1 مايو 2006 

 



 

 

براميرتس بين تقريرين

بشير البكر

 

 

ليسمح لنا السيد سيرج براميرتس، رئيس فريق التحقيق الدولي باغتيال رئيس وزراء لبنان السابق رفيق الحريري،أن نعلن ضجرنا من أسلوبه في العمل.لقد كاد تقشفه في المعلومات حول مهمته، التي تولاها مطلع العام الحالي،أن يصيب الكثيرين باليأس، بعد أن أنعش سلفه ديتليف ميليس الآمال بقرب سوق اركان النظام السوري امام العدالة الدولية.قد تكون هناك ضرورات تبرر التكتم الشديد في طريقة إدارة الملف،إلا إن إلقاء الضوء على التحقيق،من خلال تقديم بعض المعلومات عن سيره، أمر لايضر لا بالمهنية ولا بالنزاهة،خصوصا إن القضية لاتتعلق بجريمة قتل عادية،بل باغتيال سياسي.

 

ظن براميرتس حتى بالتصريح الصحفي عن تحركاته،وبنى من حوله قلعة محكمة لايدخل اليها، ولايخرج منها أحد. انه رجل لايحسد على برودة الاعصاب التي يتحلى بها.لكأنه من جليد! منطقة بأكملها تنظر نحوه،لكنه لايرف له جفن،بل مضت فترة اربعة اشهر من العمل،ولم ير منه العالم سوى التقرير الذي قدمه في الشهر الماضي، وكان اجرائيا،يخلو من أي عنصر جديد او اضافي.

 

 لقد ترك المنطقة معلقة بأهداب تقريري ميليس ،وهو يعرف،من دون شك، بأن تكتمه المبالغ فيه، حرق اعصابنا،وكاد يدفعنا لأن ننساه.هل كان يريد منا ان نطوي الصفحة اليوم، وننتظر سنة وأخرى،لكي تصبح المسألة في حكم المنتهية بفعل تعاقب الاحداث،وبعد أن يغتال النظام السوري بقية الزعامات أو يخرسها،ويدفعها الى الاحباط واليأس؟ إنه يدرك ،من دون شك،أن جزءا اساسيا من قوة التحقيق في اغتيال الحريري، هو في السجال الذي يدور على هامشه،وفي علاقته بتحولات الموقف السياسي العام مابين سوريا ولبنان.وكلما تمكن النظام السوري من إمالة الكفة لصالحه،كلما اصبحت قدرته على تعطيل التحقيق عالية.لذا اعتبر وقف التسريبات الاعلامية من طرف براميرتس دليلا على المهنية والاحتراف.لقد ساءه على نحو كبير الاسلوب الذي عمل من خلاله ميليس،وعلى نحو خاص الصلات التي انشأها مع وسائل الاعلام،لذا اتهم من طرف دمشق بعدم المصداقية والنزاهة،واثيرت الشكوك من حول قدرته على الفصل بين السياسة والمهنية في ادارة التحقيق.

 

جرب النظام السوري شتى الحيل والمناورات والضغوط، لكي يغير مجرى التحقيق،ولم يوفر وسيلة تشهير إلا واستخدمها  ضد ميليس، الذي لعب على نحو بارع ورقة الاعلام في الوصول الى هدفه .ويسجل له كيف انه نجح في استدراج النظام، الى اماكن اصبح فيها مجردا من اسلحة الشر والجريمة، ومكشوفا امام الرأي العام،ودفعه الى ردود فعل عصبية، رمى خلالها الكثير من اوراقه الاحتياطية قبل الأوان. لو لم يتصرف ميليس على نحو اعلامي استفزازي مقصود، لما تسنى له كشف وفضح شخصيات مهمة في سياق التحقيق من نمط هسام هسام،رجل المخابرات المتنكر بقناع الشاهد.لقد نجح ميليس ان ينقله من كومبارس في الكواليس، الى ممثل فوق خشبة المسرح،ويفضح من وراء ذلك اسلوب عمل الجهاز السوري، لتضليل التحقيق.

 

تبين ان ميليس نجح في الاستفادة من الاعلام الى اقصى حد ممكن. وتجلى ذلك من خلال الشكوى السورية الرسمية، الى الأمين العام للأمم المتحدة كوفي انان.وقد جاء فيها ان ميليس"استخدم وسائل الاعلام للضغط المنحاز، باسلوب ينم عن الكراهية الشديدة ضد سوريا". لقد صار التعتيم الاعلامي على التحقيق مطلبا سوريا لعدة اسباب: الأول،هو إن هذا النظام يكره الاعلام،ويتحسس منه،ولا يستطيع احتماله،لأنه يذكره دائما بأن حبل الكذب قصير،وإن دار الظالم خراب.والسبب الثاني،هو ان النظام السوري يريد لصورته ألا تمس.ألم يقتل سليم اللوزي،بسبب سؤال واحد لاغير:لماذا يكذب النظام النظام السوري.؟ والسبب الثالث،يريد أن يخرج الاعلام من المعركة كليا،ولهذا السبب كان شرط اسكات الاعلام اللبناني،على رأس مطالبه للتهدئة.وليس مصادفة ان اقتراح هذه التهدئة، جاء بعد اغتيال جبران تويني بأيام معدودة فقط!ويلمس كل من يتابع "النهار" عن كثب، ان الرسالة وصلت بعد مصرع جبران،لكن هامش الرأي(قضايا النهار) في ما يتعلق بالكتاب السوريين، بدأ يضيق تدريجيا،منذ اغتيال سمير قصير، حتى وصل إلى ما صار عليه اليوم.

 

قد يكون أحد اسرار اللعبة ايضا،هو ان تقضي الضرورة باحتفاظ براميرتس بكل هذا البرود والباطنية .إنه حاز، على الأقل،على شهادة الموضوعية والمهنية،التي حجبها النظام السوري عن ميليس.وربما تكمن الحكمة في سحب ميليس وتعيين براميرتس مكانه،في ان الشوط الأول انجز بنجاح من قبل القاضي السابق،وبقي على براميرتس أن يكمل التحقيق ببرود اعصاب، لأن المطلوب في المرحلة الحالية ،هو بناء ملف الادعاء، الذي سوف يقدم الى المحكمة الدولية،التي من المقرر أن ترى النور في هذا الصيف.

 

إن أول ما تعهد به براميرتس هو التزام السرية في التحقيق ،ويجب ان نعترف،شئنا أم أبينا، أنه نجح حيث أخفق سلفه،وذلك من خلال استجواب الرئيس السوري بشار الاسد،ونائبه فاروق الشرع.لقد كان من الواضح أن النظام السوري أراد التهرب من شرب هذا الكأس المر،عبر التشكيك المتواصل بميليس.لكنه من حسن الحظ، إن المجتمع الدولي لم يمنح النظام هذه الورقة،فطوى صفحة ميليس من أجل فتح صفحة المرحلة الثانية، التي اعتمدت على خبرة براميرتس في "الرقص مع الذئاب".

 

لقد اراد النظام السوري ان يماطل في التحقيق، من اجل كسب الوقت من جهة، وتغيير المعطيات على الارض من جهة اخرى.لذا قام باغتيال جبران تويني قبل ساعات معدودة، من تقديم ميليس تقريره الثاني الى مجلس الامن، حول اغتيال الحريري.كان الهدف من وراء العملية،هو تحدي المجتمع الدولي في الدرجة الأولى،وخلق جو يساعد النظام على امتصاص الضغوط،ويحرف اتجاه التحقيق عن مجراه الأساسي.

 

لكن مهما يكن من امر نحن اليوم امام وضع جديد، يصعب عليه أن يدور بزاوية 180 درجة نحو الوراء.ان سنة تفصلنا عن انسحاب جيش الوصاية السورية من لبنان.لقد انتهت هذه المرحلة،ولاعودة اليها. و صار من المستحيل استعادة الماضي ،مهما بدت عملية ولادة المستقبل شاقة وعسيرة. ويجب أن يكون المرء أميا في الحساب حتى يعتقد ،بأن الرئيس السوري اليوم هو نفسه، قبل اسبوعين.لقد كان الى ذلك الوقت يرفض استقبال فريق التحقيق باعتبار انه بريء،لكنه رضخ في نهاية المطاف.وفي جميع الأحوال لايمكن النظر الى هذا الرضوخ على انه أمر شكلي أو تفصيلي .قالوا في الاعلام السوري والتصريحات الرسمية، ان الاسد استقبل براميرتس على فنجان شاي.وليس مهما هنا، سواء كان الأمر يتعلق بالشاي أوالقهوة ،فإن مقام الرئاسة السورية اصبح تحت الشبهة من الآن وصاعدا،وهذه محطة لاتفسر نفسها بالتعاون مع التحقيق من عدمه،بل تصب تلقائيا في مسار يضع الرئيس السوري في قائمة المشتبه فيهم.لقد كان بوسعه أن يصر على موقف الرفض السابق.لكنه مجرد أن قبل المبدأ،فذلك يعني أنه وافق على وضع نفسه تحت الشبهة.ولن يفيده ادعاء البراءة في شيء بعد الآن. فالمهم في الأمر انه سلم رأسه للتحقيق الدولي.وسواء كانت الجلسة بينه وبين براميرتس موفقة أم لا،فإنها كانت بين المتهم والقاضي.

 

هذه هي القاعدة التي ستحكم الشوط الباقي من التحقيق.  

 

*كاتب سوري

 

للتعليق على هذا الموضوع