقديم بعض مسؤولي الاجهزة الامنية للتحقيق امام المحكمة المختصة، ذلك ان ايراد اسم الرئيس السوري بشار الاسد في معرض التهديد بإلحاق الاذى بالحريري ووليد جنبلاط، ليس من باب عرض الحيثيات فقط، وانما مقدمة لتوجيه اتهام رسمي له وفق تصميم اميركي فرنسي لا نظير له ولا قدرة للوقوف في وجهه للذهاب بالمسألة حتى نهايتها. وعلى ما يبدو، فإن القضية لن تقل اهمية لا في الشكل ولا في المضمون عن محاكمات يوغوسلافيا السابقة. والادهى من ذلك ان النظام السوري سيجد نفسه وحيدا من دون سند، لا دولي ولا اقليمي ولا حتى محلي. فالموقف الدولي موحد تجاهه اكثر مما كان عليه في حال الرئيس العراقي السابق صدام حسين. ففي ذلك الوقت انقسمت اوروبا حول الحرب وكانت فرنسا على رأس الكتلة التي عارضتها، في حين هي اليوم في الموقع الاخر الى جانب الولايات المتحدة، وربما قبلها بخطوات تدعو الى معاقبة النظام السوري، أكان للدور أو للمسؤولية في اغتيال الحريري. اما على الصعيد العربي فإن الاصرار على أن يأخذ التحقيق مجراه حتى النهاية لا تشوبه شائبة. ومن السعودية الى مصر والجزائر، لا تختلف المواقف عنها في باريس او واشنطن. لكن الجديد في الامر بروز ثلاثة معطيات مهمة سوف يكون لها تأثيرها المباشر على موقع النظام السوري في المدى القريب. الاول، ان العرب قطعوا نهائيا مع الوصاية السورية على لبنان. فهذه الورقة خرجت نهائيا من يد دمشق، وحتى لو جرى التفكير في مساعدة لبنان عربيا ودوليا، فإن سوريا خارج الحساب. الثاني، ان التضامن العربي غير المشروط مع سوريا انتهى اوانه، وليس ثمة امل بمساعدات سياسية او اقتصادية كان لها الدور الاساسي في مد النظام بأسباب الاستمرار والتماسك الى الان. الثالث، ان النظام متهم حتى يثبت براءته.

 

يظل الوضع الداخلي خط الدفاع الاخير بالنسبة الى النظام السوري، وعلى ما هو ظاهر الى الان انه مستعد لتقديم تنازلات على المستوى الخارجي، لكنه ليس في وارد ان يقدم على خطوات انفتاح داخلية جدية، او تقديم تنازلات للمجتمع السوري تجنّب سوريا خضات كبيرة. ان سلوكه حيال الازمة اللبنانية يشي بقابلية للتنازل امام الضغوط الخارجية مقابل الحفاظ على النظام، مع ادخال بعض التحسينات الشكلية الداخلية التي يحسب انها تمد في عمره. وهو في جميع الاحوال لا يزال على اقتناع بأنه من الممكن ان يحمي نفسه في دمشق انطلاقا من بيروت، وسيمضي بعض الوقت قبل ان يستوعب ابعاد المرحلة الجديدة وحقائقها، وعبث اللعب في الوقت الضائع.

(ملحق النهار)

 

* كاتب سوري

 

للتعليق على هذا الموضوع