23 يونيو 2005

 

 

"قائمة الاغتيالات" اللبنانية:

البداية لزعزعة الحكم السوري

بشير البكر*

 

 تعددت المؤشرت في الآونة الأخيرة إلى أن الحديث المثار على نطاق واسع من حول "قائمة الاغتيالات" اللبنانية لن يكون مجرد قنبلة دخانية، أو محض دعاية انتخابية قام بها وليد جنبلاط، مثلما اعتبر بعض المراقبين، بل هو أمر على درجة كبيرة من الجدية، يحمل في طياته مقدمات قضية اكبر سوف تنشغل بها في المدى المنظور المنطقة والاطراف الدولية المعنية.قضية ستتعدد اتجاهاتها، وربما اهدافها. كما سيترتب عليها خلط للاوراق يأخذ نتائج الانتخابات اللبنانية بالاعتبار، لكن المحور الاساسي في هذه المسألة هو انها سوف تكون المدخل الفعلي للضغط على الحكم في سوريا، بما يتجاوز منطق العقوبات الاقتصادية التي كانت الولايات المتحدة قد بدأت العمل به منذ اقرارها "قانون معاقبة سوريا". فالنية تتجه إلى حشد موقف دولي واقليمي لعزل النظام السوري بتهة الخروج على القانون الدولي، واللجوء إلى اساليب القتل والارهاب لتهديد اللبنانيين وممارسة الضغط عليهم لمنعهم من السير على طريق الاستقرار.  أن التقدير السائد في اوساط اوروبية وشرق اوسطية هو انه مثلما وفرت عملية اغتيال رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري الشروط المناسبة لاخراج سوريا من لبنان بأسرع مما كان منتظرا، فان عملية اغتيال الكاتب والصحافي سمير قصير مرشحة لتكون محطة اولى على طريق الضغوط الدولية التي ستتكثف على الحكم في سوريا، باعتبار انها القطرة التي جعلت الكأس يفيض في ما يتعلق بملف الاغتيالات في لبنان، وقدمت المبرر المباشر لارسال فريق جديد من الأمم المتحدة بهدف إعادة التثبت من الانسحاب التام للاستخبارات السورية، بعد أن كان فريق آخر من المنظمة الدولية قد منح سوريا شهادة براءة في هذا المجال، على اثر مهمة جال خلالها على مناطق مختلفة وزار بعض المقار السابقة للاجهزة الاستخبارية السورية في لبنان. وليس مبالغة القول أن اغتيال قصير قد اعاد هذا الملف إلى نقطة الصفر وشحنه بعناصر اضافية، وتهم لم تكن موجودة عشية استكمال الانسحاب السوري من لبنان في نهاية نيسان/ابريل الماضي.لقد كان رد الفعل الأولي على اغتيال قصير أن واشنطن ومعها باريس أعربتا عن القلق من انزلاق الوضع الأمني في لبنان بعد العملية. لذا سارع الطرفان إلى "النظر في تشديد الموقف على سوريا" وعبر عن ذلك على نحو جلي طلب الرئيس الفرنسي جاك شيراك من الأمين العام للأمم المتحدة كوفي انان "رد فعل دولي قوي لمثل هذا الاستفزاز".

 

 

أربع علامات

 من هنا يتوجب فهم قصد الضجة المثارة حول "قائمة الاغتيالات" التي كان أول من كشف عنها جنبلاط في حديث إلى محطة تلفزيون "ال بي سي" بعد مرور أسبوع على اغتيال قصير، ثم لم تلبث أن صارت مثل كرة الثلج، التي يتم تقاذفها الآن ما بين واشنطن ودمشق. فعلى مدار أسبوع لم يمر يوم من دون أن يتطرق مسؤول اميركي إلى هذه القضية، مما يدل على الأهمية القصوى التي توليها واشنطن للأمر. ويمكن الحديث هنا عن أربع علامات بارزة على هذا الطريق: الأولى، تناول الأمر من جانب الرئيس الاميركي جورج بوش في أكثر من مناسبة، وفي معرض توجيه التحذير والتهديد إلى سوريا، وسعيه إلى حشد دولي ضدها. وتجلى ذلك خلال استقباله رئيس الوزراء التركي رجب اردوغان الذي كان أبدى نية للتوسط بين دمشق وواشنطن. ولوحظ أن بوش عوضا عن أن يرحب بالمبادرة التركية للتهدئة، عبر عن خيبة الأمل الاميركية من تركيا بسبب الاتصالات بينها وبين جارتها سوريا. ونقل عن مصدر في البيت الأبيض أن وزير الخارجية التركي عبدالله غل (سفير تركي سابق في دمشق واحد مهندسي العلاقة الجديدة بين البلدين) وافق الرئيس بوش موقفه من "خطورة" النظام السوري الذي وصفه بـ"الديكتاتوري". الثانية، العودة إلى لجنة التحقق من الانسحاب السوري من لبنان انطلاقا من عملية اغتيال قصير. بدأ الأمر بإرسال محققين اميركيين وفرنسيين من الشرطة الجنائية ومكافحة الإرهاب، وتطور إلى إعادة النظر بالالتزام السوري الكامل بتطبيق القرار 1559، مرورا بمحاولة اميركية فرنسية ايلاء التحقيق باغتيال قصير للجنة المكلفة التحقيق باغتيال الحريري. لكن لاعتبارات تقنية، اقلع مجلس الأمن عن الفكرة واكتفى بإصدار بيان رئاسي يدين العملية، لكنه لم يهمل القضية التي تم إدخالها في صلب القرار 1559، ولكن من باب"قائمة الاغتيالات" التي وجدت مبررها من جهة في قول شيراك: "أن حرية اللبنانيين هي المستهدفة"، ومن جهة ثانية في التدخل السوري في شؤون لبنان ومحاولات زعزعة استقراره. وعبرت عن ذلك تصريحات جنبلاط، التي جاء فيها أن هناك ضباطا سوريين "يجولون في الشوف يسألون عن مرافقي" وأشار إلى "مخطط لاستكمال مسلسل الاغتيالات بعلم بشار الأسد أو من دون علمه، وصفحة الماضي لم تطو وربما هناك قرار بالاستمرار في الاغتيالات".  وأوضح أن جهات عربية ودولية حذرته في السابق من محاولات عديدة لاغتياله والتطاول على بعض أقطاب المعارضة. وفي الاتجاه ذاته كان جنبلاط أكثر وضوحا في حديث إلى احدى القنوات التلفزية الألمانية إذ قال "ما دامت رموز النظام القديم في المخابرات لم تحاسب ولم تدخل السجون، وما دام عشرات من ضباط المخابرات السورية يجولون في جبل لبنان وبيروت والبقاع فمن منا ليس مهددا". ولخص جنبلاط الأمر بجملة واحدة: "يبدو أن القيادة السورية لا تريد أن تفتح صفحة جديدة مع لبنان".

 

 

ساعة الصفر

  جاءت رحلة تيري رود لارسن مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة الأخيرة إلى دمشق في إطار مهمة ذات شقين. الأول، "للإعراب عن قلق من جانب الأمم المتحدة" تقف وراءه واشنطن وباريس، وهو ليس من نوع القلق العادي الذي يمكن تبديده عبر مسكنات سريعة، بل هو في طريقه للتحول إلى صداع رأس دائم لدمشق. ووصف مصدر ديبلوماسي عربي "قائمة الاغتيالات" اللبنانية بأنها تشبه إلى حد كبير قضية "أسلحة الدمار الشامل" العراقية. والنقطة المشتركة هنا هي لجنة التفتيش أو التحقيق الدولية التي بوسعها الذهاب إلى دمشق وطلب مقابلة واستجواب المسؤولين السوريين. وطالما أن سوريا قبلت بالمبدأ فان الباقي تفاصيل حيث سوف تتكفل الظروف برسم "خارطة الطريق" أمامها. وهنا يكمن الشق الثاني من مهمة لارسن بإبلاغ الرئيس السوري شخصيا إيفاد اللجنة التي وصلت على الفور بمجرد مغادرته دمشق إلى باريس للقاء الأمين العام. وقد جرى الحديث عن نزول انان عند رغبة واشنطن إرسال اللجنة بسرعة، بعد أن عاتبه مسؤولون اميركيون "لاستعجاله اعلان اكتمال الانسحاب السوري من لبنان". وتسري في هذا الاطار شائعات قوية مفادها أن الأمين العام قد يعفي مبعوثه لارسن من مهامه ويختار شخصية "أكثر تشددا "مع السوريين، لا سيما وان المرحلة المقبلة تمتاز بالضغط على دمشق وليس التعامل معها بمرونة، وذلك بسبب استمرار"ضغوط سورية" في الملفات الداخلية اللبنانية. العلامة الثالثة هي سلسلة الاجتماعات التي شهدتها باريس يومي 13 و14 من الشهر الحالي على مستويات متفاوتة. الأول جمع عددا من كبار الموظفين والديبلوماسيين الغربيين والاميركيين، ابرزهم مساعدة وزيرة الخارجية الاميركية لشؤون الاصلاح في الشرق الاوسط ليز تشيني، بالاضافة إلى سفراء (في لبنان) كل من الولايات المتحدة جيفري فيلتمان وفرنسا برنار ايميه وبريطانيا جيمس واط. اما الاجتماعات لاخرى فقد جمعت شيراك إلى انان من جهة، والاثنين مع رئيس الوزراء البريطاني من جهة ثانية. واعلن أن الاجتماع الأول خصص لمناقشة الوضع الاقتصادي في لبنان، بينما ركز الاجتماعان الاخيران على قمة مجموعة الثماني المقررة في بريطانيا الشهر المقبل. لكن اوساطا مطلعة في باريس اكدت أن الوضع السياسي في لبنان احتل الاولوية بهدف وضع خطة تحرك في المرحلة المقبلة على ضوء المعلومات التي جرى تداولها في اوساط ديبلوماسية في لندن حول القمة التي جمعت مؤخرا بين بلير وبوش في واشنطن،وكان هدفها غير المعلن هو الاتفاق على "ساعة الصفر" لتوجيه ضربة موجعة إلى سوريا، وتغيير النظام السوري بالقوة من خلال تعبئة الرأي العام الدولي على اساس اخطاء الحكم السوري في لبنان. والنقطة الرابعة هي جولة وزيرة الخارجية الاميركية كونداليسا رايس من 17-23 من الشهر الحالي إلى كل من اسرائيل، الاراضي الفلسطينية، الاردن، السعودية، مصر، بريطانيا، واخيرا بروكسيل لحضور المؤتمرحول العراق الذي ينظمه الاتحاد الاوروبي والولايات المتحدة. ثمة من يؤكد أن الهدف هو حشد التأييد الاقليمي لعزل الحكم السوري.

 

بالاضافة إلى ذلك، لا بد من ملاحظة نقطة اساسية وهي أن هذه الترتيبات تسير بالتوازي مع عمل لجنة التحقيق الدولية باغتيال الحريري الذي انطلق رسميا. وسوف يكون من غير المستبعد أن يلتقي الخطان المتوازيان في دمشق في مفارقة تتنافى مع منطق العلوم الرياضية، لكنها تؤكد حسابات الاخطاء. أن الهدف ليس فقط تجنيب لبنان هزات مقبلة، وانما ضرورة الكشف عن قتلة الحريري وقصير. فهذه الامور تبقى اولوية، كما يقول مصدر اوروبي مطلع، لتعزيز صدقية الاسرة الدولية في لبنان ولاقناع اللبنانيين بأن صفحة تمييع التحقيقات قد ولت. ويعتقد المصدر أن الكشف عن القتلة سوف يؤدي إلى انعكاسات كبيرة وخطيرة، ولكنه سيؤدي ايضا إلى ردع الذين يعتقدون أن لبنان لايزال ساحة للفوضى وتصفية الحسابات.

 

 ملاحظة

كتب هذا المقال بعد ايام من اغتيال سمير قصير،وجاء اغتيال جورج حاوي ليؤكد ما جاء فيه.

 

 * كاتب سوري باريس

bacha@noos.fr

     

 

للتعليق على هذا الموضوع