14 مايو 2007

 

 

 

 

 

 

 

التنوير الزائف

أمل زاهد

 

مع تزاحم الأحداث واشتداد حدتها في هذه البقعة المنكوبة من الأرض ، ومع توالي الكوارث والمآسي المتدفقة علينا من بوابة الهيمنة الأمريكية وربيبتها الإسرائيلية ، وبالتحديد بعد غزو العراق ثم حرب لبنان ، ارتفعت الأصوات التي تتراشق بالاتهامات واحتدم المناخ الثقافي واكفهر بخطاب مشحون ومتشكك في مسيرة التنوير العربي وأهدافه وأيضا فيمن يحملون لواء التنوير العربي ويصنفون تحت خانته  ، وارتفعت علامات الاستفهام تتساءل عن  أهدافهم البعيدة والمتوارية خلف مطالباتهم بالتنوير!

 

وفي تقديري أن الإحساس بالقهر والظلم الناتج عن غزو العراق وحرب لبنان ناهيك عما حدث ويحدث كل يوم على أرض فلسطين ساهم في ارتفاع حدة الاتهامات الموجهة للتيار الليبرالي العربي ورفع من وتيرتها. ومع تحدي بعض رموز هذا التيار السافر لمشاعر الشارع العربي ، ومع تعالي أصواتهم المتبرئة من كل ما هو عربي ، ومع تنامي إحساسهم بالخجل من الانتماء العربي ومن الهوية الإسلامية ، وأمام انبطاحهم للغرب وتبييضهم لصورته رغم ممارساته الهمجية، وأمام إلصاقهم المخزي لكل نقيصة ومسبة بالعرب والعروبة ! ومع استخذائهم ورفضهم الذليل لكل ما ينتمي لثقافة المقاومة بل استهجانهم لهذه المفردة ، كان لا بد أن ينشأ ويتكون هذا الخطاب التخويني والمتشكك في نوايا التنويريين العرب . وبينما تعالت أصوات غربية منصفة تسائل ممارسات السياسة الأمريكية وترفضها وتستهجنها ظلوا هم على غيهم ، وتمادوا في استفزازهم للمشاعر الجمعية الوطنية حتى فقدوا مصداقيتهم تماما..  بل أصبح خطابهم يستدعي سخرية الناس واستهزائهم ! وبات يقابل بالرفض التام والعزوف  عن مطالعة جرائد ومطبوعات معينة انتهجت ذلك الخطاب الانهزامي والتقريعي لكل ماهو منتم للعرب والعروبة ، والمحابي بفجاجة ورعونة للمارسات الغربية الاستعمارية .

 

ووصلت الأمور إلى ذروتها في ساحتنا الثقافية العربية واختلط الحابل بالنابل واهتزت المرئيات  وصوبت الاتهامات ولم تسلم منها حتى الأصوات  التنويرية الحقيقية ، وحدث غمط لمفهوم التنوير واختلط  على الناس معناه وتشابك  مع ما يسمى بالليبرالية العربية الجديدة ومبادئها المحتفية بكل ما هو خارج من تحت قبعة غربية !

 

وأصبح التراشق بالتصنيفات والمسميات إحدى سمات وملامح مشهدنا الثقافي ، وذلك لأن إحدى أكبر مآسينا يتجلى في ذلك التطرف في تبني الآراء الحدّية ، والجاهزية في إطلاق الأحكام وفي التحزبات المسبقة ومن ليس معي فهو بالضرورة ضدي ! وإذا ما اختلفت  اختلافا جزئيا مع أحد المعسكرين الثقافيين في رؤيتك  للأمور وقراءتك  للواقع  فلا بد من أن تصنف في الخانة الأخرى فتنضم  إلى جوقة  المنبطحين والمتنكرين للعروبة .. أو أخوانهم  العلمانيين الفاسقين  تارة ! أو قد يخالف رأيك المعسكر الآخر في جانب ما  ، فتحشرك يد التحزبات المسبقة - بقدرة قادر- مع زمرة أولئك  الظلاميين الماضويين الراغبين في ردة المثقف العربي عن طرق التنوير القويمة !

 

  ورغم أنه من المفترض أننا أمة الوسطية ، فلا يوجد للوسط والوسطية مكان في حياتنا ! فقد ارتفعت الأصوات  عالية  صاخبة  بعد حرب لبنان – على وجه الخصوص -   لتضع التنويريين وأبناء عمومتهم الليبراليين جميعا  في سلة واحدة ، ولتحشرهم جميعا أيضا  مع ذات الزمرة المنحرفة المتنكرة للهوية والمتبرئة من الانتماء الإسلامي  ، وأضحت العقلانية تهمة والمطالبة بحرية التعبير وصمة على جبهة المثقف ! وقد تقتلع عبارة لأحد الكتاب من سياقها  لتضمينها ما لم تتضمنه ، ولتحميلها ما لم يمكن بحال أن تحتمله بغرض التصيد وليتم حشر كاتبها في زمرة السفهاء والمأفونين ! والويل كل الويل لك لو حاولت  أن تطرق مواضيع معينة تم تصنيفها تحت بند التغريب والعلمنة ، ولا تحاول مطلقا مقاربة ما تم التعارف عليه أنه من مفردات التنوير وأدبيات الليبرالية كحقوق الإنسان والأقليات أو حقوق الطفل والمرأة ! وإياك أن تحارب الجهل والخرافة وإلا صنفت من أولئك الرافضين للغيبيات والمنكرين للحقائق المجردة ! ولا تطالب بالموضوعية فتلك لعمري تهمة خطيرة ،  لا تلبث أن تحاكم على انتهاجها ثم يلقى  بك في غيابات سجون العمالة والتخوين والإنكار والمنكرين . ولا تحاول مطلقا الدفاع عن حرية التعبير الفني أو الأدبي ، ولا تحاجج  قائلا أن الأدب تصوير لواقع الحياة بكل نقائصها وبشاعتها ، وأن النصح والوعظ يقضي على المقاييس الفنية في العمل الإبداعي ، ولا بد أن تنادي  بأسلمة كافة العلوم ومختلف الفنون ، وإلا وضعت في خانة الفسدة والمفسدين!

 

واحتار المثقف العربي الحقيقي والصادق مع نفسه  أي الطرق ينتهج دون أن يتعرض لحمم براكين الغضب الجامح  ؟ فهو في كل الأحوال من المغضوب عليهم من أحد المعسكرين! فهو يرفض الاستلاب الغربي لثقافته والهيمنة الاستعمارية التي يشاهدها تنهش جسد وطنه العربي من أقصاه إلى أقصاه ، ولكنه في ذات الوقت يسعى حثيثا لتحقيق قيم التنوير الحقيقة والتي لا يرى فيها مساسا بأصالة هويته أو اختلافا مع جوهر دينه السمح ، بل يرى في تبنيها تحقيقا لمقاصد الدين العظيمة المؤكدة على تساوي البشر، وتعزيزا لقيم التسامح والتعددية التي نادت بها تعاليم الشريعة السمحة. وهو أيضا يرفض الخرافات والجهل والتخلف ويسعى للمساهمة في إنتاج الحضارة الحديثة وذلك بتبني المنهج العلمي وتقديس العلم والعمل والاعتزاز بالعقل الذي شرف الله سبحانه وتعالى ابن آدم  به .  وهو أيضا لا يرى بأسا في الأخذ بما يراه مفيدا من الحضارة الغربية ودمجه مع قيم التراث العظيمة  ، مع المحافظة على تلك العلاقة الجدلية بينه وبين الغرب والواقعة في منطقة وسطى مرنة بين  الانفتاح والاكتفاء ، الانفتاح الذي يبعده عن الانكفاء على ذاته والتقوقع عليها والتوجس والخوف من الآخر، والاكتفاء الذي يوفر له الإحساس بالأمان والأصالة والتجذر ، ويحافظ على ملامح هويته الثقافية وانتمائه الديني وينأى به عن التبعية .

 

وهنا لا بد من التفريق بين التنوير الحقيقي والتنوير الزائف ، وتبرئة ساحة الراغبين حقيقة في رفعة أمتهم ونهضتها والمعتزين بإرثهم الثقافي ، ولا بد من المصالحة بين قيم التنوير الحقيقة والساعية لمصلحة الإنسان وتحقيق الرخاء والمنفعة له ، وبين قيم الدين التي لا يمكن مطلقا أن تتعارض مع قيم التنوير ..  وما قيم هذا الدين الحنيف إلا تنوير من بعد طول ظلام ، وعلم مستنير بعد جهل عم الآفاق ، وما هي أيضا إلا تحرير للإنسانية من ربقة الخرافات وعبادة الأوثان إلى رحابة عبادة الله الواحد الديان  ، وما هي إلا وسيلة لرفعة ورقي الإنسان .

 

Amal_zahid@hotmail.com

 

للتعلبق على الموضوع

 

 

alwalid@online.no> 

Date: Wed, 16 May 2007 14:09:08 +0200

 

    انك تعيدين الاعتبار لنا كليبراليين جدد بمواقفك المتّزنة يا أمل زاهد. لقد ظنّ كثيرون ان الليبرالي العربي هو الذي يساند امريكا حتى حينما تسحق جنودها  اخوته وتمارس التعذيب ضدّ  أبناء عمه في ابوغريب. هذه الصورة هي التي أساءت بل وجعلت التوجه الليرالي الجديد يتماهى عند الشعوب العربية مع الخيانة وأحتقار الذات. .. فاليبرالي العربي الحقيقي هو ليس الذي يدعم امريكا واسرائيل ولا بن لادن او السيستاني ولا مبارك والاسد. الليبرالي الحقيقي هو الذي يتضامن مع المضطهدين دفاعا عن العداله ويساند حقوق الانسان عندما تخرقها امريكا او السعودية او صدام او احمدي نجاد. الليبرالية العربية موقف قيم انسانية . وليس دفاع عن سياسات دول تحكمها المصالح لا المبادي ولا القيم. وكما قال عليّ : الحقّ لا يعرف بالرجال (ولا بسياسات  الدول). اعرف الحقّ تعرف اهله.

 

من بين ركام الاقلام التي اتاحت لها الانترنت ان تعبر عن نفسها اجد في قلمك تميّزا وفي نظرتك رؤية حادّة وشجاعة. فشكرا.

 

وليد الكبيسي