![]()
9 مايو
2006
سوريا
بين الاخوان
المسلمين والأخوات
القبيسيات
اخشى ان
نصبح مطالبين
وسط هذا القدر
الهائل من
الانحطاط
الشامل ،
للبرهنة على ان سوريا
اليوم لا تتلخّص
بالاخوان
المسلمين والاخوات
القبيسيات،
بل انها
وطن واسع
المدى، كان
حتى الامس
القريب مضرب الامثال،
في تنوعه
الثقافي
والفكري
والسياسي
والديني والاثني.
إن حقيقة أن سوريا
كانت منارة
ليست بحاجة الى أي
برهان. ولا
أعتقد ان ذلك
يستدعي
لأن اعيد
الى الاذهان
سرد السجل
العطر
لرجالات
النهضة
السوريين الذي
كانوا رواد
حداثة
وتنوير، في
زمن كان فيه الظلام
يطبق على
العالم
العربي. من
عبد الرحمن الكواكبي،
ورفيق العظم، وعبدالله الطنطاوي،
وكامل
القصاب، وحتى
الشاعر ومؤسس اول معهد
موسيقي في
دمشق فخري
البارودي،
صاحب النشيد
المعروف "بلاد
العرب أوطاني".
بقيت
سوريا تتفرد
بمكانتها
التاريخية، وموقعها
الجغرافي، وتشكل
نقطة تقاطع
حضارات الشرق
والغرب، ومحط
نظر الكون، ومقصد
الباحثين عن
معجزة الخلق. ولم
تتعثر وتصبح
قرية نائية،
إلا عندما
حكمها البعثيون
الأشاوس (بعث
تشيده
الجماجم
والدم، حسب
شاعر البعث ونقيب
الصحفيين السوريين
صابر فلحوط)،
الذين ينحدر
غالبيتهم من
خلفيات
زراعية، أو
جبلية، أورعوية.
لقد فرض هؤلاء
قيمهم
ومرجعياتهم
الريفية والصحراوية
في جميع مناحي
الحياة، فتراجع
الجانب
الحضاري
المدني
الخلاق، الذي
طبع المجتمع
السوري، منذ
الألف الخامس
قبل الميلاد، عندما
تأسست بداياته
في حضارة" تل
حلف" و"تل بيدر"
و"رأس العين"،
في محيط مدينة
الحسكة
التي شهدت
اللبنات
الأولى،
للحضارات المؤابية
والحثية والسومرية
والآشورية والآرامية،وذلك
في فترة سابقة
حتى على "قوانين
حمو رابي".
مثلما
نكل ضباط
الأرياف
والصحارى
بالقاهرة والجزائر
وبغداد، وحولوها
من حواضر
مدنية عريقة، الى ثكنات واقبية
للتعذيب، استباحوا
دمشق
وعاملوها كما
يعامل الغزاة
السبايا. فصارت
صحراء لا ينبت
فيها الورد الجوري
والياسمين والحبق
والفل، وتحولت
الغوطة
الجميلة
الغناء، التي
تعتبر من جنان
الله على الارض،
إلى مرابض
لدبابات
سرايا الدفاع
والوحدات
الخاصة وبقية
الجيوش
الطائفية، وحقول
رماية وتمرين
لجنود رفعت الاسد
وعلي حيدر
وعلي دوبا
وشفيق فياض
وعلي أصلان
وعلي الصافي،
وأخيرا ماهر الاسد وآصف
شوكت، ومن لف
لفهم من ضباط
الغفلة. فلم
يعد الربيع الطلق
يختال ضاحكا. جف
بردى مع وصول البعثيين
من القرى
العطشى، وغاب
اللوز والجانرك
والاكدنيا
والكرز
والمشمش الاخضر
والتوت والفريز،
وهاجرت
الطيور التي
ما كانت تتوقف
عن الغناء. ولم
يجد نزار
قباني حتى
قبرا يرتاح
فيه، هو الذي
قال في دمشق،
ما لم يقله
المجنون
بليلى. دمشق البيوت
القديمة التي
تعد ثروة
تاريخية، والخانات،
والاسواق.
الحميدية
والبزورية
ومدحت باشا والصاغة
العريقة في
القدم، صارت
تضج
بالمخابرات
والنصابين،
بعد أن كانت
مراكز تجارية
لعدة قرون.
اجدني مضطرا لأن
ابدأ بهذه
الوقفة الطللية،
لأتحدث عن
أمرين
استوقفاني في
الآونة الأخيرة:
الأول،هو
زيارة وفد من
حركة الاخوان
المسلمين
السوريين الى
لبنان. والثاني،هو
كثرة الحديث
عن نشاط
الداعيات الاسلاميات
المعروفات بالاخوات القبيسيات،
نسبة الى
زعيمتهن "منيرة
القبيسي".
أثار
استغرابي تصرف
جماعة "الأخوان
المسلمين"، وتوقيت
زيارة وفدها
في هذا الظرف الى لبنان. و
قرأت عدة
تصريحات تفسر
الأمر، وترد
على الاسئلة
المطروحة، لكني
لم اقتنع بقول
المراقب
العام للجماعة
علي صدر الدين
البيانونيمن
ان "هدف
الزيارة هو
توثيق
العلاقات مع
مختلف الاطراف
اللبنانية،لاسيما
بعد زوال
كابوس وجود القوات
السورية في
لبنان". هذا
كلام يشبه لغة
البيانات
الرسمية
العربية، ميزته
الأساسية انه
يخلو من أي
معنى، ولا
يقدم ولا يؤخر.
كان الأجدى
بالمراقب
العام أن يصدر
عن لغة تذهب
فعليا نحو
مرحلة "زوال
كابوس وجود القوات
السورية في
لبنان". لكنه
يعرف من دون
شك إن صياغة
خطاب يرقى الى
مستوى
المرحلة
الجديدة مهمة
صعبة، لا يستطيع
الاخوان
لوحدهم
القيام بها. إنها
مهمة
المعارضة
السورية
بجميع اطيافها،
أم ان البيانوني
يريد
الابتعاد عن
بقية الاطراف،
والقفز على
هذه
البديهية،
بعد انتقل الى
جبهة الخلاص؟
ليس
لبنان بعيدا على احد، وبوسع
الجميع أن
يقصده، في هذا
الوقت. لكن
الشطارة ليست
في تسجيل
المواقف الاعلامية.
ويعرف الإخوان
اكثر من اخفاقات
تجربتهم في
العقدين
الماضيين، إن اكثر ما
اضر
بالمعارضة هو
ضجيجها الاعلامي،
الذي كان يتم
توظيفه لصالح
جهات اقليمية
اخرى. لقد
كان المرء
يعتقد ان
خطورة
المرحلة سرعت
في نضج القوى
السياسية
السورية، لا سيما
جماعة الاخوان
التي لا تكف
عن تذكيرنا
بأنها حالة
متقدمة على
الآخرين. لكن
على ما يبدو اننا ما نزال
نحتاج الى
الكثير من
الوقت
والجهد، لكي
نصبح جديرين
بتحمل شرف
مهمة التغيير الفعلي،
وليس الخلبي
الاعلامي
الذي يذهب
جفاء.
إن اكثر ما يسجل
على رحلة الاخوان
نحو لبنان هو
الخفة
السياسية
والتفرد. الخفة
لأن الظرف لم
ينضج بعد
للمعارضة
السورية لكي تطل
برأسها من
هناك. والتفرد
هو أن يذهب الاخوان
لوحدهم، في
حين ان
زيارة وفد من
المعارضة كان اجدى، وأسلم
سياسيا، ويفهمه
الناس
ويتفهمونه، ولا
يبدو انه فقط
من باب
النكاية
بالنظام
السوري .
لا
أقول هذا
الكلام من
باب تسجيل
المواقف أو
المزايدة على
جماعة الاخوان،
بل من منطلق
التنبيه الى
خطورة
الانفراد. ولا
شك بأن الاخوان
يدركون مخاطر
الانفراد على
وحدة عمل
المعارضة، ويعرفون
إن بقية فصائل
المعارضة
رفضت في السابق
عقد تسويات مع
النظام، لأنه
أراد الاستفراد
بهم منذ احداث
العنف في
الثمانينات، ويدركون جيدا إن
هذا الموقف
المبدئي
للمعارضة اليساريةهو
الذي شكل سور
حماية لهم. وقد
جسد ذلك رياض
الترك تحديدا.
وبالتالي،
إن انفرادهم
لا يفيدهم، لكنه
يضعف
المعارضة. وارجو
أن يشيروا لنا
الى مكسب
سياسي واحد،
جنته
المعارضة من زيارتهم
المنفردة الى
لبنان.
إن
التنسيق بين
القوى
السورية
واللبنانية مطلب
ملح وضروري، لكن
نجاحه مشروط
بالوضوح
والرؤية
الجماعية، والاقلاع
عن الحسابات
الصغيرة،
والمكاسب الاعلامية
المؤقتة.
أما
حديث "الأخوات
القبيسيات"
فإنه يعتبر
آخر صرعة تصدر عن
النظام
السوري .هو الاضافة
الاكثر
إثارة للجدل
،التي يصفها
تقرير صحافي
حديث، بأنها
ظاهرة لم تعد
مقتصرة على
سوريا والدول العربية
فحسب، بل إن
حلقات"الأخوات"
باتت تدق
أبواب بيوت في
باريس وفيينا،
لتصل الى الولايات
المتحدة .
"القبيسيات"(نسبة
الى
الآنسة منيرة القبيسي) عبارة
عن داعيات اسلاميات،
يشرفن على
تدريس مئات
الآلاف من
التلاميذ منذ
نعومة اظفارهم،
بطريقة
محافظة
تلازمهم في
المرحلة
اللاحقة عبر
الدروس او
المساجد، وصولا
الى
رعايتهم عبر
المساعدات
الخيرية
والأهلية. ويقول
التقرير ان
نجلي كفتارو
(المفتي
الرسمي
السابق
للدولة) والبوطي
(المفتي
السياسي
للنظام) اتفقا
على ان "الأخوات
القبيسيات
يقمن بالدعاء
المستمر
للرئيس بشار الاسد دون
التطرق الى
السياسة". وزاد
البوطي: "ولاؤهن
للوطن كبير". وتشير
دراسة الى
انهن يحرصن
على استمالة
ذوات المناصب
والثريات
وبنات
العائلات
الكبيرة ،ومن
قيادات الحركة
اميرة
جبريل شقيقة
احمد جبريل. ومن
افكارهن،
ان زيارة
الشام واجب، او لنقل حلم
لكل من يتم
لها الإذن
بذلك.
إن
الملاحظ هو ان الحركة
لصيقة الى
حد كبير
بالشيخ البوطي،الذي
عرف عنه تنظيره
للنظام. وهو
صاحب الفتوى
الشهيرة التي اباح
بموجبها للرئيس
حافظ الاسد
الصلح مع اسرائيل.
ثم انها
حركة نسائية
باتت منتشرة
على نطاق واسع
في المدن
الكبرى والارياف،
ويتركز
نشاطها
الرئيسي على الاوساط
السنية، وهي
تعتمد في ذلك
على نفوذ
عائلات
تقليدية معروفة.
اننا لسنا ازاء
دكان سلفي
كالتي برعت اجهزة
المخابرات
بفبركتها
خلال السنوات الاخيرة،
مثل "الاحباش"
و"عصبة الانصار"
و"جند الشام" في
لبنان. ولا امام
بدعة وضروب من
الشعوذة
والدروشة
العفوية، بل امام حركة
اشمل، منظمة
على نحو
مدروس، تركز
نشاطها على المرأة
السورية، وتذهب
ابعد نحو
لبنان والاردن.
إن الهدف من
ذلك واضح، هو
توظيف موجة "الأسلمة" التي
بدأت تجتاح الاوساط
النسائية في
السنوات الاخيرة،
والتي ترافقت
مع العودة الى
ارتداء
الحجاب، والتقاليد
المحافظة، ثم تحييد
جزء اساسي
من المجتمع وابعاده
عن اي
نشاط سياسي
معارض. إن
النظام يخاف من
دون شك ان
ينتقل هذا
المد
المحافظ، نحو
العمل
السياسي، لذا
يعمل على حرفه
في اتجاه صوفي
زائف يعتمد
الخرافات، بتوجيه
من الدعاة
الذين وظفوا
مواهبهم لخدمة
النظام مثل البوطي وكفتارو.
إن
الحديث عن
مئات آلاف الاعضاء
ليس رقما
مبالغا فيه
كما يقول بعض
المطلعين، لأن
هذه الحركة
صارت منتشرة
على نطاق واسع
بعد ان
حصلت على
تغطية رسمية
من الدولة، وصارت
تقوم بممارسة
الوعظ والارشاد
والدعاية لافكارها
في المساجد. وبالتالي
هي نوع من
اتحاد نسائي
جديد بعد ان
فشل الاتحاد
النسائي
الرسمي، وصارت
سمعته سيئة
على جميع
المستويات.
يتضح في كل يوم ان
النظام
السوري قادر
على الابتكار
وتجديد نفسه
حسب الموجة
السائدة. وطالما ان
الموجة اسلامية
الى حين، فلن
يكون مستغربا اذا قرر
تغيير مبادئ
حزب البعث من
العلمانية الى الاسلامية، ولا مانع ان
يتحول حزب
البعث العربي
الاشتراكي الى حزب
البعث الاسلامي
الاشتراكي، بقيادة
جديدة يكون
النصاب الاكبر
فيها
للرفيقات القبيسيات، والأمانة
العامة للشيخ القرضاوي.
إن
الأمر لا يقتصر على
لعبة سياسية
وقتية، بل إنه نهج
يقود في نهاية
المطاف الى
تحويل سوريا الى ريف
صحراوي قاحل، وقتل روح
المدنية
والتنوير
التي عرف بها
هذا البلد على
مر العصور.