14 اكتوبر 2005

 

 

 

مصرع غازي كنعان: كرة الثلج السورية

بشير البكر

 

 

يبدو انه صار يتوجب على السوريين ان يدربوا أنفسهم من الآن فصاعدا على المفاجآت ذات العيار الثقيل، هم الذي اعتادوا طيلة ثلاثة عقود ونصف العقد على رتابة لا يضارعها في ثقل الايقاع، الا زمن الحقبة السوفياتية والجدار الحديدي. عليهم ان يصدقوا انه صار بوسعهم ان يصحوا على اخبار" سيئة"، يمكن أن تغير في نمط حياتهم نحو الأفضل، وتعيد اليهم بعض الفرح العادي. ان مصرع شخصية امنية وسياسية من طراز وزير الداخلية غازي كنعان، لابد ان يهز منهم بحر الاعماق الراكدة، بعد ان سيطر عليهم الشعور بأن هذا النظام "مقيم ما اقام عسيب"، لايحول ولايزول، ولايمكن له ان يتغير الا بقدر ما تجود به مقادير الحياة والموت. لاشك بأنهم صدموا بحادث "انتحار" كنعان، فهم قبل يوم من اذاعة هذا الخبر كانوا لا يستطيعون التفكير بمصير مأساوي لهذه الشخصية، أو حتى الحديث عنها في نطاق ضيق.

 

لقد اصبح الرجل الذي شغلهم بأخباره من لبنان طيلة عقدين من الزمن على الاقل في عداد المنتحرين. وشاهدوا لاول مرة منذ ان حكمهم حافظ الاسد ونجله من بعده، جنازة وزير من عظام رقبة النظام قضى بالرصاص، وهم الذين اعتادوا على طأطأة الرؤوس ودفن ضحاياهم بصمت ومهانة. انها المرة الأولى التي تتدخل فيها الاقدار لتكسر جمود المشهد الرتيب، وتعيده الى مايشبه الدراما الشكسبيرية. انهم ازاء صدمة من نوع مختلف، تقطع الانفاس على طريقة فيلم "العراب"، اذ لم يسبق لأحد من مسؤولي هذا النظام ان رحل على هذا النحو الدراماتيكي، تاركا خلفه قدرا كبيرا من الاتهامات والحيرة والاسئلة والشكوك والمخاوف.انها من ناحية، مخاوف اللحظة المفصلية في تاريخ سوريا، مخاوف تجاه مستقبل البلد، اذ لا أحد يتأسف قيد انملة على مستقبل النظام، فلسان حال الناس مثلما قال رمز سوريا وضميرها الوطني رياض الترك: "ليذهب النظام الى الجحيم."

 

 

 

مخاوف وشكوك مردها الى احتمال انطلاق حرب التصفيات داخل الدوائر الضيقة للحكم، والقريبة عائليا وطائفيا من مركز القرار. وهنا يجدر التوقف امام اليقين الذي كان سائدا داخل سوريا وخارجها، ومفاده ان النظام السوري متماسك جدا بسبب طبيعته الامنية والطائفية من جهة، ولشعور الاطراف المشاركة فيه والمستفيدة منه بان الخطر يتهدد الجميع من جهة أخرى. لذا ذهب الاعتقاد بأنه يصعب الى حد كبير اختراق البنية التي بناها الأسد الأب، أو استمالة احد من اطرافها. وقد دأب الأب قبل رحيله على توريث نجله اجهزة طيعة، لاتفكر في يوم من الأيام بالانقلاب عليه، وثمة من يؤكد ان بشار قام شخصيا باختيار قادة الفرق العسكرية، لكي يضمن الولاء المباشر والدائم. لكن هل سطوة الأجهزة والولاء يكفيان لوحدهما لكي يستمر النظام على قيد الحياة، حتى لو كان الشارع السوري لايمثل له أي تهديد؟. ان مصرع كنعان يبرهن على العكس. أي انه يمكن للنظام ان يتشقق من داخله مثلما حصل لانظمة الحقبة السوفياتية جراء انتهاء مفعول  الصلاحية. والأمر ذاته ينطبق على مسألة البديل التي يتخوف منها البعض. ان البديل السوري سوف يولد حكما بنفس الآلية التي سينهار فيها النظام.لأن الاحتياطي الأساسي للمعارضة  موجود في المجمتمع الذي واجه طيلة الحقبة السوداء.

 

جاء مصرع كنعان كنتيجة مباشرة لعملية التحقيق باغتيال رفيق الحريري. صحيح إنه من السابق لأوانه توجيه التهمه اليه قبل صدور تقرير قاضي التحقيق ديتليف ميليس، لكن هناك بعض الهوامش التي تستدعي الوقوف امامها: اولها، ان كنعان عارض  الاتجاه الذي مدد للرئيس اللبناني اميل لحود، ومن المعروف هنا ان التهمة باغتيال الحريري تحوم من حول رموز هذا الاتجاه، من سوريين ولبنانيين. ثانيا، ان كنعان كان في اسوأ الاحوال سوف يستدعى كشاهد امام المحكمة التي سوف تتشكل بموجب تقرير ميليس، بوصفه حاكما للبنان لنحو عشرين سنة. ثالثا، لايمكن ان يكون كنعان من دون علم بحيثيات ترتيب عملية اغتيال الحريري، حتى لو لم يشارك فيها، كما انه في نفس الوقت ليست هناك أي ضمانة لدى النظام من أنه لن يقول كل مالديه للمحكمة، على الأقل من باب اثبات البراءة. وهو بذلك سوف يكشف عن الذي يقف فعليا وراء عملية الاغتيال .

 

من هنا فان مصرع كنعان، بغض النظر عن الذي اطلق الرصاصات، جاء لابعاد احد اهم الشهود واخطرهم بعد ان راجت معلومات في الأيام الأخيرة، تفيد بأن تقرير "ميليس" سوف يوجه التهمة بالأسم الى مسؤولين في النظام السوري، وسيطلب من المحكمة التي ستتولى الأمر استدعاء مجموعة منهم، من بينهم، بالضرورة، غازي كنعان.

 

ان الأمر على خطورته لايخلو من طرافة سوداء تمد حبالها بين تصريحات وليد جنبلاط ووزير الخارجية السوري فاروق الشرع، ولاتتوقف عند التحقيق السوري باغتيال كنعان. فجنبلاط يشيد ب"شجاعة" كنعان: "اذا كان يتحمل مسؤولية في مكان ما في جريمة اغتيال الرئيس الحريري فحسنا فعل". ان جنبلاط لايقصد هنا تحية كنعان بقدر ما اراد توجيه "نصيحة" لبقية المتورطين بالجريمة لكي يقدموا على الانتحار، لكن "الشاطر"وليد الذي يتصنع الترفع دائما فاته عن عمد ان غازي كنعان هو "عنجر" والمسؤول المباشر عن المصير المجهول لآباء الكثير من اللبنانيين!. أما الوزير الشرع المشهود له بسوء التقدير دائما، فقد اتهم الاعلام بالمسؤولية عن عملية الانتحار. لو صح قياس الأمر على هذا المنوال لكان الشرع انتحر منذ زمن بعيد، هذا عدا عن انه يقدم لنا جانبا لم نكن نعرفه في زميله كنعان، وهو انه على قد رمفرط من الحساسية بحيث ان خبرا في وسيلة اعلام، يمكن ان يدفعه الى الانتحار! وحتى لو صحت هذه الفرضية فإن الشكوك يجب ان تتجه نحو الجهاز السوري الذي تولى التسريب ضد كنعان وليس الى الاعلام، وبالتالي تبقى المسؤولية ضمن الدائرة السورية الرسمية ولاتخرج عنها.

 

من دون شك يظل رد الفعل الرسمي السوري هو الاكثر غرابه، وخصوصا جانب التحقيق في الحادث، اذ لم تمض على العملية سوى ساعات محدودة حتى جرى الاعلان عن اختتام التحقيق. ومثلما اقتصر النعي الرسمي على سطرين، فان نتائج التحقيق لم تتجاوز ذلك، اذ تم الاكتفاء بالقول ان الحادث كناية عن انتحار بمسدس الوزير الشخصي، دون ذكر لأي تفصيل آخر. وأظن ان الاجهزة السورية المعنية بالتحقيق كانت تريد ان توجه درسا الى ميليس وفريقه في القدرة على انجاز تحقيقها في قضية يكتنفها غموض كثير خلال ساعات محدودة، في حين ان المحقق الدولي كان ينتظر التمديد للمرة الثانية.

 

ان مصرع كنعان مؤشر هام على ان الوضع السوري خرج من دائرة الجمود، وقد يتطور مثل كرة الثلج بسرعة تفوق حسابات الجميع.

 

    

للتعليق على هذا الموضوع